الإثنين 2024/4/22 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 27.95 مئويـة
نيوز بار
فيلم «العربي بن مهيدي»: إحياء للوطنية الجزائرية وتعرية للمستعمر
فيلم «العربي بن مهيدي»: إحياء للوطنية الجزائرية وتعرية للمستعمر
سينما
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

محمد سيدمو

صنع فيلم «العربي بن مهيدي» أبرز أبطال الثورة الجزائرية الحدث السينمائي في البلاد، بعد سنوات طويلة من انتظار عرضه بسبب خلافات بين المخرج والجهات الرسمية حول بعض مضامينه. ولم يخيب الفيلم في عرضه الشرفي الأول الجمهور الذي غصّت به قاعة أوبرا الجزائر، الذي خرج بشحنة قوية من الشعور الوطني، بثتها فيه المشاهد المؤثرة لحكيم الثورة وهو يتحدى سجّانيه ويسخر منهم.
ليس بن مهيدي أيّ أحد في الثورة الجزائرية، فهو واحد من أكبر قادتها وصانعي صيتها ومجدها، بقصته النضالية التي رافقت بناء الثورة من مرحلة الحركة الوطنية إلى اندلاعها في تشرين الثاني/نوفمبر 1954 واختتمت بالشهادة، وأي شهادة تلك التي تحدى بها عتاة مجرمي الجيش الفرنسي، وحاكمهم فيها قبل أن يحاكموه بمقولات خالدة، جعلت منه بطلا في أعينهم، رغم أنه عدوهم الأول، حتى أن الجنرال بيجار قال فيه «لو كانت لي ثلة من بن مهيدي لغزوت العالم».
لأجل كل ذلك، كانت مهمة المخرج والمنتج بشير درايس في تجسيد عمل سينمائي عن بن مهيدي، محفوفة بالمخاطر، فالرجل يشتبك مع مراحل الثورة الأكثر تعقيدا ولحظاتها الأكثر حسما، وهو فضلا عن ذلك شخصية كانت في قلب خلافات بين قادة الثورة حول مفاهيم جدلية، مثل أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج في تسيير الثورة، وكان من الصعب تصوير كل ذلك وتجسيده لما له من حساسية لا تزال إلى اليوم تثير التحفظات. وقد يكون ذلك في الواقع، ما عطّل ظهور الفيلم كل هذه السنوات، ذلك أنه لم يحصل اتفاق على إظهار بعض المشاهد التي تحفظت عليها وزارة المجاهدين، مثل لقطة تظهر بن مهيدي وهو يوجه صفعة لأحمد بن بلة، ومشاهد أخرى، قال بشير درايس إنها قليلة جدا ولا تمثل سوى دقيقتين من فيلم يمتد ساعة و55 دقيقة.
يبدأ الفيلم عرضه الشرفي، بإظهار التنشئة الوطنية لبن مهيدي، وهو طفل صغير بدوار (قرية) الكواهي بعين مليلة شرق الجزائر، حيث وعى من بداياته الأولى الظلم الاستعماري والتمييز الحاصل بين الكولون والجزائريين. في أحد المشاهد، يخرج الطفل العربي من المدرسة ويقصد المخبزة، فيرى كيف أن صاحبها الفرنسي يهين العامل العربي ويصفه بالحمار، وفي أخرى يرى كيف أن شابا من أبناء المستعمرين يعتدي على سيدة مسنة كانت تتسول أمام أحد المحلات، فلا يتحمل المشهد ويشتبك معه لتطارده الشرطة بعد ذلك ويختبئ في مدرسة قرآنية. الجانب الديني والقيادي في الشخصية، ظهر في أداء الطفل العربي للصلاة جماعة مع عائلته، ثم إلقائه دعاء يتضرع فيه إلى الله بتخليص البلاد من الظلم الاستعماري والناس تؤمن من ورائه.
يكبر العربي فجأة في الفيلم وهو على خشبة المسرح مؤديا دورا قتاليا، ثم يبدأ حسه النضالي والثوري في الظهور، ويشارك في مظاهرات 8 أيار/مايو 1945 التي طالب فيها الجزائريون فرنسا بتنفيذ وعدها بالاستقلال بعد أن ساعدوها في التخلص من النازية. تقابل هذه المظاهرات بوحشية وتوقع 45 ألف شهيد، ويدخل العربي المعتقل، ويأتيه من يتوسط له للخروج، لكنه يرفض أن يغادر السجن منفردا. يعبّر بعد ذلك العربي عن رغبة جامحة في الالتحاق بالمنظمة السرية التي أسسها شباب في الحركة الوطنية، رفضوا منطق الصراعات التي كانت تميز الأحزاب التي تدافع عن الوطنية الجزائرية ويلتقي بها بمحمد بوضياف وديدوش مراد. ثم يظهر كمعارض شرس لانتخابات المجلس الوطني الجزائري سنة 1948، ويقول بعد أن استلم الكلمة في أحد التجمعات، إن النظام الاستعماري يريد من خلال هذه الانتخابات احتقار الجزائريين وإظهارهم مواطنين من الدرجة الثانية مستعرضا تاريخه في ذلك، ويقول إن الجزائر جزائرية ولا يمكن للنظام الاستعماري أن يكون ديمقراطيا. يقترب موعد الثورة التي كان بن مهيدي أكثر المتحمسين لها بعبارته الشهيرة «ألقوا بالثورة بالشارع يحتضنها الشعب» وتبدأ تفاصيل مثيرة في التكشف في الفيلم، أبرزها اجتماع الستة الشهير، الذي تم فيه على لحظة الصفر وضرورة نشر بيان موجه للشعب الجزائري يشرح أهداف العمل المسلح، ومعالم الدولة الجزائرية المنشودة، وهو بيان «أول نوفمبر» الذي أصبح من الوثائق المؤسسة للدولة الجزائرية بعد الاستقلال. ويعيد السيناريو تخيل اللحظات التي سبقت الصورة التاريخية لمجموعة الستة، التي يظهر فيها العربي بن مهيدي وكريم بلقاسم جالسين ومحمد بوضياف وديدوش مراد ومصطفى بن بولعيد ورابح بيطاط واقفين، والمفاجأة كانت في أن المخرج بشير درايس لعب دور المصور، في لقطة طريفة أثارت تفاعلا واسعا من الجمهور.
يصل الفيلم إلى منعرج حاسم في الثورة، هو مؤتمر الصومام، الذي سبقته خلافات بين قادة الداخل والخارج، كان بن مهيدي في قلبها. يصور السيناريو عركة بين بن مهيدي وبن بلة في القاهرة، حيث يؤاخذ الأول الثاني على عدم وصول السلاح والظروف القاسية التي يواجهها الثوار في الجبال، بسبب اشتداد ضربات الجيش الفرنسي ويطالبه بالحضور إلى المؤتمر الذي سيعيد تنظيم الثورة ويعطي نفسا جديدا لها بعد سنتين من انطلاقها. ولا يصل ما بثّ، درجة الصدام الجسدي الذي كان في الفيلم ابتداء، حيث حذفت لقطة الصفعة المختلف عليها تاريخيا. وفي مؤتمر الصومام، أعاد المخرج رسم الخلافات بطريقته، في ديكور جبلي يصور منطقة إيفري أوزلاقن في أعالي بجاية التي احتضنت قادة الثورة. كان النقاش محتدما بين عبان رمضان القائد ذي النظرة السياسية والاستراتيجية والعسكريين مثل زيغوت يوسف وبن طوبال، في خلافهم حول أولوية السياسي على العسكري والداخل على الخارج، وهي مفاهيم بدت سابقة لعصرها في ذلك الوقت، خاصة أن طرحها كان في سياق ثوري. وكان بن مهيدي في كل ذلك بمثابة الحكيم الذي يوفق بين كل الأطراف. واستطاع بدهائه أن يسمح بتواصل المؤتمر بعد أن كاد يتوقف. وهكذا؛ خرج المؤتمر بقرارات ألقت عبئا كبيرا على بن مهيدي الذي أصبح قائدا للمنطقة المستقلة في العاصمة، وبدأ التحضير لمعركة الجزائر التي تمثل إحدى محطات الثورة وإضراب الثمانية أيام، الذي أعاد الحديث دوليا عن نضال الشعب الجزائري التحرري.
وفي ذروة الإثارة والتشويق، يصل الفيلم إلى النهاية الحزينة باعتقال بن مهيدي بعد التوصل إلى مكانه في حي أوروبي في العاصمة نهاية فبراير/شباط 1957. يعيد المخرج ذلك المشهد الحقيقي الذي يظهر فيه بن مهيدي مكبل اليدين وهو يعرض على الصحافة التي تسأله إن كانت الثورة قد انتهت باعتقاله، فيجيب أن هناك من يستلم المشعل دائما. ثم يدخل عند المحققين الذي يحاولون استمالته فلا يستطيعون، ولا يخفون انبهارهم بشخصيته، حيث يجيبهم ردا على اتهامهم بأن جيش التحرير يستهدف المدنيين بالقنابل التي تخبأ في القفف، بعبارته الشهيرة «أعطونا طائراتكم نعطيكم قففنا». ثم بدأت مشاهد التعذيب المؤلمة تحت إشراف السفاح بيجار، إلى غاية لحظة إعدامه شنقا دون محاكمة، ليلة الثالث إلى الرابع من آذار/مارس 1957.

المشـاهدات 98   تاريخ الإضافـة 28/03/2024   رقم المحتوى 42739
أضف تقييـم