الثلاثاء 2020/8/4 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 34 مئويـة
نيوز بار
مراجعات البردوني.. وأسئلة الوجع الكبرى
مراجعات البردوني.. وأسئلة الوجع الكبرى
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب ​​​​​​​رياض طبرة
النـص :

كلما ذكرت اليمن زحفت إلى الذاكرة أسماء ترتبط بها، أسماء سجلت ذاتها في لوح الخلود... فما أن تذكر اليمن حتى يذكر اسم (سبأ- ومأرب- وبلقيس- وصنعاء وعدن والهمداني وعلي أحمد باكثير) وحين تذكر بذلك فإنها أضحت اليوم تذكر باسم عبد الله البردوني. ‏ ويضيف الدكتور حسين جمعة رئيس اتحاد الكتاب العرب في تقديمه لكتاب الجيب الصادر عن الاتحاد تحت عنوان (الثقافة للجميع) (عبد الله البردوني) قصائد مختارة ودراسات. ‏ وليس هذا على البردوني بكثير فهو يتقدم إلينا من صميم التاريخ اليمني وقد بثه لواعج الشوق، ومنحه بيدراً من دفء العاطفة في ديوانه الأول (لأرض بلقيس 1961) ثم أشعل لأرض بلقيس بيارق الصبح فقايض الاحتراق بالاحتراق وهو يغني (لعيني أم بلقيس 1973). ‏ وكان قد حاك من تاريخ اليمن وثقافتها درر الشعر وهو يبحر في (طريق الفجر) 1968، فالبردوني عاشق متعبد لمحراب اليمن وثقافتها الأصيلة التي فجرها أبناء اليمن حضارة عريقة، وما كان هذا منه إلا سعياً نحو نهضة ثقافية أدبية راقية فكان ديوانه (السفر إلى الأيام الخضر 1974). إلى أين هذا بذاك اشتبه، ومن أين يا آخر التجربة؟ إلى أين أضنى الرصيف المسير وأتعبت الراكب المركبة، والأسئلة عند البردوني ليست أسئلة مزيفة ولا تحتاج إلى أجوبة إنها تشكل بنية ثقافية وحالة شعورية مكثفة تؤدي في نهاية المطاف إلى التعبير عن رواية جديدة تصوغ الحياة صياغة أكثر تعبيراً عن آدمية الإنسان، فإذا كان الناس يضطلعون بهمة بناء المثل والقيم النهضوية والمتقدمة فإنه يطلب في نهاية القصيدة من كل إنسان أن يتمرد على موته: ‏ عرفت القرارات رغم السطوح/ كما تعرف الخنجر الأرنبة ‏ ,قتلت مراراً فزد مرة/ يحسّوا بأن القتيل انتبه ‏ ويقول خالد عبد الله الرويشان: إذا كانت التجربة الإبداعية للبردوني لم تلق اهتماماً كافياً أو حتى عادياً، وإذا كان ذلك محزناً، وهو محزن بحق، فإن تجربة الإنسانية الفريدة وهي تعانق تجربته الإبداعية لم تلق اهتماماً من أي نوع على الإطلاق، وعند تأمل تفاصيل هذه التجربة الإنسانية وملامح هذه الشخصية لا تستطيع إلا أن تعجب وتتساءل: كيف استطاعت وردة أن تطفح بالحياة وأن تشرق بالأمل بين صخور القسوة وفي قيعان اليأس ووسط بيئة زهر أشجارها شوك وأجمل أيكها طلح عنيد يسقى بالريح ويتيه باليباس. ‏ المفارقة أن حضور القسوة وقيعان اليأس هذه كنبت كما يقول رويشان أحلى عنب تعرفه الدنيا! تماماً مثلما أنبتت درة الشعر الخالد وقيثارته العذبة (عبد الله البردوني في وسط اجتماعي وظرف تاريخي غير موات وأسرة فلاحة بسيطة لم تعرف قلماً أو كتاباً ربما كمئات خلت من السنين.. إنها عبقرية اليمن الخاصة ومفارقاتها اللافتة ‏ أقول: ماذا ياضحى، يا غرب؟ ‏ في القلب شوق غيرما في القلوب ‏

في القلب غير البغض غير الهوى ‏

فكيف أحكي يا ضجيج الدروب ‏ لم لا يذوب القلب مما به ‏

كم ذاب لكن فيه ما لا يذوب ‏

ويقول الدكتور عبد العزيز المقالح: ‏ ليس البردوني شاعراً فحسب بل هو ناقد أدبي وكاتب اجتماعي وتكاد الكتابة النقدية أو الدراسة الاجتماعية في الأيام الأخيرة تكونان صلته الوحيدة بالمتلقي بعد أن جفّ ضرع الشعر أو كاد وهو جفاف مؤقت يعود إلى رتابة الواقع، والرتابة بالنسبة للشاعر والشاعر السياسي بصفة خاصة تمثل العدو التقليدي، فتكرار الأشياء يعني تكرار الحديث عنها والتكرار على أهميته يفقد الشعر بلاغة التعبير وسحر الأداء. ‏

البردوني بقلمه: ‏

وتحت هذا العنوان نشأ في قرية البردوني من أعمال زراجة (بالحرار) وهي قرية شاعرية اللواء ذهبية الأصائل والأشجار يطل عليها جبلان شاهقان مكللان بالعشب مؤزران بالنبت العميم ولهذه القرية في نفس الشاعر ذكريات وذكريات فيها ولد سنة 1348 هـ حوالي (1905) م. ‏

أغمض عينيه العمى بين الرابعة والسادسة من العمر بعد أن كابد الجدري سنتنن، وقد كان حادث العمى مأتماً صاخباً في بيوت الأسرة لأن ريفه يعتد بالرجل السليم من العاهات فرجاله رجال نزاع وخصام فيما بينهم فكل قبيلة محتاجة إلى رجل القراع والصراع الذي يقود الغارة ويصد المغير. ‏

وفي نهاية السابعة استهل الشاعر المنتظر التعليم في مدرسة ابتدائية في القرية واستمر سنتين انتقل على أثرهما إلى قرية المحلة من أعمال ذمار وفيها أقام أشهراً بين البيت والمدرسة بدأ يقرض الشعر وهو في الثالثة عشرة من عمره وأكثر هذا الشعر شكوى من الزمن وتأوه من ضيق الحال، وفي هذا الشعر نزعات هجائية تكون من قراءة الهجائين ومن سخط الشاعر على المترفين الغَلْف فقد كان يتعزى بقراءة الهجو ونظمه، لكن ليالي الجائعين لها مكانتها: ‏

هذي البيوت الجاثمات إزائي ‏

ليل من الحرمان والإدجاء ‏

من للبيوت الهادمات كأنها ‏

فوق الحياة مقابر الأحياء ‏

تغفو على حلم الرغيف ولم تجد ‏

إلا خيالاً منه في الاغفاء ‏

وتضم أشباح الجياع كأنها ‏

سجن يضم جوانح السجناء ‏

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 26/07/2020   رقم المحتوى 8292
أضف تقييـم