الجمعة 2024/6/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 42.95 مئويـة
معالم الإنسانية و التقدمية في الديمقراطية الاجتماعية ((٥))
معالم الإنسانية و التقدمية في الديمقراطية الاجتماعية ((٥))
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين عبد القادر المؤيد مفكر و سياسي عراقي مستقل
النـص :

البيئة

لم يكن التركيز على البيئة و الاهتمام الخاص بقضاياها، من مفردات برامج الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية.و يعود السبب في ذلك، الى أن قضايا البيئة، لم تكن عالميا مثار اهتمام خاص الى ما قبل ستينات القرن المنصرم، و خلال الستينات ظهر أول حديث عن إمكانية حدوث كارثة بيئية عالمية، و التنبيه على أن استهلاك موارد الأرض، بلغ معدلات مخيفة، و أن التلوث، يحطّم التوازن البيئي الذي يتوقف عليه استمرار الطبيعة.و عندئذ انطلقت حركات الخضر داعية الى تحسين الوضع البيئي و اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتجنب و تفادي الكوارث البيئية.و استطاع الخضر، التحول الى مؤسسة تنشئة لليسار في ألمانيا على نحو الخصوص، فكانت كل أفكار اليسار الجديدة و تجديداته السياسية و صياغاته الإستراتيجية، تنبع من دوائر الخضر.و قد تجاهلت الليبرالية الجديدة، كل ما أثير من صخب عن الكوارث البيئية و تغير المناخ، منطلقة من أن ارتفاع درجة الحرارة على المستوى العالمي، إما أنه لم يحدث و أن التحذير منه لا يعدو أن يكون طوباويا، أو أنه ظاهرة طبيعية، و للطبيعة خصائص تعيد اليها توازنها، و هي أكبر بكثير من تأثير البشر على البيئة، فالطبيعة لا تنفك عن خلق أنواع جديدة، في الوقت الذي تدمّر فيه أنواعا أخرى.و ترى الليبرالية الجديدة، أن مباديء السوق، تضمن أن لا حدود للنمو، و إذا أصبحت الموارد الطبيعية أكثر ندرة، فسترتفع أسعارها و ينخفض استهلاكها، و إذا انخفض السعر قل الطلب و زاد العرض. و هذا يعني أنه يمكن التعويل على نظام السوق في التعامل مع المتغيرات البيئية.يقول البروفسور أنطوني جيدنز، إنه لا يمكن الدفاع عن وجهة النظر هذه، فالحلول التي يقدمها نظام السوق لعدد مختلف من مشكلات البيئة، لا يعني أننا يجب أن نستسلم لنزعة تتطرف في الإيمان بنظام السوق، و أن اتخاذ موقف اللا مبالاة إزاء الأخطار البيئية، سيكون إستراتيجية خطيرة في حد ذاته، و أنه يتعيّن التصرف حيال قضايا البيئة نظرا للمخاطر المحتملة، حتى إن لم يكن هناك يقين علمي اتجاهها، الأمر الذي يتطلب الانغماس في أفكار التنمية المستدامة و التحديث البيئي، و هذا ما اتجهت اليه معظم الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية.لقد أصبحت التنمية المستدامة، محل اهتمام أساسي للجمعيات البيئية، منذ تضمينها في تقرير لجنة برونتلاند سنة 1987، و هي لجنة أنشأتها الأمم المتحدة، للعمل على الصعيد العالمي من أجل التنمية المستدامة، على إثر تشخيص الأمم المتحدة، لتدهور كبير في البيئة البشرية و الموارد الطبيعية، و قد أصدرت في سنة ١٩٨٧ تقريرها تحت عنوان (تقرير مستقبلنا المشترك)، و قد تم حل اللجنة بعد إعلان هذا التقرير، و حلّ محلها المركز التنظيمي لمستقبلنا المشترك سنة 1988. عَرّفت لجنة برونتلاند، التنميةَ المستدامة، بانها قدرة الجيل الحالي على ضمان إشباع حاجات الحاضر، دون التأثير على قدرة الأجيال القادمة على إشباع حاجاتها.و قد لوحظ على هذا التعريف، بأنه لا يقدّم فكرة دقيقة؛ لأننا لا نعرف ما هي حاجات الأجيال القادمة، و لا نعرف كيف سيتأثر استخدام الموارد بالتغير التكنولوجي. و لهذا تكون التنمية المستدامة مبدأ موجّها، و ليست صيغة علمية دقيقة.ترتبط فكرة التنمية المستدامة، بالفكرة الأشمل للتحديث البيئي، و هذا ما تبنته الديمقراطية الاجتماعية الحديثة، و أصبح التحديث البيئي، يمثل الى حد كبير، عنصرا من عناصر السياسة الوطنية في برامج الديمقراطية الاجتماعية. و قد حقق التحديث البيئي، ارتباطا أكثر من ذي قبل، بين اهتمامات الديمقراطية الاجتماعية و الاهتمامات البيئية. و نجد الدول التي تأثرت بفكرة التحديث البيئي، هي أكثر الدول الصناعية، نظافة و خضرة.و يذهب أنطوني جيدنز فيلسوف الديمقراطية الاجتماعية الحديثة، الى إثارة قضيتين من القضايا الأساسية، في ضوء الاعتبارات البيئية، و هما: 1- علاقتنا بالتقدم العلمي. 2- استجابتنا للمخاطر. أما القضية الأولى، فقد كانت النظرة التقليدية الى العلم و التكنولوجيا، على أنهما خارج نطاق السياسة. و يصف أنطوني جيدنز هذه النظرة التقليدية بالبالية، و يرى أنه لا يمكن للعلم و التقنية، أن يظلا خارج نطاق العمليات الديمقراطية.و أما القضية الثانية، فالسؤال المطروح هو : من سيتحمل المسؤولية عن الآثار المستقبلية للأنشطة المعاصرة؟ و من سيوفر الأمن إذا ما سارت الأمور نحو الأسوء؟ و كيف سيتم ذلك؟ و على أية موارد سيتم الاعتماد؟ بما أن تحقيق الأمن للمواطنين، يمثل أحد الاهتمامات الرئيسة للديمقراطية الاجتماعية منذ أمد بعيد، و قد كانت تعتبر دولة الرفاهية، و سيلة لتحقيق هذا الأمن،  لذا فإن هذه الأسئلة تمثل أحد الاهتمامات الرئيسة للممارسات السياسية الجديدة للديمقراطية الاجتماعية الحديثة، التي تسعى سعيا إيجابيا لمواجهة المخاطر و تقدير حجمها، و قد اعتبرت قدرة الدولة على التعامل مع المخاطر، بالمعنى الشامل للمخاطر الأمنية و الاقتصادية و غيرها، حتى تلك الناجمة عن العلم و التكنولوجيا، من الأسس العامة لدمقرطة الديمقراطية، التي تبنتها الديمقراطية الاجتماعية الحديثة، التي جعلت إدارة المخاطر بالمعنى الشامل، من مسؤولية الحكومة، في أطروحة الدولة الديمقراطية الجديدة.و أخيرا و ليس آخرا، نقول : إن الركائز الثلاث الرئيسة التي حددتها لجنة برونتلاند للتنمية المستدامة، و هي : النمو الاقتصادي ، حماية البيئة ، المساواة الاجتماعية، و التي أضحت إطارَ خطة العمل الشاملة للأمم المتحدة و التي تُعرَف بجدول أعمال القرن 21، هي مضمون توجهات الديمقراطية الاجتماعية الحديثة، و تأثيره في القرارات الأممية.

المشـاهدات 378   تاريخ الإضافـة 04/06/2023   رقم المحتوى 22764
أضف تقييـم