الخميس 2024/7/25 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 36.95 مئويـة
مونولوجات غزَّة .. الحربُ ليست مشاجرة بل تدمير وتقتيل
مونولوجات غزَّة .. الحربُ ليست مشاجرة بل تدمير وتقتيل
مسرح
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

أنور محمد

 

الحربُ ليست مشاجرة، أو إنَّ العربَ المُتفرِّجة عليها منذ طوفان الأقصى 7 تشرين الأوَّل/ أكتوبر 2023 تَظُنُّها مشاجرة بين الغزاويين وبين الإسرائيليين. فلذلك لم يتدخلوا حتى الآن، ليس لردِّ الحربَ، أو الدفاعَ عن الشقيق، بل لِفَضِّها. فأضرارها وأذاها ما تزال بسيطة لا تتعدى أكثر من تدمير غزَّة، وتقتيل أهلها، أطفالًا ونساءً ورجالًا. مشاجرة ما تزال مستمرة كما لو أنَّها عراكٌ بالأيادي تستعمل فيها إسرائيل ذخيرة وأسلحة حربية هائلة ورهيبة، فيما الغزاويون يستعملون أجسادهم لمواجهتها. وهذا ما قرأناه وسمعناه وتفرجنا عليه في "مونولوجات غزَّة" بدعوة عالمية من مؤسَّسة عشتار لإنتاج وتدريب المسرح، بالتعاون بين مشروع مراية المسرحي، والبيت العربي للموسيقى في اللاذقية يوم 6/ 5/ 2024. مشاجرة لا يترتَّب على إسرائيل، ولا على العرب، أن يدفعوا للغزاويين أيَّ أجور، أو غرامات، أو تعويضات. ولذلك طالَ، وسيطولُ أمدها، وقد حصَّنوا أنفسهم بشهادات حسن سلوك من أميركا، راعية الإرهاب؛ شهادات تشهدُ لهم، كما تشهدُ لإسرائيل، بالعقلانية والأخلاقية في التعامل بدموية مع الغزاويين.في النصوص والشهادات المونولوجات التي تمَّ أداؤها قراءةً بأصوات كل من: إيناس حسينة، الطفلة رحاب عيسى، براءة حسينة، عماد محمد، إيفان نابلسي، رهام أحمد، أنور محمد. وهي لأطفال عاشوا حرب غزَّة منذ حروب أعوام 2010 ــ 2014، وحتى 2023، واحترقوا بجحيم نيرانها، وقد رأوا العربَ بصورةٍ واضحةٍ وعاريةٍ وهم يبيعونهم في أسواق البورصة والمضاربات السياسية والعقارية. شهادات تؤكِّد أنَّ ما تقوم به إسرائيل في غزَّة هو قتلٌ جماعي منظَّم؛ شهادات حيّة تستحق أن تُمَسْرَحْ لما تحمل من قوَّة في التعبير عن الآلام التي يعيشونها في رحلتهم القسرية من غزة إلى غزة.في مونولوج كتبه رائد أبو العيش عن "أبو فلسطين"، الذي كان يرد على مَنْ ينادونه أبو فلسطين بـ: (عليكم وع فلسطين)، وهو في حالة غضب، لم يكونوا على علمٍ بأنَّه كان أجدع كشَّاش حمام في خان يونس، وكان يصيح ويصرخ بالحمام ــ حمامه الطائر وهو يصفِّر: لفوق... آآآ... أكثر... يلا!!!. وكان يقول باللهجة الفلسطينية: فِشْ أحلى من الحمام، بتعرف؟ الحمام ملوش مخ، فِشْ مخ براسو... أنا بحنطو، الحمام جناحات وبس، اللي عندو جناح بإيش بيلزمو المخ... أما أنا فلا، لا جناحات ولا مخ!! الرجل ليس فيلسوفًا، ولا هو يتفلسف مثل كشاشي الناس إلى السجون، أو إلى المقابر الجماعية، لمن يُعارضهم، أبو فلسطين فقط يرينا أنَّ الإنسان العربي الذي كان إنسانًا كريمًا وشهمًا توقَّف عن كونه إنسانًا وبات عاجزًا عن المقاومة: فِشْ مخ براسو. وفوقها لا يملك القدرة على الطيران. لكنَّ "أبو فلسطين" في يوم طوفان الأقصى 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 سأل كاتب المونولوج: صحيح الشباب وصلوا بير السبع؟طبعًا وصلوا، فهناك تقاطعات ما بين حمام أبو فلسطين، وبين الطيران الإسرائيلي الذي قام بتدمير الطبيعة، بحرق البشر والحجر في غزَّة، وصارت الفضائيات تنقل صور الموت الغزاوي بعضها بألم، وبعضها بافتخار كسبق صحافي، وأنَّ غزَّة، بل فلسطين، تحمل ذاكرة درامية عن المجازر منذ احتلالها؛ ذاكرة ضدَّ الموت، وضدَّ سلمٍ عاجزٍ عن حماية السلام. أبو فلسطين لمَّا جاع الغزاويون في هذه الحرب، وصادفَ جاره وهو يقوم بسرقة طائر حمام في غفلة منه، وبرَّرَ له قائلًا: (فِشْ أكل بالبيت والولاد جاعوا) أعطاه بدل طائر الحمام طائرين، وبعدها صار يأخذ كل ثلاثة طيور ويوزِّعها على الناس الذين نزحوا من الشمال بعد طوفان الأقصى. ولمَّا لم يبقَ عنده من الطيور إلاَّ التي حنَّطها قام بجمعها ودَفَنَها في قبرٍ جماعي بجانب القبور الجماعية لشهداء غزَّة، ومن ثمَّ اختفى."أبو فلسطين" صاحب أكبر كشَّة حمام بالقطاع كان قد علَّق شرشفًا أبيض على سطح بيته وكتب عليه: (اقصف يا منـ... مَضَلِّشْ حمام). مونولوج "أبو فلسطين" هذا وهو يدفن حماماته؛ طيوره المحنَّطة، هو كَمَنْ يبعثُ وليسَ يسحبُ الروح منها، وعبارته: (اقصف يا...) الساخرة هي بداية وعيٍ جديد لمأساةٍ جديدة. ففي 1948 شارك العرب في الحرب ضدَّ الغزاة الإسرائيليين، ولكنَّهم في الحرب على غزَة بعد طوفان الأقصى 2023 أضفوا الشرعية بصمتهم وهم يتفرجون على اجتياح إسرائيل لغزَّة وهي تطحن البشر بالحجر، وهو ما قوَّى موقفها، فيما على الجانب الآخر، إِنْ في أميركا، أو دول أوروبا، يقوم الطلاب بمظاهرات احتجاج على حكوماتهم التي تساند هي الأخرى حرب إسرائيل على غزَّة. "أبو فلسطين" في مونولوجه هذا الجارح الهازئ من أنظمة الاستبداد العربية كَبُرَ وعيه النقدي الفطري بمأساته، وهو بسلوكه وهو يوزِّع حماماته على الجوعى؛ جوعى الحرب، إنَّما يقاوم هذه الأنظمة القامعة. كذلك ما كتبه علي أبو ياسين في مونولوجه "من غزَّة إلى شكسبير" رسالة يستفزَّه فيها: ساعدني يا صديقي كيف لكَ أن تكون حاضرًا بعد أكثر من 500 عام، ترتدي الأسود كوالد هاملت، تخرج من تحت الأنقاض حاملًا لعبة طفل، تتواجد في كل مكان وكأنَّك انقسمت مجموعة أشباح لتجبر العالم على أن يوقف ما يحدث في غزَّة من مجازر وتطهير عرقي. هذه ليست حرب، بل هي شيء آخر حينما تنبَّأتِ الساحراتُ بتحرك غابة ايل إلى قصر الملك ماكبث. كأنَّك تنبأت بتحرك غزّة بعد كل هذا الدمار والموت إلى البحر. وكأنَّ ثمن حريتنا التي ناضلنا من أجلها أكثر من سبعين عامًا كان هذا التعميد نحو الحريَّة. مونولوج يفرجينا وعي الطفل بالممكن والمستحيل، فما (يمولجه) هو استعمالُ للبطولة حين خلطت عليه الحرب الإسرائيلية المستحيل بالممكن. فأخوة يوسف تنكَّروا له، وها هم يرمونه في البئر ثانية وثالثةً، وأحسبها فرصة فتُجهز عليه إسرائيل من دون أن يلوثوا أياديهم بدمه. مونولوج من كوميديا سياسية تهجو وتسخر، فطيور/ طائرات "أبو فلسطين" ليست وحدها التي تطير، كذلك أجساد الغزاويين؛ جسدُ ماجد يطير مئة متر من دون أجنحة، إثر انفجار صاروخٍ إسرائيلي، ويقع في شرفة شقَّة مُمَزَّقًا بعد أن قتلَ الصاروخ 120 شخصًا من عائلة ماجد. هل شاهد شكسبير هذا المشهد؟الطفلة ريم عفانة في مونولوجها الذي كَتَبَتْهُ وقامت بأدائه الطفلة رحاب عيسى؛ كانت تحلم قبل الحرب على غزَّة بأنَّها أسعد طفلة في العالم، وعندما تكبر ستدرس حتى تصير دكتورة أطفال. لكنَّ الحرب على غزَّة؛ وفي ثالث أيَّامها كانت جدَّتُها تُطَمْئِنُها مع العائلة أنَّ الحرب لا تُخَوِّف، رغم صوت انفجارات الصواريخ، لكن لمَّا رَنَّ جرسُ التلفون ورَفَعَت السمَّاعة وجاءها الصوت: "معكُم جيش الدفاع الإسرائيلي، ومعكم خمس دقائق لإخلاء البيت، وهذا لمصلحتكم، وقد أُعذِرَ مَنْ أنذَر"؛ حينها أوَّل من هرب كانت ستي/ جدَّتي، وأبي حضنني وقال لنا: ما تخافوا. صراع غريزي حتمي نشب عند الجدَّة، فتفرُّ من موتٍ إلى حياةٍ ليست أقلُّ من الموت الذي فرَّت منه، وهو ما فكَّكَ عندها التلاحم الأسري، فكانت ردَّة فعل الأب وهو يتماسك نفسيًا بأن يقول لأولاده: لا تخافوا. إنَّها دراما صراع الغرائز في ما بينها، صراعٌ، ولكن كي لا نتحوَّل فيه إلى شهداء وضحايا أنظمة تلعب دور الشياطين بثياب الملائكة في هذه الحرب الملعونة.في مونولوج آخر، يخرج أبو أحمد من منزله تحت قصف الدبابات الإسرائيلية مُسرعًا بصحبة زوجته وأبنائه وأحفاده وأمهم ووالدته المُقعدة وهي على كرسيٍ متحرِّك، وأصوات القذائف والحجارة تتطاير كأنّها حممٌ من جهنم. مشهدٌ ولا في "التغريبة الفلسطينية" لحاتم علي، الذي قفزت صورته أمامه وهو يدفع أمَّه على كرسيها، ولا ينسى أن يتفقَّد كل حين أفراد عائلته عدًا وصولًا إلى المنطقة الآمنة بعد وادي غزَّة إلى الجنوب. ومن هول الرعب الذي يعيشونه لم يعرف كيف قطعوا 6000 متر بلمح البصر، وقد تجمَّعوا وكأنَّ سكَّان غزَّة 100 مئة مليون، وليس مليونان في انتظار أن تفتح البوابة ليمروا، فيطلب منه جندي إسرائيلي أن يترك الكرسي ــ فيتركه، ويحمل أمَّه ويركض بها مع الجموع. هنا يتساءل: كيف سيحمل أمَّه كل المسافة/ الطريق إلى الجنوب. فيقرِّر العودة ليأخذ الكرسي، فيحمله ويعود به قبل أن تُغلق الدبابة الطريق. لكنَّه لمَّا تفقَّد أفراد عائلته لم يجد ابنته (لمى) ابنة الثماني سنوات بينهم، وأخذ يصرخ: أين لمى؟ أين لمى؟ وقرَّر العودة للبحث عنها، لكنَّ ولده أحمد منعه، لأنَّ العودة تعني الموت المحتَّم، فصار يردِّد: استعوضتُ فيكِ الله يا لمى. إنَّها لحظة موتٍ في الحياة، إنَّها لحظةٌ مسرحيةٌ من التراجيديا العنيفة والقاسية على الأب وهو يفقد طفلته وقد استيقظت ذكرياته معها، وصار كما المجنون: مَنْ يُعيدُ إليه لمى؟ أبو أحمد هنا لا يهرطق، إنَّ مَنْ يُهرطق هي أميركا التي تفتعل الحروب، وتبرِّر قيامها على أنَّها كوارث طبيعية ليس لها دخلٌ فيها، وعندها من البراهين الكونية والغائية ما يُثبتُ ذلك. إنَّ عاطفة (الأب) أبو أحمد تنفجر بكل عنفوان الانفجار في فقده طفلته لمى في هذه الحرب الظالمة؛ كما الآلاف من الآباء والأمَّهات الذين فقدوا أحبَّتهم. إنَّه انفجارٌ عاطفي فروسي؛ أو يقهر الحرب أو تدهسه عجلتها.أبو أحمد في هذا المونولوج أبو التضحية الذي يستيقظ من نومٍ، من حلمٍ وزوجته تقول له: لقد وصلنا إلى مخيَّم النصيرات. دعنا ننتظر هنا على شارع صلاح الدين علَّ أحدهم يكون قد اصطحبَ لمى وجاء بها. وفعلًا، ومن بين طوفان البشر، كانت لمى تسير مع رجلٍ يصطحب أطفاله، ولمَّا رأت أهلها ركضت بسرعة إلى والدتها، وأخذ الجميع يبكون ويشكرون الرجل، ثمَّ أكملوا طريقهم إلى خان يونس. إنَّها لحظةٌ تذوب فيها الروح والحواس، كأنَّها مشاعر سماوية، لحظة فرحٍ بطفلة عائدة من المستحيل في هذه الحرب على غزَّة.(مونولوجات غزَّة) التي تمَّ أداؤها قراءةً وتمثيلًا، أشعرتنا بالخجل من شخصياتها، ووضعتنا في مدارٍ جنوني، مونولوجات استحينا فيها من أنفسنا: كَمْ كُنَّا، وما نزال، مُقصِّرينَ في نجدة أهل غزَّة، مونولوجات هزَّتنا هزَّا عنيفًا، فصرنا نخلط؛ نخلطُ يا غزَّة والمستبدون يطمسون ويمحون ما بقي منكِ فتغرقينَ في البحر، وقد تقطَّعت طرق الوصول إلى نجدتكِ.غزَّة اعذرينا، فالنخوة ماتت، ونحن نعترفُ لكِ بأنَّنا ضحايا عاجزة حتى في الدفاع عن نفسها في هذا المحيط العربي.

 

المشـاهدات 203   تاريخ الإضافـة 21/05/2024   رقم المحتوى 46178
أضف تقييـم