
![]() |
نظرات و مقاربات في فلسفة سقراط و حياته |
![]() ![]() ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
النـص :
الجزء الثاني
نستنتج مما سبق في الجزء الاول إن وظيفة التعريف هي التعبير عن الطبيعة الداخلية للشيء المعرف،و بالتالي ف"سيكون لدينا شيء نبني عليه"فلسفتنا و تصوراتنا و رؤيتنا للعالم،و بالطبع فان هدا الشيء لابد و إن يكون محددا و ثابتا لا يتغير باستمرار و إن تغيّر فان جوهره قد يكون واحدا،لا يتغير،فنستطيع حينئذ"الحكم لا على الأفعال الفردية فقط بل و على القواعد الأخلاقية".و من هذا المضمار الرحب اخذ سقراط يهتم بالمنهج العملي لتحديد التعريف.و هذا المنهج هو الجدل او المحادثة. و المقصود و بالجدل او المحادثة هو الدخول في"نقاش مع شخص ما و يتناقش الطرفان في موضوع معين.و هنا سقراط يبدأ بإيجاد موضوع معين لطرحه على احد مواطني أثينا او فلاسفتهم او احد ساستهم،او يقوم سقراط بانتزاع الموضوع من خلال سياق كلام احدهم،فإذا ذكر احدهم مثلا كلمة تقوى او ظلم او شجاعة بشكل عشوائي،فان سقراط يغتنم الفرصة ليبدأ في طرح أسئلته و عندما يجيب المتلقي على سؤال سقراط،فان الأخير سوف يبدي رضاه عن التعريف المعطى،و لكنه يقول للمتلقي إن هناك نقطة او نقطتين في هذا التعريف غير متناسقة مع طبيعة الموضوع من أساسه،و لعلّ المحاورة التي جرت بين سقراط بوليمارخوس تلخص كل ما قلناه. فلقد بدأت هذه المحاورة حين كان سقراط يقدم صلواته للإلهة في البيربوس(مكان للمناسبات و العبادة)و عندما عاد سقراط(و كان معه صديقه كلوكون)إلى المدينة رآهم بوليمارخوس و أرسل إليهم خادمه ليقول لهم إن بوليمارخوس يريد رؤيتهم،و حين جاء بوليمارخوس هذا تحادث مع كل من سقراط و صديقه،و بعد عدة أسئلة ذهبوا جميعا إلى بيت أبو بوليمارخوس(وهو صديق سقراط على ما يبدو)و تكلموا عن الشيخوخة و الغنى.و في حديث أبو بوليمارخوس عن الغنى ذكر إن احدهم يقول"يعز روح من يعيش في العدالة و القداسة".و هنا سقراط يبدأ بطرح الأسئلة على أبو بلومارخوس أولا ثم ينتقل إلى ابنه.و جاءت إجابة أبو بوليمارخوس كتعريف للعدالة على انها"دفع الدين"و لكن سقراط يظهر بعض النقاط التي تنقض هذه الإجابة كتعريف للعدالة،ثم يعرف بوليمارخوس العدل مرة أخرى على انه"نفع الأصدقاء و ضرر الاعداء و عمل الخير للصالحين و الأذى للأشرار"و يدحض سقراط هذا التعريف مرة أخرى.و على هذا المنوال تستمر المحادثة على نفس الطريقة لتنتهي نهاية معروفة نوعا ما،و هي عدم الخروج بتعريف معين للقضية المطروحة. و على الرغم من هذه النهاية التي تبدو غير جيدة،إلا إن محاورات سقراط عموما -حتى لو كانت نتائج محاوراته هذه سيئة-توقظ الذهن و تجبر العقل على التفكير أكثر في إيجاد تعريف محدد. و لهذه المحاورات إشارة معينة تبين إن سقراط لم يكن مجرد منطقي متحذلق و لا ناقد هدام بل مفكر رسالته هي الارتفاع بالخير و المجد لدى محاوريه.و إظهار الحقيقة لكل شخص. و لعمري فان هذا الرجل قد أيقظ الكثير من القدرة الفكرية الكامنة في الإنسان،محررا الفكر اليوناني من قوقعة العزلة و التصوف و النظر للطبيعة إلى مسار جديد اكمله فيما تلميذه و تلميذ تلميذه. لقد وصفنا في العبارات السابقة المنهج العملي لسقراط المتمثل بالجدل و بطبيعته و أهدافه،و وجدنا إن هذا الجدل يبدأ بفكرة معينة،يقوم سقراط إما بطرحها او انتزاعها من كلمة المقابل،ليبدأ بطرح أسئلته عن تعريف القضايا مستخدما الحجج.و هذه الحجج هدفها هو الوصول إلى غاية سقراط إي إيجاد تعريف كلي حقيقي،فإذا سارت الحجة هذه من الجزئي إلى الكلي او من الأقل كمالا إلى الأكثر كمالا تسمى استقراء. إلى هنا نستطيع إن نقول إن المنهج العملي لسقراط قد انتهى و لكن اهتمامات الرجل لم تنتهي بعد و هي كثيرة و لكننا هنا لن نتوسع كثيرا.و سنقتصر في قولنا على رأي سقراط في المعرفة و الفضيلة بشكل مختصر. رأي سقراط بالمعرفة و الفضيلة كان سقراط يرى إن المعرفة ليست بعيدة عن متناول يده،فالمهم عنده إن يسعى الإنسان لأجل اكتسابها.و هذه المعرفة هي الأمر الرئيسي و المهم في تحديد اتجاهات الإنسان،حكيمة كانت أم حمقاء،خيرة كانت أم شريرة.فيقول سقراط ما معناه إن"السبب الذي يجعل الإنسان يرتكب الخطيئة هو افتقاره للمعرفة ولو عرف لما ارتكبها".و هنا اختلف مع سقراط في هذا الراي بعض الفلاسفة مثل نيكلستون و أرسطو معه.فنحن نعرف إن هناك أناسا يعرفون نتيجة أفعالهم السيئة و مع ذلك فهم يفعلونها لذلك نقول إن "سقراط نسي الجوانب اللامعقولة في النفس" ،و كيفية اتصالها مع الأحوال الخارجية،و نعزو سبب هذا التركيز على المعرفة في الفلسفة السقراطية،إلى إن سقراط كان متحررا من تأثير انفعالات النفس نظرا لأنه كان يتسم بالاعتدال و السيطرة في حياته و قراراته لذلك فهو مال إلى إن ينسب هذا الوضع الذي رَآه في نفسه إلى الآخرين معتقداً أنهم مثله في التحرر من هذه الانفعالات.كما انه لم "يلاحظ إن الضعف الأخلاقي"-و ليس قلة المعرفة-هو الذي يؤدي بالمرء إلى ارتكاب الخطيئة.و المقصود بالضعف الأخلاقي عدم وجود مبادئ أخلاقية متحكم بها من قبل الفرد،او وجود مبادئ معينة يمكن تسميتها بالأخلاقية و لكن لا تدعمها البراهين الداخلية،او التجارب الشخصية المؤكدة لنتائجها. أمّا الفضيلة عند سقراط تشكل هي و المعرفة شيء واحد.حيث إن"الرجل الحكيم هو من يعرف ما الصواب".و الرجل الحكيم هنا هو الفيلسوف المدرك الواعي العارف الذي يمكنه أن يميز بين ما يفعله و أن يعي علاقاته الخارجية و الداخلية.و هو أيضا يستطيع تميز الصواب،و الذي يمكن إن نعرفه على انه "فعل له نفع حقيقي للإنسان"إي يمكننا إن نقول إن كل فعل له نفع حقيقي لا يودي إلى إيذاء النفس او ما سواها هو الصواب.و لكن هذا لا يعني إن كل فعل له نفع شخصي يؤذي النفس هو الصواب،كلا فهذا عين الخطأ. و هذا الرجل الحكيم المدرك لقيم الصواب،"ينمي سعادته الحقة،و هذه السعادة تلازم الرجل الأخلاقي أكثر من الرجل أللأخلاقي"و هذه النتيجة واضحة من حيث المعنى و البناء تماما.لأننا نعرف إن الرجل اللااخلاقي إي الذي لا يمتلك فلسفة شخصية أخلاقية ،هو رجل ابعد من إن يكون متزنا وقورا مسيطرا على مجريات أوضاعه،فهو كالتابع لا يعرف أين الطريق،و أين الصواب و أين المكمن الخاطئ،انه بكلمات أخرى يركب الموجة و لا يعرف العاقبة.و هذه السعادة الحقة عند الرجل المدرك لا تعتمد على وفرة الأشياء الخارجية،كالمال او الممتلكات الخاصة.فكثيرا من الناس يظنون انه بالمال يمكن إن تمتلك السعادة،و لكنهم ما إن يحصلوا على المال حتى يتأكدوا من أنهم كانوا خاطئين بجد.و بالفعل فان السعادة تتناقض كلما زادت الممتلكات الخاصة،و كما يقولون،فإنه كلما زاد ما امتلكه المرء زاد ما يجب إن احرص عليه.مع ذلك نقول إننا لا يجب إن نستغني عن المال او الممتلكات الخاصة،و لكن إن نجعل روتينا لها معتدلة بصورة ما. |
المشـاهدات 111 تاريخ الإضافـة 25/02/2025 رقم المحتوى 59813 |

![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |