
![]() |
قراءة تأويلية في نصوص شعرية الجزء الثاني |
![]() ![]() ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
النـص : أ.د علي جاسم سلمان – العراق بغداد
رابعاً - ملامح صوفية التجربة الشعرية تستثمر الطاقة الابداعية؛ لاكتشاف مكنونات الحياة؛ فيخلق بها الشاعر نسقاً فنياً شعورياً، وهذا نجده عند الشعراء بصورة عامة، ليعبروا عن ما يختلج ذواتهم. ولا شك اننا قد نصادف ملامح صوفية في بعض نصوص الشعر المعاصر لم يكن طابعها الاساس صوفياً، لإن الحياة أصابها الفزع من حولها؛ فتعقدت مسالكها، واضطربت فيها وجدانيات الانسان، وأفكاره؛ فيلوذ بذاته بحثاً عن مغيث استنجاداً، وهذا الملمح وجدناه ماثلا في نص ((المتهجد))(18) للشاعر عباس الغالبي، إذ يقول: ((حين يناغي الحلاج / ربه المتعالي / يتلو المولى تراتيله العذاب / وعند كعبة التوحيد / تنداح الامنيات / لعل الرب يغفر الذنوب / أيَّها المتهجد / في هزيع الليل الأخير / دلنا على طريق الرب / فلم يبقَ / من العمر فسحة للتأمل / فالرحيل بين الأقمار / كان محض إكذوبة / والتغزل بضوء الشمس / كان لهاثاً وراء السراب )). نص يداني الروح الحلاجية؛ فتوسل بها مفتاحاً وأُسلوباً حين ضاقت دروب الحياة، وعزَّ انفراجها؛ فهرب منها؛ ليقارب نهج العارفين المعهود في جوف الليل متهجداً لعله يقبض بكف الرجاء بسعي حثيث، وهذا ديدن النفوس حين تحاصرها الخطايا، وألم الحياة، والقنوط من ما يحيط بها. ويمكن أن تستشعر نفساً صوفياً في نص الشاعرة مها قربي ((كيف حالك ))(19)؛ إذ فيه شعرية ترتفع بالمشاعر ثراء لدلالاته، وإيحاءاته، ولحظته الشعورية المدهشة التي توحي بأحاسيس أُنثوية تحاول فيها اكتشاف مكونات الذات، وسبر أغوارها اعتماداً على التصور، والخيال إنَّهُ عالم الروح ((اغمض عينيك، لأراك)) هنا التماهي ذاب في ذات المعشوق وكأنَّ العشق عشق نوراني لا يجعل رغبة الجسد مهيمناً أساسياً؛ فالملمح الصوفي يمنح النص شعرية فكرية ترتفع بالمشاعر ((تحوم حول مهاد الخليقة / ... / يا الله دعني أراك ... / وتبدأ على وقع تراتيل صوفية / تدور وتدور يلبسك النور / وأنا معك أدور / تذكر قول الرومي: ((وجدتك في قلبي ومنذ ذلك الحين وأَنا أطوف حول قلبي )). النص يخلق كوناً تخييلياً يطفح بأبعاد كونية صوفية، وهذا يدل على ثقافة عرفانية أثرته. وهذا النفس الصوفي يمكن أن تقرأه في نصها ((عابرون))(20) فـ ((الهم واحد / والحلم واحد / والأمل رغم انبهارات الجليد / لا زال واحداً ... / أحتاج قلباً يحتويني / ... / وحدها الكراهية / لا تستحم بطهر مائك)) وعلى الرغم من ذلك يتصعّد الأمل، ويشرق من شرايين الروح نداء ((نحن لا نملك قوة القتل / لكننا نملك الحب / نقدمه صلاة / لكل العابرين / الكل ينتظر النهار لأنهض مع الصبح / وأشرق / أطلق شعاع النور / من روحك / ... / حاملاً / مشعل النور / إلى حيث الحقيقة ... / النور قليل ونور الله ممتد )). - خامساً - الحوار والسرد الحوار يتضمن بعداً نفسياً يستعين به الشاعر؛ ليعبر به عن رؤيته الأُحادية، ويقع بين المناجاة، واللغة السردية، باقتضاب، وتكثيف، وفي الشعر يبدو قريباً من السرد القصصي، ويأتي الحوار في الشعر بحسب السياق الشعري للنص، وهو أداة فنية؛ للخروج من غنائية الشعر، كونه وسيلة للتعبير عن الرؤى المتعددة؛ فضلاً عن ذلك أنه يشارك الآخر في حواريته؛ فتتعدد أصواته بين الحضور، والغيبة، وهي تستدعي الأصوات العابرة إلى ذاكرة الشاعر (قال – يقول)(21). ((الأسلوب الحواري في النص الشعري يشتمل على كثير من الأحداث التي تثير مشاعر القارئ، وانفعالاته خاصة حين يبدأ بالسؤال الذي لا ينتظر الإجابة، وإنما الأثارة، والدهشة، والاستغراب... يعمل الحوار على تنمية الحدث، وتطويره؛ لأنه يرصد الوقائع ويدخلها في سياق ذاتية))(22). في نص ((حكاية نهر))(23) تبدو فيه الحوارية السردية ملمحاً واضحاً يغوص في وجع الحياة ((التائهون.. المعذبون.. الحيارى / على جانبي النهر/ يكفكفون مآقيه/ الآخرون يتساءلون / هل جافى النهر مجراه / ثم كهول مخروا عباب النهر/ في أزمنة غابرة / اغتنوا منه / قالوا سنبكي / .../ وآخر أخذ منه الكد والتعب عند جرفه / بكى مرارة وتمتم:/ من يؤنس الوحشة بعدك يا نهري العتيق)). حين يشتد الوجع مع مديات الزمكانية نلجأ إلى السرد الحكائي التخيلي تلذذاً، وتأسياً، وكأنه أقوى من حقيقة وجودنا؛ إذ ننحني جانباً حقيقة الواقع؛ فيأخذ المتخيل مساحة واسعة زمكانية؛ ليكون السرد جسراً بين الواقع، والمحتمل. ويتألق الوجد؛ لصنع ما نصبو إليه في نص الشاعرة مها قربي ((ربما تغيرت))(24) ((دافئ ذاك المكان حيث قلبك / وضيقة كل الزوايا .. حيث إليك / تنتهي / وعميق ذلك البريق / حين التقيك)) بوح يحاول تخليص الذات من ما ألمّ بها عبر استرسال سردي؛ ليكون ممراً لتحرير الطاقات المحجوزة في نفوسنا يفصّلها الحوار حين لا يكون لنا امتداد خارج ملكيتنا؛ إذ ((هناك زمن لم يخلق للعشق / وعاشق لم يخلق لهذا الزمان / والمكان...))، وهنا تبدع الشاعرة في تأجيج مشاعرنا؛ فنصعد معها في صفاء توصيفاتها؛ لتضيء الدرب للعاشقين، وها هي تؤجج مضجع الحبيب؛ لتشركه في انثيالاتها حواراً ((قال لها: / تسكنيني .. فكيف لا ألقاك ؟؟؟ / قالت: / دافئ ذاك المكان .. حيث قلبك / وضيقة كل الزوايا .. حيث إليك / تنتهي / ... / هل أنت تسكنني ؟َ!! أم أنني / في نبض قلبك أستريح ؟؟؟ / قال: أنا الغريب بلا مسافة / ... / قالت: / حيث تكون المسافة / نكون نحن))، وتتسع مساحة الحوار في ثنايا النص بوصفه شكلاً فنياً صار سبيلاً يستعيد معاني ضيعتها عاديات الزمن، وتقلباته، والذي يقرأ نص ((عناء الهوس))(25) للشاعر عباس الغالبي يجده حافلاً بالحوار والسرد، ويبدو أنه متأتٍ من محاكاة تجربة يحملها بناء بنيوي استفهامي (سألني)، و((من يرتق الجرح))، وبأسلوب شعري سردي تراتب السرد فيه (الستار، الكواليس، الممثلون، الابطال، الاول، الثاني، الثالث، الجمهور))، وقد استثمر المعلومات حكياً. - سادساً- ظواهر لغوية يقوم تحليل الظواهر اللغوية بالتصدي لأهم ما خرجت إليه من دلالات بعد أن يشكل المعنى التركيبي وفاقاً لنسيجها المتعاضد، أو المتكاتف بحسب تسييقها، وبحسب ذلك سنقف عند بعض الدلالات اللغوية التي هي معطى سياقي في بعض النصوص الشعرية التي وقفنا عندها. في نص ((أوااه يا أبتي ))(26) للشاعرة مها قربي أطلقت العنان إلى زفيرها؛ ليملأ فضاء النص دوياً ((وهن العظام مني / يا أبي ... / أو ااه كم أشتاق / للمة الباقة وقبلة ودعاء... / أوااه يا أبتي / لو كان للقيا ثمن يساويه / لدفعته )). إنها تمتطي صهيل حنجرتها ((أوااه يا ابتي)) توجعاً أو تألماً شاكية أباها من ما أصابها بعد فراقه؛ فاستعانت بجوف حنجرتها؛ لتوصل شوقها، وهذه (الياء) التي تمتاز بدوي؛ لنداء البعيد حقيقة أو حلماً، وقد ينادى بها القريب توكيداً، وهكذا جمعت الشاعرة بين الأمرين؛ فالمكان حقيقته بعيد، والاب حقيقته جنب الروح، ولشدة اللوعة استعانت الشاعرة بهذا الصوت ،وما رافقه؛ لتملأ الفضاء التياعاً، واستنجاداً مصحوبين بزفير يؤججه لهيب الفراق ((ما غبت عن عيني / لا زلت في روحي / اشتاق للفيء / بظلك الوارف )). وفي مقدمة مجموعة ( آخر قمصان يوسف ) للشاعر محمد راضي شارف يقول: ((أطلقت النار على صوتي ))(27)، وإذا وُئِدَ الصوت؛ فالشفتان المغلولتان بالشمع الأحمر ترادفانه في وأد البوح وهنا تهيمن حروف الحلق على المقطع الشعري؛ إلّا أنَّ الشمع جعل شرايينه مغلولة، ولا حيلة لتدفقها، يشاطرها هذا الضيق الصوتي القاف (العالق) لصقاً في اللهاة كلصق الشمع حين يمنع الهواء في حنجرة الشاعر، وهو يشرب رغوة كأس المنفى فلا ملاذ حين توصد ابواب الوطن إلّا البكاء عليه بعد أن تحتضر أبجديته بما يبقى منها على شفتيه ((وبصقت بقايا آخر حروف ثم بكيت ))(28). وفي نص ((اعتذار اليباس ))(29) للشاعرة مها قربي ((شدني / حفيفَ عريشتي / وهي توشوش / طرباً / نجمات الياسمين / فتزهو متلألئة)) نلحظ ألفاظاً تكررت فيها أصوات (حفيف، وتوشوش، ومتلألئة )، وهي تهمس ((طرباً)) متفشية في القلب ( توشوش) تهمس بشفتيها (حفيف)، أو تجهر ذلقاً حين تتأجج الروح انتشاء بأحلامها (متلألئة)، ويبدو أن الشاعرة قد أجهضت اليأس، واليباس بأصوات النص الغنائية - وإن طموحاً، أو حلماً -؛ لتنقلنا إلى ما نأمل، ونتمنى في زمن اليباس. يحدث تغيِّرٌ- احياناً – في ترتيب عناصر التركيب اللغوي، وهذا يصحبه تغيير بحسب مقاصد المرسل، وعنايته، واهتمامه، وهذا ما وقفنا عنده في نص الشاعرة مها قربي ((مفتاح العودة ))، إذ جاء فيه: ( للصبار جسدٌ واخز / وقلب حلو / للشفاه براعم ... / لليباس أصابع / ... كأن المفتاح معلقاً على الصدر / كأيقونة / كتب عليها / هنا بيتي / هنا أمي / أبي / أخوتي / اصحابي / هنا وطني )). جمل اسمية قدم عجزها على صدرها؛ لأنه مراد الشاعرأولاً؛ لأهميته فالعدول هنا تطلبه المعنى المراد، وليؤكد أن القدس بكل مقدساتها هي قدسنا؛ فهي الوطن، والبيت، والأهل، والأصحاب. وفي نص ((لا أحد))(30) للشاعر عباس الغالبي يبدو أن وجع العمر، ومنعطفات انتكاساته غالباً ما تهيمن على نصوصه الشعرية؛ إذ استحالت نصوصه متأطرة بمعجم يحمل همّ الذات؛ ولذا كرر الشاعر نفي الجنس ((من يدرك حقيقة آدم / وسر الوجود / لا أحد../ يلتمس العذر لأشعة قوس قزح / وهي تخاتل حقول الياسمين / أو تطرز الارض بخديعة ألوانه الزائدة)). أما نص الشاعرة سميرة أملال* (( أنا العابر نحو الهناك))(31)؛ فنجده مهوساً بالعدم، والقنوط من تيه في وصلها ظمأ، وزادها قربة صبر؛ إذ كان الرحيل بلا حادٍ يقود إلى الهناك؛ إلّا الظل الذي يتلاشى في جوف الليل، وهاتف لا سبيل إليه، ولا وشم يبقى مفروشاً على الصراط، ((لا زاد أحمله سوى قربة الصبر/...لا شيء معي/ سأمضي ولا شيء معي/ أعانق ظلي/ وظلي يعانقني)). إنها الوحدة، ولا جنس يؤانسها، حتى التراب لم يمكن هنا أو هناك، ولا جدوى من ماء لا ماد له، ولا سبيل إلّا الانتظار حتى بزوغ الشمس؛ ليعود الظل إلى العناق. كذلك هيمن نفي الجنس على نص الشاعرة فوزية العلوي(32) ((هذيان)) ((لا شيء ينفع الآن/... لا نافذة فيه تفتح على الضوء/ ولا ضحى يأتي بأشراقة الطيور/ ولا نسيم يحمل لي شجر صورته / ولا قلب يحدثني بموعده اللؤلؤي))؛ فلاءات النص تهيمن على أنفاس بوحه 1المكلوم وجداً؛ إذ يفصح مسروده عن الفقد - وإن وجد ما يمكن أن يهدئ الروع – فـ ((كل شيء مسطح تافه)). وفي نصها ((رسالة الليل))(32) صرخة في كينونتها مساحة (لوعة) مغروسة في وجدان صاحبته، إذ ((لا نجم في الأفق البعيد يلوح لي/ ولا خبر أتاني عن أبي)) إنه اليأس الذي أجج انفعالاتها؛ فـ (لا) قد نفت أي أمل متمنى؛ إنّه الرحيل المتوقد ناراً في النفس ((لا نبأ يدفئ خاطري))، ويبقى قصد النص – دائماً – أوسع من ملفوظاته.
|
المشـاهدات 553 تاريخ الإضافـة 30/05/2023 رقم المحتوى 22362 |

![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |