
![]() |
الكتابة في ادب الاطفال بين المغامرة والتجربة |
![]() ![]() ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
النـص :
طالب كاظم
ندرك ان الكتابة في ادب الاطفال تعد مسؤولية اخلاقية اولا، لأنها تخاطب وعيا لم ينضج بعد بالتجربة ، طالما وعي الطفل لم يزل يتفقد طريقه مستعينا بخبرته التي لا تعدو عن وصايا يتلقاها من هم اكبر سنا، غالبا تكون وصاياهم غير مفهومة طالما ذلك الطفل لم يمر بعد بالتجربة، التي من شأنها ان تصقل ادراكه ووعيه بالخبرات، ان الكتابة في ادب الطفل، يجب ان تتوفر على سمات ابداعية من شأنها ان تهذب مخيلته الجامحة، فالطفل ينظر الى النص، سواء كان نصا شعريا ام قصصيا، على انه نص يتسم بالكمال، فالطفل يؤمن بان الكبار هم على حق دائما، لانهم اكثر تجربة وحكمة، فخبرتهم غير محدودة، كما هو الحال معه، لذا تتطلب الكتابة للطفل حذرا مضاعفا بمرتين اكثر مما لو كان النص الادبي يستهدف الكبار. الكاتب المتمرس في ادب الاطفال يدرك الصعوبة التي تواجهه، حينما يحاول دخول عوالمهم السحرية ومداعبة خيالهم الجامح بشخصياته وحكاياته، دونما ان يكون مبدعا في صنع عوالم خيالية تتناغم ومزاج هذا الكائن بتجربته غير الناضجة، يتعين علينا ان نسبر عوالمه و ذلك بالعودة الى طفولتنا واستعادة عوالمها الخيالية، واعادة بناء تلك العوالم بسرد محكم متين وسلس، يتناغم ومستويات تفكيرهم، فالكاتب الجيد سيموه الهدف العميق من قصته او نصه الادبي بالأحداث المشوقة، فالهدف الاخلاقي والابداعي، سيكون مبررا حينما نقدم له تجربتنا الشخصية او تصوراتنا ومفاهيمنا الاخلاقية والجمالية بأسلوب يراعي قدرة اولئك الاطفال على فهم المغزى من السرد القصصي والشعري، علينا ان نصنع الابطال، الذين يداعبون مخيلته وتفكيره، فهو يبحث عن المثال لكي يجد نفسه فيه و يقتدي به، ان نبتعد عن شخصية الواعظ ثقيلة الظل، الواعظ الذي يطبق على تفكيرهم وخيالهم بإسداء النصائح والارشادات المملة، يكفي ان لديه ذويه، الذين لن يبخلا عليه بنصائحهم وممنوعاتهم، غالبا اقرا نصوصا تعليمية وتكون في اغلبها نصوصا مملة لا تخلو من وعظ بإيقاعها الرتيب، فهي بلا عقدة ولا مشكلة ولا حل، انما هو كلام مرسل فحسب، يحاول ان يكون سردا قصصيا ليس اكثر، وهي في اغلبها قصص تفتقد الخيال والمغامرة، التي يبحث عنها الاطفال لإشباع مخيلتهم ومحاولاتهم في التماهي مع تلك الشخصيات، نحن لكي نحبب اليه وطنه ونقرب الى وعيه مفهوم المثل العليا علينا ان نخوض به مغامرة مليئة بالمفاجآت، ان نقحمه في الاحداث ونضعه امام التحديات، حتى نصل به الى نهاية القصة، فيكتشف في نهاية الامر ما معنى مفهوم الوطن، فالوطن ليس الراية التي ترفع على سارية في احتفال مدرسي ولا نشيد حماسي يترنم به التلاميذ صباحا، وكذلك الامر مع مفهوم الصداقة والايثار، وغيرها من المفاهيم المجردة، التي تتطلب مثالا مرئيا لكي تتجسد في تفكير الطفل كحقائق ، لا ان نكتب بأسلوب الوعظ التي تكشف عن ضيق افق الكاتب نفسه وفقر خياله، هناك كتاب يعتقدون ان التجريب في ميدان الكتابة للأطفال، امر متاح للجميع لسهولته وبساطته، فالطفل ليس بأكثر من وعي ساذج، يمكن قيادته الى الوجهة التي يريدها ذاك او ذلك الكاتب، ضيق الافق، متناسيا "عن عمد وسبق اصرار" ان الطفل بمخيلته الجامحة يستطيع اعادة خلق عوالم عديدة ، فكل ما يقع تحت نظره ويده، انما هو مشروع متعدد الاتجاهات لعوالم لامتناهية، ستبدو معها عملية اقتحام عوالمه الخيالية بعوالم فقيرة تبدأ بنصيحة وتنهي بعلامة ارشاد لازمة: غير مجدية تماما بل ومحبطة للآمال، فأولئك الاطفال ليسوا حيوانات تنتظر في مختبر لإجراء التجارب الفكرية او السلوكية. يتعين على بعض الكتاب، ان يعيد قراءة ما كتبه بعد ان يستعيد طفولته، ليرى ان كان نصه يستحق ان يظهر للعلن . فالكتابة في ادب الاطفال، ليست رغبة عابرة تعتري احدهم، فيحاول التجريب بما يعتقده خيالا يصلح للأطفال، في الوقت الذي يحدث فيه عطبا لا يمكن اصلاحه في وعي الطفل بتجربته المحدودة ، ان ما يتلقاه الطفل في سنواته المبكرة سيتحول الى ثوابت جمالية واخلاقية وفكرية سترافقه طوال حياته ، المثير للتساؤل ان البعض "استسهل" ولوج هذا العالم الرحب، الذي يتطلب اكثر من مجرد معرفة وضع الكلمات في جمل، وشحن المتن بخيال فقير وملء فجوات السرد بمفاهيم خاطئة، وهو الامر الذي يقوم به بعض الكتاب الذين اقتحموا عالم الكتابة في ادب الاطفال، سيبدو معه القول: لا تشوه مخيلته ولا فكره ولا وعيه، امرا ملحا، بما يعتقده صائبا ذلك او ذاك الكاتب، في الوقت الذي يقوم فيه بتخريب وعي الطفل بمفاهيم خاطئة سيظل تأثيرها قائما لأمد طويل. كما تفعل القصص التعليمية التي تفتقد الخيال، فهي تجفف ينابيع خياله، بل ان هذه القصص تكشف عن فقر مخيلة الكاتب وفقر تجربته، يتعين علينا ان نمنحه خيالا جامحا وروى بتطلعات كبيرة، وهو الامر الذي فعله كتاب الغرب، من هانس كريستيان ولويس كارول الى النخبة المعاصرة، مرورا بالقصص التي قدمها ستوديو ديزني وستوديو مكسيم غوركي في موسكو، فالكتابة في ادب الاطفال ليست نزهة ريفية للاستجمام واستعادة الحيوية، وهي ايضا ليست محطة استراحة لمزاولة الكتابة التي لا تتطلب الكثير من التعقيد، وليست اعلانا فقيرا لشهرة لامعنى لها يسعى اليها الكاتب. الكتابة للطفل مسؤولية اخلاقية وجمالية تتطلب قدرا رفيعا من النضج الفكري والوعي بمتطلبات الاطفال، ومراحلهم العمرية لتنمية خيالهم وصقل وعيهم بالتجربة التي تقدمها شخصيات القصص التي يطالعونها. ما جدوى ان تكتب له قصة من ثلاثة اسطر تدعوه فيها الى جدية تنظيف اسنانه بالفرشاة قبل الفطور وبعد العشاء ؟ ما الجديد في الامر؟ بل اين الخيال في موضوع ممل كقضية تنظيف الاسنان او غير الاسنان وهو امر تقوم به الكتب المدرسية الاولية والاسرة، تلك حالة من رزمة كبيرة من القص الممل غير المجدي، اقرا واشعر بالخيبة، لان البعض لا يبالي بالثوابت التي قام عليها ادب الاطفال . ان كنت تفتقد الخيال ولا تستطيع الاسترسال المتدفق غير المضطرب، انصحك بان لا تكتب لهم، انهم سيشعرون بالملل وسيغادرون ما لا يحبونه الى الابد . |
المشـاهدات 40 تاريخ الإضافـة 24/03/2025 رقم المحتوى 60843 |

![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |