
![]() |
عندما يكون لشاعر قصيدة في ... مكعب ثلج في كأس دراسة نقدية |
![]() ![]() ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
النـص :
يوسف عبود جويعد المجموعة الشعرية " مكعّبُ ثلجٍ في كأس" للشاعر أمير الحلاج، تتيح لنا فرصة طيبة، للغوص في أعماق تفاصيل حياة الشاعر أثناء ولادة قصيدته الشعرية، وبالأخص الشاعر الذي مارس كتابة الشعر، منذ أمد بعيد، وغرق بين ثناياها ،كون أنّ حياته اليومية تنسحب شيئاً فشيئاً ، إلى العالم الشعري، ويكون هاجسه الذي يلاحقه أينما حلّ وكيفما رحل، فهو يرى في وجه الأرض تفاصيل لقصيدته الشعرية، ويرى مفرداتها وصورها واستعاراتها و انزياحاتها في جزئية الحياة لأنه يعيش للقصيدة، ولأنه يفكر دائماً بأنه مقبل على كتابة قصيدة جديدة. حيث التأمل الدائم ، إذا رأى شجرة مثمرة، أو رأى وردة متفتحة، أو رأى فراشة تحوم في الفضاء ، أو رأى ابتسامة طفل ، أو رأى وجهاً جميلاً لامرأة هيفاء، وتكون التفاصيل أدقّ وأعمق إذا ما زاد هذا القدم في ممارسة صناعة القصيدة الشعرية، فيكون التأمل واحدًا من تلك الروافد التي تمده بهذا التواصل المستمر، ويكون الإيحاء رافداً آخر، ثم المناجاة، ثم التداعيات، ثم هسيس الذكريات، فالتجارب الحياتية التي يعيشها. وهكذا يكون الشاعر كتلة من الشعر والأحاسيس والأفكار التي لا تنضب من أجل الاستمرار بمواصلة هذا الدرب، الذي لا رجعة منه. وفي قصيدة " مكعب ثلج في كأس" وهي أولى القصائد الشعرية التي ضمتها هذه المجموعة، نكون في حالة تأمل عميقة، وتشير إلى ما ذهبنا إليه، فهو يتأمل مكعب الثلج داخل الكأس، وهو يتحرك في السائل أي كان نوعه، فيغوص أحياناً إلى القاع، أو يطفو إلى السطح، ليجد الشاعر قصيدته الشعرية ، وقد ظهرت في هذا المكعب ، فلا يجد بداً إلا كتابتها، كما يتأملها: يسبحُ في جوفِ الكأس، كسمكة ترقصُ كلما حفّزتها الأمواج بالتلاطم، فبغير العزفِ لا دهشة في الرّقص، غير عابئةٍ بمحيطها القاسي، وما تتربصُ بها الطبيعة، أو تفرضُ سلطتها الاقدار. لنتابع تفاصيل هذه التأملات، وأين رحلت به في عالم الشعر وهو ينقلنا من صور رمزية، إلى إيحائية، إلى انزياحية، وفي المقطع الأخير يضع الشاعر نتائج طوفانه مع المكعب، إذ يقول: بعينين تبحثان عن راقصٍ ذوّبته الحقيقةُ، واختفت تفاصيل إسراجه وكلّ ما يوصله للحوار ليبقى السّؤالُ أين استقرّ به الحال؟ وهكذا يلتصق هذا الهاجس برؤية فنية أخرى في قصيدة " العاشقة"" فيتأمل كل ملامحها ، وكل ما يوحي له بأنها عاشقة، الانكسارات، الشرود، لتطفو على سطح مشاعره قصيدة شعرية جديدة مؤثرة تدعو القارئ إلى مواصلة التأمل والطواف معه، إلى حدٍ يشعر فيه القارئ بأن الشاعر يعرف عن العاشقة أكثر مما تعرف هي عن نفسها: ما يفضحها بريقُ العينين، وهروبُ الكلمات، حيثُ لا تستسيغُ الشّفتانِ سلطة القفلِ، والإصبعَ التي من الزاوية يكسرُ التحامهما وارتجاف الأصابع والشرودَ الذي يكشفُ المخبوءَ، وحروف كلماتٍ، بغير مناسبةٍ، دويّها يقلبُ الاتزان.
إلى آخر تلك القصيدة التي تتأمل عاشقة وتطوف في أعماقها. أما قصيدة " دعي الروح تعزف" فأنها ليس حالة تأمل وحسب، وإنما دعوة لفكّ قيود الروح ومنحها حرية العزف: دعي الرّوح تعزفُ ليغني الجسدُ البضُّ، واتركي له الحريَّةَ كيفَ يكوَّنُ الألحانَ. دعيه يفصح عن المخبوء ناحرَ الكبتِ المزروعِ، منذ انطلقت الصرخة الأولى. وتزداد حالة التأمل الشعري عند الشاعر وهو يتأمل قفص بلبل في قصيدة "بلبل في قفص": في القفص المتدلي من السقف، حيثُ البلبل فيه يمارس عدَّ الايام، كنت أطيل التَّمعنَ، وأتأمل في فضائي الواسع، وأحزن من فضائه الضيق. وعن حالة التداعيات الذاتية، يقدم لنا الشاعر قصيدته "جبة الأمس" وهو يتداعى مع الوقت ويناجيه: الوقتُ يعصي الجاذبية لا مستقر له، لا ثبات يؤطره، لا ليل يزرع فيه الأحلام، هو كالقلب يهرول دائماً، وبغير هذه الهرولةِ لا معنى يمنحُ التّسمية. أما قصيدة "أنا والغيوم" فأنها تعود بنا إلى طفولة الشاعر ، وذكرياته، في حالة تأملية شعرية حسية عميقة ومؤثرة: حين كنتُ صغيراً، كانَ السَّطحُ أنيسي، أتمعَّنُ بعيون الغيوم وهي من كدها تتعرَّقُ، لترطب العينين الشاخصتين بها، فوقعُ الحَرِّ لا تزوره الرّحمةُ. وعن الشجرة وهي تحت تأمل الشاعر وتداعياته الحسية ، يقدم لنا قصيدة "الشجرة" ليطوف في أرجائها: لم يعكَرُ رقص أجنحتها كلام الأمور الصاخبةِ كلام من عطورٍ في الرّيح، تطيب لها النفوسُ فيركزُ وتدهُ التَّشنيف، لتتشعب التأويلاتُ. كلٌّ له وجهةٌ معلنةٌ ومسار سمتهُ الإفصاح. وقصيدة "إيحاءات" تفصح لنا الرؤية الفنية التي اتخذها الشاعر مساراً لصناعة قصيدته، فهي تأخذنا لنرحل معها في عالم من الإيحاءات: كلّ ما فيه يثير الوضوح، ويفشي الذي القلبُ احنواهُ وأودعه في زواياه. كلُّ الذي فيه هاجسٌ لا يكشف التفاصيل، ولا يبرّرُ الغايات، ولا لظلام المحيطين يُكرِمُ بتسليط إشاراتٍ تُنعشُ الأفئدة الصخرية. وهكذا وبعد هذه النماذج من قصائد المجموعة الشعرية " مكعبُ ثلجٍ في كأس" للشاعر أمير الحلاج، نكتشف أن الشاعر كلما توغل في عالمه الشعري، فأنه يظل تحت سطوة قصائده الشعرية التي تصنع من كل التأملات والإيحاءات والصور والهموم اليومية، قصائد شعرية ناضجة. من إصدارات دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع – بغداد- شارع المتنبي لعام 2025 |
المشـاهدات 132 تاريخ الإضافـة 24/08/2025 رقم المحتوى 65980 |

![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |