الثلاثاء 2020/7/7 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 34 مئويـة
نيوز بار
نافذة أفق أخضر مفتوح على الإبداع
نافذة أفق أخضر مفتوح على الإبداع
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب ناطق خلوصي
النـص :

حين قرأت مقال الدكتور جمال العتابي عن رواية ” خمس نساء ” للدكتورة حنان المسعودي منشورا عام 2015 ، على ما أتذكر ( وهو أول مقال قرأته له من مقالاته النقدية ) ، أدركت بأن ناقدا ًعراقيا ً جديدا دخل ساحة النقد ، محتميا ً بمستوى وعيه الفكري المتقدم ورصيده الثقافي ، ليأتي كتابه ” أفق مفتوح ” فيؤكد الرأي الذي ذهبت إليه . وأعترف بأن مقاله الذي أشرت إليه عن رواية ” خمس نساء “هو الذي عرّفني بالرواية المذكورة ودفعني لكتابة مقالي عنها : ” هموم المرأة الشرقية في رواية خمس نساء ” ، والذي نشر في جريدة الزمان في الأول من نيسان 2015 .

صدر هذا الكتاب عن دار الجواهري، وجاء في 175 صفحة من القطع المتوسط ، وضم ” قراءات نقدية في الرواية وموضوعات أخرى ” كما جاء على غلافه الأول . والـ” الموضوعات ألأخرى ” هذه إنما هي قراءات في الشعر والفن فضلا ً عن انطباعات وعروض كتب، تبرر كلها العنوان الذي اخترناه لهذا المقال، فالكتاب في الواقع إنما هو أفق أخضر ينفتح على فضاءات متنوعة من الإبداع .

يُستهل الكتاب بمقال لرياض رمزي بعنوان ” جمال العتابي … حياة من لونين “، يسرد فيه جوانب من السيرة الشخصية للناقد ، مارا ًمن خلال ذلك بحضوره ضمن ما يمكن تسميتها بـ ” جماعة الحرية ” ، وهي مجموعة من المثقفين الذين كانوا يقيمون أو يلتقون ، في مدينة الحرية ، الحي الشعبي الواقع في كرخ بغداد ، وقد نشر العتابي ذكرياته فيها من خلال أكثر من مقال . ويمكن القول أن ما كتبه رياض رمزي لم يكن مقدمة للكتاب بقدر ما هو مقال تعريفي بالمؤلف والتوقف عند جوانب من معاناته ، فهو يقول بهذا الصدد : ” إن الرجل موضوع هذه المقالة كان يرى الموت في كل مكان ، فقد قرر لتجنب اللقاء به ، أن لا يقوم بأي عمل كي لا يترك أي شكل من أشكاله يتجلى له ويفتك به . إذن قرر أن يعيره أقصى انتباه ” 0 ص 9 ) .

تتوزع مادة الكتاب في ثلاثة محاور يحمل كل منها عنوانا ً : ” في الرواية ” ، ” في الشعر ” ، و” الغاية واحدة ” . ففي محور الرواية يختار عملا ً روائياً لروائية واحدة وأعمالا ً لتسعة روائيين (وجميعهم من العراق ) ، ولا يغطي هذا العدد ، بالتأكيد ، سوى جزء يسير جدا ً من المشهد الروائي العراقي الواسع ، لكنه يجمع أعمالا ً تنتمي إلى أجيال مختلفة بدءا ً من أحمد خلف القادم من جيل الستينات وانتهاءً بحنان المسعودي التي ظهرت في ساحة السرد قبل بضع سنوات ، وسنتوقف قليلا ًعند ثلاثة من هذه الأعمال : ” تسارع الخطى ” لأحمد خلف و ” ما بعد الجحيم ” لحسين سرمك حسن و ” ذاكرة أرانجا ” لمحمد علوان جبر .

يختار الناقد ” الشكل الثقافي النوعي في السرد “عنوانا ً لمقاله عن رواية ” تسارع الخطى ” معرّفا ً ، في البدء ، بالروائي وتاريخه الإبداعي وهو على إلمام بهذا التاريخ لاسيما إنهما من منطقة سكن واحدة ، وما يلبث أن يبدأ بالتوغل في المتن الروائي ، مشيرا ً إلى أن مقطعا ً شعريا ً للشاعر الفرنسي سان جون بيرس يتصدرها ” وهو تقليد يحمل أسراره الخاصة به ، ويهبها لنا بحكاية سيكون سردها لطفا ًيفرض الاستمتاع به ، وهي إشارة ذكية لشحذ عقل القارىء وشد انتباهه ، بزجّه بالحدث منذ اللحظة الأولى في المباشرة بالقراءة ” ( ص 23 ) ، وبذلك يحدد الناقد واحدة من سمات الروائي الإبداعية وخصائص أسلوبه السردي . وهو لا يعمد إلى إعادة سرد أحداث الرواية ، إنما يلجأ إلى التحليل ، ويقول أن : ” أحمد خلف يعتمد بنى نصية صغرى ترتبط بالبناء الأساس وتقيم معه علاقات أينما وجدت، تلك البنية الأساسية في النص ، لها شبه استقلال ، وإن كان تعلقها به خاصا ً ومتميزا ً ” ( ص 24 ) .ويقوم الناقد بسياحة في فكر الروائي وقراءاته واهتماماته السردية من خلال ” تسارع الخطى ” ، ويخلص إلى القول أن ” تسارع الخطى كشف لواقع الدمار ، لا تكتفي الرواية بعرضه ، إنما تحيله إلى إشارات معرفية ، على مستوى الذاتي بما يعنيه من وعي ومعرفة وإحساس وعلاقة وحلم ” ( ص 25 ) .

أما قراءة الناقد لرواية ” ما بعد الجحيم ” للدكتور حسين سرمك حسن ، فقد جاءت بعنوان ” نص مغمس بالدم ” ، ولا غرابة أن يأتي العنوان بهذه الصياغة فالرواية رواية حرب والروائي شاهد عيان بفعل طبيعة عمله طبيبا ً في جبهات القتال . يقول الناقد ” منذ اللحظة الأولى ينصّب اهتمام حسين سرمك على خلق الجو المعادل للجحيم ، شعرت بالخوف منذ تلك اللحظة أن أواصل القراءة بهذا المستوى من السرد ، تولّد لدي إحساس قوي بواقعية الأحداث ومأساويتها .. وأنا لا أزعم أنني أمتلك الشجاعة على تحمل تراجيديا جديدة .. فأتساءل مع نفسي إلى أين يمضي بنا سرمك .” ( ص 68 ) . أما سرمك فيأخذ قارىء روايته ثم ناقدها متجولا ً بهما في مسالك الحرب الشائكة بما تنطوي عليه من مآسِ ومواجع من خلال سيرة مقاتل يتتبعه الناقد فيلقي الضوء على المنحى السردي الذي اعتمده الروائي ، القائم على التحليل النفسي ( بحكم تخصصه في الطب النفسي ) ، ويقول أن الرواية ” بلغتها ترتقي بالواقع بلغة مكثفة ومكتنزة ثراءً إذ يعنى الكاتب بانتقاء مفرداته ويعنى بإيصال دلالاتها الموحية ، المشعة ، ويستفيد الكاتب هنا وفي مثل هذه اللمسات بخاصية التكثيف الشعري ويضيفها إلى نثره فتجنبه الإطناب والسرد التقريري والمباشرة في التعبير والسطحية في التصوير ” ( ص 72 ) ، فيلخص بهذا المقطع أهم سمات الأسلوب السردي للروائي .

وتأتي قراءة الناقد لرواية”ذاكرة أرانجا ” لمحمد علوان جبر ” بعنوان ” قراءات في ذاكرة أرانجا “. يوحي عنوان الرواية بصلة أحداثها بالتاريخ ، وتشي بذلك مفردتاه ” ذاكرة ” و ” أرانجا ” وهو الاسم التاريخي القديم لمدينة كركوك التي يُفترض أن تدور فيها الأحداث ، لكن المدينة ، مكانا ً، ظلت على الهامش ، مع أنها شهدت أحداثا ً مأساوية في مرحلة من مراحل تاريخها الحديث . . يقول الناقد عن الرواية ، بهذا الصدد ،أنها ” وهي ، وإن تشعرك بنكهة المكان منذ صفحاتها الأولى ، ألا أن فصولها اللاحقة ابتعدت عن ( أرانجا ) لتتحدث عن واقع عائلة بانتمائها الريفي وجدت في المدينة أملا ً واحدا ً وهو الخلاص من البؤس والانتقال إلى عالم الاطمئنان والراحة ، بعبارة أدق لم يختص النص بالمكان مثلما كنت أتوقع فاستعار محمد علوان ” أرانجا ” لتمر عليبها الذاكرة سريعة في بعض اللقطات ” ( ص 62 ) ، بمعنى أن الرواية أصبحت واقعية بعد أن اهتزت صلتها بالتاريخ . لكن الناقد يتعاطف مع الرواية ويتناغم مع المنحى الفكري الذي ينتظمها . ويختتم قراءته للرواية بقوله : ” لم يكن محمد علوان غامضا ً أو معقدا ً ، كما كان بعيدا ً عن المباشرة أو التقرير فراح يبني شخوصه من أعماقنا الحزينة وينسج أحداثه من جزئيات حياتنا ، ويحرك هذه وتلك وفق رؤاه التي صاغت هذا العمل الفني “( ص 65 ) .

وضمن هذا المحور ثمة مقال يحمل عنوان ” تجليات السياسي في النص الروائي : الوشم لعبد الرحمن مجيد الربيعي نموذجا ً ” يخصص النصف الأول لدراسة مهمة عن الرواية العراقية منذ نشأتها وهو يقول : ” ورغم أن الرواد الأوائل كانوا ( رواة ) أكثر مما كانوا ( روائيين ) فإنهم أسسوا قاعدة الانطلاق الفنية في الكتابة الروائية ” ( ص94 ) . لكنه يطرح وجهة نظر قد يجد من يعترض عليها حين يقول بتعميم شبه مطلق : ” إن الرواية السياسية الممالئة للسلطة فقط ، هي التي ازدهرت في عقد الثمانينات لتواطؤ الكاتب مع النظام الذي انبرى لعقلنة عبثية الحروب ” ( ص 96 ) . وفي رأينا إن ما نُشر من أعمال قصصية وروائية عن الحرب لم يكن جميعه من النوع الذي أشار إليه الناقد . فالكثير مما كُتب آنذاك كان يتعاطى مع الحرب من منطلق وطني وإنساني وبين الذين كتبوا قصة الحرب العديد من المبدعين ما زالوا يشغلون مواقع مهمة في المشهد السردي العراقي (راجع ” ببلوغرافيا قصة الحرب 1981 ــ 1988 ” إعداد سليم السامرائي ، إصدار دار الشؤون الثقافية العامة ) . ويختار الناقد رواية الوشم نموذجا ً لنمط من العمل الروائي استجد في زمن صدورها . وهو يقول بهذا الصدد : ” ورواية ( الوشم ) موضوع بحثنا ، تنتسب إلى جنس أدبي جديد على الواقع الثقافي آنذاك . إنها من أدب ( الانهيارات السياسية ) يتشكل فيها زمن البطل من لوحين متوازيين : هزيمة ساقطة في الماضي ، وندم ويأس ساقط في الحاضر ” ( ص 99 ) . وتحت عنوان ” أثر الدرس ودهشة السرد ” يكتب الناقد قراءته لرواية ” الطلياني “للكاتب التونسي شكري المبخوت التي فاز عنها بجائزة ( البوكر ) العربية عام 2015،

أما في محور ” في الشعر” فأن العتابي يتحدث عن أعمال ثلاثة شعراء : رشدي العامل وجواد الحطاب وريسان الخزعلي . . فعن قصائد رشدي العامل وتحت عنوان (كلمات تولد في معبد الجمال ) يقول أن : ” رشدي العامل ، وإن انتمى لتيار اليسار ، فإن تجربته تلك كانت حافلة بالمذاق الحار ، في ذروة مجد هذا التيار أواسط الخمسينات والستينات . وظل شعره يعبّر عن تلك المرحلة بأصدق النماذج تمثيلا ً لاتجاه الأدب الواقعي ” ( ص 120 ــ 121 ) . ويستشهد بنماذج من شعره بما يؤكد أن قصيدة العامل مفتوحة على أفاق متعددة .

ويتميز محور” الغاية واحدة ” بتعدد موضوعاته وتنوعها ، فمن الفن التشكيلي ( والخط والزخرفة على وجه التحديد ) من خلال الحديث عن تجربتي صادق الصائغ ومحمد سعيد الصكار ، إلى الموسيقى حيث يعود طالب القره غولي إلى الينبوع السومري .ويجد الناقد فرصته لعرض كتابين من خارج المحورين السابقين أحدهما كتاب ” شذرات من تاريخ جمعية الطلبة العراقيين ” للكاتب قحطان الملاك وهو كتاب توثيقي يسرد تجربة كاتبه عن عمل تلك الجمعية ، أما الآخر فهو ” الدكتاتور فنانا ً” لرياض رمزي الذي يتكرر اسمه للمرة الثالثة بعد : ما يشبه المقدمة التي كتبها ، ثم قراءة الناقد لروايته التي نحمل عنوان ” التيس الذي انتظر طويلا ً ” . وتحت عنوان ” الغازية : بقايا قصص وأسرار”يكتب جمال العتابي واحدا ً من أجمل النصوص النثرية ، بدا فيه كأنه يتغزل بمدينته الأولى . واختتم الكتاب بمقال يحمل عنوان ” وزير من الزمن الذي مضى ” يتحدث عن جوانب من سيرة إبراهيم كبة احد أبرز وزراء ثورة 14 تموز ، من خلال قراءته لكتاب ” إبراهيم كبة ودوره السياسي والفكري في العراق 1919 ــ 2004 ” تأليف أحمد مريح المنصراوي .

إن كتاب ” أفق مفتوح ” بتعدد موضوعاته وتنوعها ينطوي على أهمية خاصة وهو جدير بالقراءة

المشـاهدات 51   تاريخ الإضافـة 29/06/2020   رقم المحتوى 7708
أضف تقييـم