أضيف بواسـطة addustor

المشكلة التي تسود معظم مظاهر الثقافة العراقيّة , هي التعامل مع الحدث أو الظاهرة الثقافية على أساس غير موضوعي , وفي أكثر الأحيان وفق مبدأ المدح والذم دون الركون إلى العمل الابداعي , أو إلى المنجز الذي يستحق الاشارة والتقويم والبحث والدراسة .

إن إقران المنجز الثقافي بالعامل الشخصي يعدّ من الأمراض المزمنة التي يجب أن نعالج جسد الثقافة العراقيّة منها , وان نتخلّص من الرؤية الساذجة والنظرة السطحية المنفعلة ونحن نتحدث عن العطاء الابداعي , وإلا ستكون ثقافتنا متشنجة بعيدة عن العمق تخضع للأمزجة الشخصيّة وللنظرة المسبقة والأحكام الجاهزة , التي لا تحقق سوى الخذلان وقصور الرؤية وانعدام الأحكام النقدية الدقيقة والإبتعاد عن الموضوعية وأخلاقيّات التعامل الثقافي الحضاريّ المتقدّم .

مناسبة حديثي حول هذا المرض الشائع , الرسالة التي تلقيّتها من أحد الأصدقاء , وهو ينتقدني فيها لأنني أتحدّث بإعجاب ومحبة وموضوعية عن تجربة مثقف له حضوره الطيب وتجربته التي تميّز بها عن أقرانه , فكتبت ُ عنه كلمة حقّ ورؤية نقديّة تستحقها تجربته , أما الانتقاد الذي جاء في الرسالة فلم يكن ثقافيا أو فنيا أو رأيا نقديا مختلفا , بل هو عتاب شديد اللهجة والانفعال , سببه أنني كتبت ُ عن (فلان) , وهذا الفلان لا (يحبه) صديقي صاحب الرسالة , الذي أجبته بكل محبة وهدوء عن مبررات كتابتي , رغم أنني غير مطالب بذكر هذه المبررات , لكنني تعاملت ُ معه كصديق محب , كما ذكرت ُ له استحقاق (فلان) لأكثر مما كتبت ُ وأننا يجب أن نحتفي ببعضنا البعض لا أن نحبط بعضنا البعض , وأن نبتعد عن الهواجس الشخصية ونحن نكتب عن تجربة إبداعية نتلمس فيها إشراقات مهمة ومشروعا ثقافيا جادا , طبعا هذا الكلام لم يعجب صديقي صاحب الرسالة , فشنّ هذه المرّة هجوما عليّ وعلى شعري وعلى تجربتي , وكأن الأمر هكذا سباب وشتائم وكلام يلقى على عواهنه , أما أنا فاكتفيت ُ بالصمت كي لا أنزل إلى منطقة حرصت ُ في كلّ حياتي أن أتجنبها .

لا أريد هنا أن أدافع عن نفسي , وعن كتاباتي , فأنا مؤمن بها كبير الثقة بكل ما جاء فيها , أما مسعى صديقي صاحب الرسالة فهو مسعى مرضي أعرف تماما أصوله وجذوره , وكنت أتمنى عليه أن يحاول التخلّص منه , لأنه سيقوده إلى استنتاجات ورؤى وتعاملات غير دقيقة بعيدة عن الموضوعية , وأنا أعرف بأن إخواننا المصريين حين يتحدث الواحد منهم عن الآخر يصفه بالكبير والعظيم المتميز , بينما هو يعرف ضآلته وصغره , أما نحن وللأسف الشديد فإننا نحاول أن نغمط حق زملائنا , متصورين أننا سنكبر في تصغيرهم , وعكس ذلك هو الصحيح , وقد لمست ُ ذلك يوم قرأت قصيدة أعجبت الحاضرين جميعا في أحد المهرجانات , وقد جاءني أحد الأدباء العرب وقد طلب مني نسخة من القصيدة التي ألقيتها ثم أجرى معي حوارا في إحدى الصحف اللبنانيّة , وبعد أن انتهينا تأفف وقال لي بألم : لماذا حين سألت ُ عنك فلانا من زملائك الشعراء امتعض وقال لي رأيا سلبيا , بينما لم تتحدث أنت إلا باحترام وود عن جميع زملائك ؟

أجبته : لا أدري !!..فقال بل تدري جيدا , ولكنني فهمت الآن ما يدور في وسطكم الثقافي , ويا للأسف فهو وسط مليء بالعقد والأمراض , قلت ُ له مدافعا , بل هناك ظروف قاسية يعيشها المثقفون جعلت من بعضهم يتصرفون بمثل هذا التصرّف .

لقد كانت تلك حادثة مرّ عليها أكثر من عشر سنوات  , فما آن الأوان لنتحدث عن بعضنا البعض بمحبة ودون عقد أو أمراض ؟

المشـاهدات 90   تاريخ الإضافـة 27/06/2020 - 23:14   آخـر تحديـث 04/08/2020 - 08:09   رقم المحتوى 7684
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Addustor.com 2016