أضيف بواسـطة addustor

عندما اسافر عادة ما اجلس متأملا عبر النافذة المطلة على البحر ‘ يلوح لي عالم مختلف ومستقر وهادىء . نوارس وفضاء ازرق مفتوح مضاء بشاعرية انيقة . وحين اتجول في الشوارع اتلمس الرفاهية والاناقة والهدوء والصمت والحرية المسؤولة والذوق والادب ‘ فضلا عن البساطة والتواضع . وخلال الحوار مع اي شخص تشعر كما لو ان بينك وبينه صداقة عميقة وقديمة . هذا الامر مستند الى البناء الكلي للشخصية وليس على جزء محدد  منها . لكن لو تم استدراجك في حوار من حوارات غرف الوتساب او مواقع التواصل الاجتماعي العراقية او مساحات تويتر ستكتشف عالما اخر كما لو انك دخلت الى مصح كبير ‘ البعض يعيش ثورة انفعال عارمة ويريد ان يبتلع العالم من الغضب ‘ لانه وجد تعليقا لا يعجبه او لا يتناسب مع ثقافته الرثة . اخرون يكتبون بيانات تنديد على صورة او فيلم اتضح لاحقا انه مركب او فوتوشوب . مجاميع اخرى تنصب خيم للتعازي وتبادل البرقيات والمؤاساة عن شخصيات رحلت عن عالمنا . قسم اخر يناقشون موت شخص قرر الانتحار وتدور النقاشات والحوارات حوله هل سيدخل الجنة ام النار . فريق من المتابعين يرصدون اخبار الحكومة وانجازاتها وفريق اخر متربص يرصد الهفوات والزلات ويهاجمون مؤسسات الدولة ورموزها السياسية . انقسامات حول بعض التصريحات التي تصدر من هذا المسؤول او ذاك . فزعة عشائرية تحتاج الى عراضة واسناد ( وسط غابة من البنادق ) _ عگل وبيارق وهوسات _ والمهاويل يكتبون نصوصا جاهزة ويوزعونها على المشاركين. مسؤولون ومغردون ينشرون تغريداتهم وقناعاتهم ويدخل الرواد في الاختلاف حول تفسيرها وتبدأ حملة من المعارك والمعارات  والتشهير على هذه الاقوال . هناك شاشة داخلية كبيرة تعكس طبيعة الشخصية وسلوكها تستطيع ان تكتشف ذلك من خلال الكلمات والحروف والتواصل والتفاعل . الغريب اكثر ان تتسرب لغة الازقة والمقاهي الى الكثير من غرف النخب والمنتديات الفكرية والثقافية حيث اخُترقت من قبل بعض الجهلة والمخادعين ‘ ونقلوا معارك اسواق الخضار والشوارع الى مجاميع تلك النخب وشكلوا ظاهرة اخلاقية منحرفة . قد يسأل سائل ما قيمة الكتابة عن سفيه او معتوه او نصاب او مراوغ والبلد يضج بأمثاله وربما تكون هذه الاسئلة مشروعة لكن الحقيقة لسنا في منطق المقارنة بين من هو سيء ومن هو اسوأ منه لاننا لا نريد ان نغلق كل بوابات الامل امام الناس والشارع رغم وجود نماذج الاسفاف والسطحية والجهل والازدواجية ممن تجدهم يكتبون مرة بلغة وطنية وفي حوار جانبي يخوضون بخصوصيات الناس وحياتهم . اذن كيف نقاوم هذه النماذج الطارئة على المشهد الذين يعانون من تشوه معرفي ويترجمون الاشياء بشكل خاطىء وفقا لقناعاتهم النفسية المعطوبة . بعد ان فقدوا قدرة النظر لرؤية الاشياء الجميلة والمتوهجة بسبب وضع نظارات قاتمة على عيونهم . تجدهم يتخبطون بضخ الاكاذيب لخلق انتصارات وهمية مع ان الحوار هو شكل من اشكال التراكم المعرفي والثقافي والفكري. الذين يختلفون معك في الرأي يتركون الرأي وبدل مناقشة الافكار المطروحة يتم مهاجمة الكاتب نفسه والهروب من جوهر الفكرة . ( ان شكل الاختلاف لا يقل اهمية عن مضمونه ) هذا في فضاء الحوار الرصين والمعتدل وليس في فضاء حوار الطرشان . وعليه لا بديل سوى الحسم مع هؤلاء رغم ان ذلك قد يكون مكلفا ومؤلما وقاسيا احيانا. نحن محاصرون بعقليات بدائية ديناصورية تعيش في الماضي والكهوف النفسية . مع ذلك فأن السفر يتيح لك ان تخرج بانطباعات مختلفة وعميقة تمثل الانساق الثقافية والسياسية للمجتمعات المتنوعة .

المشـاهدات 339   تاريخ الإضافـة 24/05/2023 - 00:11   آخـر تحديـث 22/07/2024 - 20:15   رقم المحتوى 21827
جميـع الحقوق محفوظـة
© www.Addustor.com 2016