الأحد 2021/3/7 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 10 مئويـة
نيوز بار
دور التقانة الحديثة في تقارب الناس وتباعدهم
دور التقانة الحديثة في تقارب الناس وتباعدهم
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ.د.جمعة رشيد الربيعي
النـص :

في خضم الانفتاحات الواسعة التي تسبب بها التطور العلمي والابداع التقني والانتشار الضخم لوسائل الاتصال الحديثة وريادتها للانشطة المختلفة وبلوغها ابعد نقطة في الارض والسماء واصغر تجمع لمخلوق بشري, وتدخلها بقوة في اعادة ترتيب اولويات البشر واهتماماته الضيقة والواسعة على حد سواء , وتدخلها باعادة تشكيل عالمه الصغير والكبير وتغيير سلوكياته , بإقامة اخرى جديدة وإماتة سابقة قديمة ,وتأثيرها في طبائعه وخصائصه الشخصية بالسلب والايجاب , وزيادة فعلها بتأطير مواقف مستحدثة , مازجت فيها مرة بين القديم والحديث , وفي مرة ثانية دعمت القديم وقوته وعرضته في اطار فكري يلائم المرحلة التي هو فيها , وفي ثالثة هدمت القديم واحلت جديدا مكانه او رممته بالحذف والاضافة او هجنته بالجمع بين معالمه التقليدية المحافظة والنماذج الوافدة من الغرب البعيد والشرق القريب ,مستفيدة بذلك من عوامل الاثر الجغرافي والعرفي والثقافي والديني وسواها , واستجابة لهذا وذاك القى النموذج الجديد المتولد من هذه الظروف ,والمتشكل من الحالات الغريبة التي ضربت المجتمع المعاصر وأثرت في تفصيلات حياته ,اذ استبدلت سلوكيات محددة توارثتها الناس وتمسكت بها لمدة طالت بقياس الزمن القديم , فتنازلت الى حد كبير , مُرغمة ",امام قوة الانفتاح التقني المفاجئ وما احدثه من عمليات العصف الفكري والنفسي وسرعة وصلوله المتلقي واحاطته بأراداته المكسرة لحواجز المنع التي توطنت عليها النفس البشرية في مساحات واسعة ومناطق بعينها من العالم العربي بخاصة, فضلا عن انبهار الناس بمقتنيات التقانة الحديثة وتأثيرها فيهم بمسايرة مردوداتها الواصلة لهم دون توفر فلترةالفحص الرسمي لانتقاء االجيد منه والنافع للبناء والتربية والتنمية , وتجنب الضار . فأصبحت المرحلة الجديدة وهي على فرضية المرحلة القوية التي تنشر الحق وترسي العدل وتشيع المساواة بين الافراد وتقوي نظام المؤسسات, ظهرتْ منعطفا تٌ تفجرت في ظله مفاهيم تعمل خارج منظومة القانون وانظمة الدولة العصرية, فتمكنت في ضوء ذلك مصطلحات القصاص والثأر والمظلومية والمنازعات الجغرافية والتأريخية والخلافات العقائدية , وفي ظل ذلك كله تسببت التقانة الحديثة في تقديم انموذج مستنسخ من النوع الذي تشكل بأرادة المرحلة الجديدة واحدث اضطرابا" في حركة الافراد والمجتمعات تزامن معه بروز مرثونات حصرتْ سعيها في النفعية الخاصة والجري وراء المصالح الضيقة , زيادة على ذلك ان التقانة الحديثة قدمت انموذجا مزدوجا في نفعه وضره وتركت للمتلقي حرية اختيار الانموذج الاصلح له بحسب مراتب التفكير لديه وقوة معتقده بأمر او ضعفه في ذلك, اذ ان تقديمها للانموذجين معا في مشهد واحد يؤطره الاغراء والترغيب المنبعث من تقنية العرض وفنية التقديم, وحساسية الموضوعات, ورغبة المتلقي وعصبيته وميله نحو موضوعات دون غيرها فهيأ ذلك كله مناخا"تقبل فيه موضوعات وترفض اخرى لا على اساس اومعيار الفائدة او الضرر بل لانه يوافق هذا الخندق ولا يوافق الخندق الاخر, وزاد على ذلك علو درجة تقبل الموضوعات عند البعض وتمثلها وتبنيها وتحويلها الى سلوكيات محددة ,يمكن بحسب مديات ارتباط الناس بها يمكن ان ترقى الى قوانين صارمة تحكمهم وتنظم افعالهم وتحدد العلاقة بينهم وبين غيرهم وتقرر المسافات التي تفصلهم عن ذلك الغير , فصار العرف الجديد باعثا على احياء خلافات جمدت مؤقتا وضعفت الى حين, بعد ان تنافق الوجود القديم على اخفائها عند فريق واهن حاله من ابد الابدين , وخفت عند اخر مجاملة "ومغازلة "وارضاء"لكبرياء الجائر الضليع ...ولما فارقت الدنيا زمانا"ظالما"...وتولاها الزمان الاعدل ,بحسب ظن الظانين ووهم المتفائلين, فاجأها الاعصار الاكبر, فأستنهض الخلافات القديمة, وبعث الاحقاد الكافرة من اديمها ,وما زال يوجد ارضا" تنشط فوفها وتحتها وخلالها معاني الكره والبغض والحقد والخصام, وافرغ معاني الالفة والصداقة والمودة والسلام ,حتى اصبح في ظلها يعلنُ هذا جهرا" دون ان يتردد بغضه لذلك ,ويستحضر كل ٌمنهما امتيازات القوة لديه سواء القديمة ام المستعارة , يتوعده دوما" بالجفاء ولا يؤمله باللقاء , فخبت كلُ محاولات الاعدلين , وعجزت بالتنبيه اقلام وافواه المنصفين ,وخابت امالُ المؤمنين بالتقريب , فأستعصتْ عليهم مفاهيم التشتت والتمييز وهرب وسط ذلك بعيدا"حلمهم في تجميع الاقطاب المتنافرة , والاشلاء المتناثرة في قرية يملأ ازقتها السلام والوئام والاطمئنان ... وبحسب معايير القياس الحالي , فأن المقارنة بين مشهدين , احدهما سابق وآخر لاحق تكشف إن المشهد الجديد قد زاد في تباعد المختلفين وازدادتْ حدته بينهم بل واضيعتْ عليهم فرصتهم السابقة في الوئام الظاهر قبل دوران بوصلة الزمن , اذ اجبروا في حينها على مراعاة التوقف عنده في الموضع المحدد والمكان المقرر,يتحدتوا حديثا"في ظاهره الاتفاق وفي حقيقته الاختلاف , وان جمعتهم صدفة زمنية وباحة مكانية اتخذوا ,مذعنين , مقاعد متشابهة في طبقتها , متباعدة في منزلتها , يسمع السامع كلاما" كاشفة القول فيه محبة وصداقة ,وفي تعبيراته المجازية بغض وعداوة , اما الهوة بينهم اتسعت والمسافة طالتْ واستطالتْ ,زادتْ وتنامتْ ,تفرعتْ وتوزعتْ,تمددتْ فشملتْ حتى الاصغرين,فلم ينجحوا بالنأي عنها ,فراحت آثارها تطالهم وتطال مناهجهم وتربيتهم النظامية وغير النظامية , فانقسم الفكربأثرها وتموضع تموضعا"جغلرافيا"مناطقيا",فأختص كلٌ فريق في كلمات والفاظ وتعبيرات تحت مسميات المنطقة والطائفة والمذهب ... فضاع في اطار ذلك الامل ان يفهم الناس دور التقانة الحديثة ووظيفتها في عصرالتمدن والتنويروقبل هذا لا بد ان يدرك الانسان ان التقانة الحديثة نعمة من نعم الله ولا يجوز الظن بما مكن الله سبحانة الانسان ووفقه في ان يبدع ويكتشف ويخترع املا" ان يبلغ الناس امورهم مُيَسرة لهم الغالي والنفيس ,تضمن لهم ضمانا سهلا", يؤمن لهم منشئا" صحيا" ومجمعا" عائليا" ومركزا" ترفهيا" ومؤسسا" تعليميا" ومتحفا" ثقافيا"وما شاء ذلك من مرافق حياتية, وادوات ووسائل يمكن بها ان يتحسسوا اسباب نجاحاتهم وعوامل اخفاقاتهم ,ويستعينوا بها على انجار غرض من اغراضهم , فلا يجوزالتفكير في غير هذا الامر او الخروج عن مسار الحقيقة هذه , والذهاب صوب الحقيقة السوداء فتحفظ في مدونات السراب , اذ حين محاولة البحث عن وضعها, والتفتيش وسط موجوداتها ,يجبرنا الواقع المؤلم أن نعدها مشكلة ,تورطت بها الناس, فبعد الاطمئنان الى وقت توهموا به مغادرة وجع الحياة ,ليسرعوا بالعهد السعيد , فإذا يتطاير منهم ويطير بغمزة عين , ظنا" إن التقانة السهلة قربت المسافات بين الوان المجتمع الواحد وازالتْ الفوارق بينهم , ونظفت الافئدة من الدرنات القاتلة, واسدلت الستارة على حقبة تجلت بها الاحقاد الماضية وغيرتها الى شغف يملأ القلوب َ,في عصر يُفترض ان يكون عصر الصفا والصفاء ,عصر نُظف الحيزُ المكاني من نزعة الاستئثار الفردي, واسْتُبدلتْ من معجم كلماته عبارة حب الذات وغيرها ,الى حب الجميع , هذا على سبيل الظن , اما الحقيقة البيضاء فيا عجبا" ان تتقارب الناس في التقانة المرئية والسمعية, وتلتقي اصواتهم, وتتبادل صورهم, وهو الاجمل في التقارب الصوري , ولكنه الاغرب في التباعد المكاني, فبعد إن كان الاملُ ان تتكسر الحواجز, وتذلل العقبات, وتزال الفواصل التي تفصل بين الجمع الخير,صارت الصعوبات اعظم والمصاعب اشد وحتى صار لاينفع المثل القائل(اليأس لا يليق بكبار النفوس) ولا من شأنه ان يخفف المعاناة , إذ إن المارعلى قضية تطرح من على شبكة التواصل الاجتماعي ايا" كان نوعها وموضوعها , لا يتفاجأ اويتعجب , اذ قد يسمع وقد يرى ,إن متشابهين في الشكل والهيئة واللسان, مختلفان كل الاختلاف حتى الرمق الاخير في حوارهما ,ويجدهما يبدعان وما اغرب إبداعهم وهم يفتشان في كل زاوية عن جزئية يفترقان بها ولا يلتقيان , ويعزفان عن الكل المفيد ويتمسكان بالجزء المضر, وهاتفهما في ذلك الفراق والتفريق, والسب واللعن, والشتم والتجريح , لله من جهل الخبير ,ماذا افادهم التقاؤهم في شبكة التواصل الاجتماعي ؟.....وماذا نفعتهم التقانة الحديثة ؟.....واستعمالها لديهم يتطلب وعيا" كبيرا"في احترام الغير ,وتمسك صارم بحقه ,وتقدير كبير لفكره وتقبله فهو واحد لا غير ,اما اخ له في الدين او نظير له في الخلق .

المشـاهدات 138   تاريخ الإضافـة 20/01/2021   رقم المحتوى 9582
أضف تقييـم