الخميس 2025/4/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 22.95 مئويـة
نيوز بار
وليد الخشاب: اقتباس الأفلام كان جزءا من حركة ثقافية واسعة أفلام مصرية مقتبسة تروج لقيم الحداثة عبر أيديولوجيا الفودفيل
وليد الخشاب: اقتباس الأفلام كان جزءا من حركة ثقافية واسعة أفلام مصرية مقتبسة تروج لقيم الحداثة عبر أيديولوجيا الفودفيل
سينما
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ليس خافيا على المتابعين أن السينما المصرية الرائدة عربيا قامت في الكثير منها على الاقتباس من الأفلام الغربية، وفي كتاب "قهقهة فوق النيل" نجد دراسة لهذه الظاهرة من خلال الأفلام الكوميدية أو تلك التي تحتوي نفسا كوميديا، لكن النسخ المقتبسة شهدت تحويلا عن النسخ الأصلية، تحويلا تقف خلفه الأيديولوجيا.مشاكسا فيلم “ثرثرة فوق النيل” الشهير المأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ بنفس العنوان ومعارضا للعنوان مستبدلا القهقهة بالثرثرة، يبدأ الناقد والشاعر د. وليد الخشاب كتابه "قهقهة فوق النيل" الذي يحلل فيه واحدا وعشرين فيلما من كلاسيكيات السينما الكوميدية المصرية، قهقه الملايين من العرب عند مشاهدتها عبر العقود. ومن أشهرها التي تناولها في كتابه: أبو حلموس وغزل البنات والزوجة رقم 13 وعروس النيل والجريمة الضاحكة وعفريتة إسماعيل ياسين وإسماعيل ياسين في الأسطول وفي الطيران.تحليلات الخشاب تتناول اقتباس الكوميديا من السينما والمسرح في الغرب، لاسيما أميركا وفرنسا، وتمصير الأفلام لتتحول إلى علامات في الكوميديا السينمائية المصرية في عصرها الذهبي بين الأربعينات والسبعينات من القرن العشرين.

 

ظاهرة الاقتباس

 

بعد دراسة متعمقة لفن فؤاد المهندس الكوميدي في السياق التاريخي للتحرر الوطني في كتابه “مهندس البهجة” (المرايا، 2022)، يعود الخشاب لتحليل الفاعلية الثقافية والاجتماعية والسياسية للكوميديا عندما تقتبسها السينما المصرية عن الغرب. ويطرح أن اقتباس الأفلام كان جزءًا من حركة ثقافية واسعة لاقتباس قيم الحداثة وممارستها والترويج لها في المجتمع المصري الحديث، وطرفا من منظومة دعاية التحرر الوطني التي تعرض على المواطنين إثبات ولاءهم للتحرر، مقابل فتح المجال أمامهم لدخول الطبقة الوسطى، فيما يسميه المؤلف “أيديولوجيا الفودفيل.”يرى الخشاب في كتابه، الصادر أخيرا عن دار المرايا، أن الذاكرة الثقافية المصرية والعربية تحتفظ بفقرات قوية من رواية نجيب محفوظ “ثرثرة فوق النيل”، ثم بصور من الفيلم الذي اقتبسه حسين كمال مخرجا وممدوح الليثي كاتبا للسيناريو والحوار عن الرواية، والذي عرض في نهاية عام 1971 بالعنوان نفسه. فذلك الفيلم الذي يتتبع مجموعة من المُغَيَبين السابحين في دخان الحشيش في عوامة على النيل كان يبدو إدانة للمفارقات العبثية التي دمغت المجتمع المصري وأدت إلى هزيمة 1967، بسبب المسافة بين خطاب تحرري وأخلاقي ساد المجتمع آنذاك، وشيوع ممارسات تسعى إلى المكسب واستغلال النفوذ، بلا هم وطني ولا واعز أخلاقي.ربما لا يبدو واضحا تصنيف الفيلم ككوميديا، وإن كانت الكثير من مشاهده كوميدية بلا شك، لاسيما المشاهد الأخيرة التي يغرق الجميع فيها في حالة سلطنة أو سطلة بسبب الحشيش. وهذا مما يثير الانتباه لـ”ثرثرة فوق النيل”: فالكوميديا فيه ليست فقط نوعا فنيا يستغرقه الضحك من الألف إلى الياء، بل هو صيغة تثير الضحك، حتى لو في جزء من الفيلم أو في بعض ملامحه فقط، وهي النظرة التي يعتمدها هذا الكتاب للكوميديا، وإن كانت معظم الأفلام التي يتناولها بالتحليل كوميديات بما يدع مجالا للتأويل.ويقول الناقد “أستعير وأعارض عنوان محفوظ وكمال، ليس فقط من باب تحية أيقونات ثقافية ارتبطت بتاريخ السينما المصرية، ولكن لأن العنوان يستدعي تدبر الضحك كقيمة وممارسة ومعنى، سواء كان الضحك جزءًا من نسيج عمل كوميدي أو حلية تزين وتلطف عملا جادا أو ميلودراميا، حيث يركز هذا الكتاب الذي سميته ‘قهقهة فوق النيل’ على اقتباس كلاسيكيات الكوميديا السينمائية المصرية من أصول مسرحية وسينمائية غربية، تروضها وتطوعها القاهرة لتصبح جزءًا من منتجات صناعة السينما على ضفاف النيل، ولهذا يطيب لي أن أذكر النيل في عنوان كتابي هذا.”ويضيف “بعض الأعمال التي أتعرض لها بالتحليل في فصول الكتاب تمثل تحديا للتصنيف، حيث أدرسها لأن بها عنصرا كوميديا، رغم أن تصنيف الفيلم المَعنِي ككل باعتباره فيلما كوميديا ربما لا يحظى بالإجماع، ومثال ذلك فيلما ‘إمبراطورية ميم’ و’دايما معاك’ اللذان أقدم لهما قراءة في الكتاب. بالفيلمين أجزاء كوميدية بلا شك، لكن جدة الموضوع ربما تجعل البعض يعتبر فيلم حسين كمال ‘إمبراطورية ميم’ فيلما اجتماعيا وفيلم هنري بركات ‘دايما معاك’ دراما رومانسية، وربما لا تخطر على بال الناقد والمؤرخ اعتبار الفيلمين من نوع الكوميديا.هذه الأمثلة السينمائية تتواصل مع فيلم “ثرثرة فوق النيل” من حيث إن كلها أفلام بها قدر كبير من الفكاهة وربما استقام لنا أن نسميها كوميديات، وإن كان تصنيفها من حيث النوع الفني ملتبسا أو إشكاليا”. ويوضح الخشاب أن بعد دراسته لأفلام فؤاد المهندس المقتبسة من أفلام أميركية في الفصل الرابع والأخير من كتابه “مهندس البهجة”، شعر بالرغبة في استكشاف ظاهرة اقتباس الكوميديا في السينما المصرية، عند فناين ونجوم آخرين، وفي العقدين السابقين على سطوع نجم المهندس سينمائيا، أي في الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين، قائلا “ربما لم أحقق اكتشافا غير مسبوق حين بينت مدى اتساع ظاهرة اقتباس أفلام ومسرحيات أوروبية وأميركية وتحويلها إلى أفلام مصرية، لكن هذا الكتاب ‘قهقهة فوق النيل’ يثبت بتحليل ما يزيد عن واحد وعشرين فيلما، أن معظم – إن لم يكن كل – كلاسيكيات الكوميديا المسرحية والسينمائية المصرية مقتبسة بدرجة أو بأخرى من أصول أجنبية، لاسيما الأصول الفرنسية والأميركية.”وكما أشار في دراسته عن فؤاد المهندس أن الأستاذ كان كثيرا ما يعيد تمثيل أدوار كوميدية قام ببطولتها النجمان الإنجليزيان ركس هاريسون ولورنس أوليفييه، فقد وجد أن السينما الكوميدية المصرية بشكل عام، كانت كثيرا ما تستعيد أفلاما من بطولة نجوم أميركيين بعينهم. هكذا اقتبست السينما المصرية أكثر من فيلم أميركي من بطولة النجم الهوليودي ويليام باول والنجمين الثنائي بد أبوت ولو كوستيللو، وقام بالأدوار المصرية المقابلة لأدوار النجوم الأميركيين كوكبة من النجوم من بلاد النيل، من محمد فوزي إلى إسماعيل ياسين إلى رشدي أباظة.

 

أيديولوجيا الفودفيل

 

حول أيديولوجيا الفودفيل يشير الخشاب إلى أن مفهوم أيديولوجيا الفودفيل أطلقت على الفكر والدعاية التي يحملها خطاب الدعاية الناصرية ويبثها عبر مواقف وأحداث الأفلام الكوميدية عموما، وربطت تلك الأيديولوجيا بنوع الفودفيل لأنه النوع الكوميدي الذي تتجلى فيه خصائصها على أوضح وجه. وهي تتلخص في وعد تقدمه الدولة لأبناء المجتمع، لاسيما من الطبقات البسيطة، بأن تسمح لهم بالالتحاق بالطبقة الوسطى عن طريق التوظف وممارسة مهن تدعمها الدولة، وبأن تفتح لهم أبواب ملذات مثيلة للملذات التي نراها في كوميديا الفودفيل تحديدا، من التنعم بالعلاقات الغرامية الحرة والرفاهية الزائدة، في مقابل الولاء المطلق لدولة التحرر الوطني.إن موضوع كتاب الخشاب هذا هو اقتباس الكوميديا السينمائية المصرية من مصادر غربية. لكن خطا رئيسيا فيه يتابع وجود هذه الدعاية الفكرية وتشبع الكوميديا بفكرة اللذات ومميزات الطبقة الوسطى مقابل الولاء منذ قبل قيام دولة التحرر الوطني في يوليو 1952، وقبل عصر نجومية فؤاد المهندس. ويدرس في كتابه الجديد تجلي أيديولوجيا الفودفيل في أفلام نجيب الريحاني التي أنتجت في الثلاثينات والأربعينات، قبل ظهور الضباط الأحرار وتوليهم الحكم في البلاد في مطلع الخمسينات، وبروز ملامح تلك الدعاية بدرجات مختلفة في كافة الأفلام الكوميدية، بعيدا عن أفلام الريحاني أو المهندس، من بداية الأربعينات إلى نهاية الستينات من القرن العشرين.ويوضح “في كتاب ‘مهندس البهجة’ صفحات عن نجيب الريحاني وفقرات عن إسماعيل ياسين وعادل إمام. وأستمر فيما يلي من فصول في دراسة الكوميديا السينمائية في مصر من منظور دراسات الاقتباس ومنظور الدراسات الثقافية، لاسيما أنني قد أثرت قضايا عديدة أثناء بحثي في تراث فؤاد المهندس، لكن لم يتسع المجال للتعمق في تحليلها وتفسيرها وقتذاك. لذلك أستمر في التركيز في ‘قهقهة فوق النيل’ على الكوميديا في وسائط مختلفة، مع الاهتمام بالكوميديا السينمائية تحديدا وعلاقتها بوسائط مختلفة مثل الأدب والمسرح، وبثقافات مختلفة غربية وشرقية، وإن برز دور السينما الأميركية كمصدر فائق الأهمية كما وكيفا للكوميديا السينمائية المصرية، لاسيما في الخمسينات والستينات، ورغم لحظات التوتر المتواترة بين النظام في مصر والحكم في الولايات المتحدة عبر العقدين الأولين من مرحلة التحرر الوطني في الخمسينات والستينات." في الغالبية العظمى للأفلام التي يحللها الناقد، تبرز أيديولوجيا الفودفيل التي سادت مجتمع التحرر الوطني المصري، رغم أنها تمثل خطابا فكريا وعقائديا وسياسيا مصريا وعربيا، ليس بذلك الوضوح ولا ذلك الحضور الدامغ في الأفلام الغربية التي تمثل الأصول التي اقتبست منها الأفلام المصرية موضع البحث والتحليل في هذا الكتاب. وربما كان الحضور القوي لأيديولوجيا الفودفيل في الكوميديات المصرية المقتبسة دليلا على فاعلية ونجاح التمصير في بنية تلك الأعمال، بحيث تدخل النسيج السينمائي والثقافي المصري وقد صُبِغَت بخطاب أيديولوجي مصري.

 

الولاء لدولة التحرر

 

يبين الخشاب أن في أفلام نجيب الريحاني، تقدم الطبقة الحاكمة وعودا بمتع محتملة قد يحصل عليها المتعلم ابن الطبقات الفقيرة إن أبدى ولاء وتبعية لها، وفقا لآليات أيديولوجيا الفودفيل. لكن تلك الطبقة الحاكمة لا تفي بالضرورة بتلك الوعود.في فيلم “غزل البنات”، يرتقي نجيب الريحاني اجتماعيا وماليا لأنه قد التحق بالعمل في بيت الباشا معلما لابنته، وهو يحب تلك الفتاة ولو تزوجها لصعد طبقيا. لكن هذا الزواج لا يتم، ويبقى الريحاني في طبقته لا يحصل على اعتبار اجتماعي إلا من حيث إنه في خدمة الطبقة الحاكمة، وترقيه البسيط مالي وليس طبقيا، والمطلوب منه ليس الولاء لدولة سارت على طريق الاستقلال بفضل معاهدة مع الاستعمار البريطاني في 1936، بل المطلوب منه هو الولاء لطبقة حاكمة. هذا ملخص لآليات عمل أيديولوجيا الفودفيل: وعود بالترقي الاجتماعي ودخول الطبقة الوسطى، لكنها وعود لا تتحقق بالضرورة.ويتابع “في أفلام فؤاد المهندس تتحقق الوعود لأن دولة التحرر الوطني نفسها هي التي تقدمها، وهكذا نرى فؤاد المهندس في السينما والمسرح عادة ما يترقى اجتماعيا ويدخل الطبقة الوسطى ويتمتع بملذاتها من سكن راق وزوجة جميلة، عادة ما تكون شويكار. ويدخل المواطن المتعلم البسيط إلى الطبقة الوسطى ويتمتع بالملذات المتاحة فيها كما نراها في كوميديات الفودفيل، مقابل الولاء لا لطبقة بعينها، لكن لدولة التحرر الوطني ذاتها ولمؤسساتها. اتضح لي بالبحث أن آليات عمل أيديولوجيا الفودفيل موجودة في كوميديات الخمسينات والستينات المصرية، لاسيما تلك المقتبسة من أفلام أو مسرحيات غربية، بشكل عام وليس فقط في الأعمال التي قام فؤاد المهندس ببطولتها."ويؤكد الخشاب أن واحدا من أقوى أمثلة تجسد أيديولوجيا الفودفيل في السينما الكوميدية المقتبسة عن السينما الأميركية هو فيلم “الجريمة الضاحكة” (1963) بطولة أحمد مظهر وسعاد حسني وإخراج نجدي حافظ، والمقتبس عن الفيلم الأميركي “الكُشْك” من إخراج جورج مارشال عام 1959.في هذا الفيلم، نتتبع رحلة الشاب أحمد مظهر في الهجرة من الصعيد إلى القاهرة. من طبقة مستورة في الصعيد، يدخل الطبقة الوسطى العليا في القاهرة بزواجه من فتاة من تلك الطبقة، هي سعاد حسني، ويسكن في فيلا جميلة في حي مصر الجديدة الراقي، وبانخراطه في العمل في مؤسسة من أهم مؤسسات دولة التحرر الوطني وهي التلفزيون الرسمي الذي كان يُسَمى في الستينات “التلفزيون العربي”. مقابل ولائه لدولة التحرر وتعزيزه لمؤسساتها، يتمتع أحمد مظهر بزوجة جميلة وفيلا راقية، بل ويرتكب جريمة قتل وينجو من المساءلة القانونية بحجة درامية، وهي اتضاح أن القتيل كان قد مات بسبب مرض قلبي قبل أن يطلق عليه أحمد مظهر النار بثوان.الخلاصة إذاً هي أن أيديولوجيا الفودفيل تعد من يدين بالولاء لدولة التحرر بكل المتع وكل الحماية، حتى الحماية من السجن. المثير طبعا أن القصة الأميركية “الكشك” تبدو مقتصرة على التسلية والتشويق الكوميدي، بينما الاقتباس المصري في “الجريمة الضاحكة” في سياق الستينات يضفي على القصة بعدا اجتماعيا وسياسيا يرتبط بتنشيط دعاية أيديولوجيا الفودفيل. وهذه الإضافة السياسية/ التاريخية/ الاجتماعية التي تضاف إلى الفيلم المصري المقتبس تضفي بعدا خاصا على عملية التمصير والاقتباس، وتجعل الفيلم الكوميدي المصري، لاسيما في الستينات، أكثر من مجرد نسخة محلية من منتج أميركي أو غربي على وجه العموم.

 

محمد الحمامصي

المشـاهدات 22   تاريخ الإضافـة 03/04/2025   رقم المحتوى 61098
أضف تقييـم