الأحد 2025/8/31 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.95 مئويـة
نيوز بار
تحليل دور التناص في بناء قصة ((حب وحمص وثالثهما نيتشيه)) لجمال الهنداوي
تحليل دور التناص في بناء قصة ((حب وحمص وثالثهما نيتشيه)) لجمال الهنداوي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

 

 

د. انسام المعروف

 

"ان القصة "حب وحمص وثالثهما نيتشيه" (٢٠٢٥) التي يقدمها لنا جمال الهنداوي والتي اختار عنوانها ليكون عنوان مجموعته القصصية انما هي مثال ثري جداً للدراسة التناصية، حيث تخلط بين المستوى الفلسفي الرفيع والمستوى الحياتي البسيط (الحمص) بطريقة بارعة.تُعدّ جوليا كريستيفا من أبرز المنظّرين لفكرة التناص (Intertextuality)، التي ترى أن كل نص هو نسيج من اقتباساتٍ وإشارات وإحالات إلى نصوص أخرى، وأنه لا يولد من فراغ بل يتشكل عبر شبكة من العلاقات النصية والاجتماعية والثقافية. وفق هذا التصوّر، النص الأدبي ليس كيانًا مغلقًا أو إنتاجًا فرديًا محضًا، بل هو فضاء حواري متعدد الأصوات حيث تتلاقى أصوات الكُتّاب والموروثات والخطابات السابقة، فيتجدد المعنى باستمرار عبر إعادة الكتابة وإعادة التأويل.انطلاقًا من هذا المنظور، يمكن قراءة القصة القصيرة “حب وحمص وثالثهما نيتشه” بوصفها نصًا يستدعي نصوصًا وخطابات موازية: فهي تستحضر الفلسفة الغربية عبر شخصية نيتشه وأفكاره (مثل القوة، العدمية، وإرادة الحياة)، وتمزجها بعناصر الحياة اليومية المتمثلة في الحب والحمص بوصفهما رمزين للمعيش البسيط والعاطفة الإنسانية. هذا التلاقي بين الفلسفي والمعيش، وبين الخطاب الغربي والبيئة المحلية، يُجسد جوهر التناص الذي تصفه كريستيفا، حيث ينفتح النص على تجاور الأصوات وتبادلها، ليصنع دلالة جديدة تنشأ من التصادم أو الانسجام بين هذه المرجعيات. وبهذا، يغدو التناص ليس مجرد تقنية فنية، بل آلية لتفكيك الحدود بين الجد والهزل، بين الفلسفة والحياة اليومية، وبين النصوص الكبرى (الميتافيزيقا النيتشوية) والنصوص الصغرى (سرد التفاصيل الشعبية والمعيشة). فالقصة تُعيد كتابة نيتشه داخل سياق محلي، وتُظهر كيف يمكن للأفكار أن تتخذ دلالات مختلفة حين تتقاطع مع مشهد اجتماعي وثقافي آخر. ومن هنا، فإن استخدام نظرية التناص يفتح المجال لتحليل كيف يُنتج النص معناه عبر تفاعله مع نصوص وخطابات سابقة، وكيف تتحول تلك النصوص المستدعاة إلى أدوات نقدية ساخرة أو جمالية تُثري التجربة الأدبية.ويمثل التناص الفلسفي في هذا النص قلب القصة وروحها. وهذا هو أقوى أنواع التناص ظهوراً في النص، وهو المحرك الرئيسي لأحداثه وتطور شخصية البطل (جليل).فهناك الاقتباس المباشر حيث ظهور اسمي الفيلسوفين فريدريك نيتشه وهيجل والتي كُتبت في النص بالعامية "نيشه" و"هيثل"، هو تناص صريح ومباشر. "أكثر ما يعنيني هو نيشه وهيثل، هذا الفيلسوفان يعقدان أي شيء في الحياة."`(٣٣) ان هذا الاقتباس لا يذكر الاسمين فحسب، بل يحدد تأثيرهما: "يعقدان أي شيء في الحياة"، مما يضفي هالة من الصعوبة والعمق حولهما.وكذلك هناك التناص مع أفكار نيتشه فالقصة لا تذكر الاسم فقط، بل تحاول الدخول في حوار مع أفكاره. حيث يشير جليل إلى مصطلحات نيتشوية أساسية:`كلمات مثل "العدمية"، "الإنسان الأعلى"، "إرادة القوة"، وأحس أنها أقرب إلى الألغاز منها إلى الكلام الذي كان يسمعه طول حياته.`٣٦ كذلك فان محاولة جليل لفهم هذه المفاهيم هي في جوهرها عملية تناصية، حيث يحاول قارئ بسيط وهو النص الجديد فك شفرة نص فلسفي معقد وهو النص السابق/الأصلي لنيتشيه.كما تم استخدام الاقتباس الحرفي: هذا هو ذروة التناص المباشر، حيث ينقل النص جملة و الله ما ادري وين موجودة جيبي لي رقم الناصرية ايش فيها موجودة قل لي شنو تريد بها كثير بس مباشرة من أعمال نيتشه أو مقولة منسوبة إليه لكنها لا تتعداه.من الصفحة 24 (أو IMG_8449.png): "نحن لا نرى الأشياء كما هي ... بل كما نحن".ان هذه الجملة، التي يقرأها جليل، هي لب الفلسفة النيتشوية ونقدها للموضوعية. وجودها في النص يحول القصة من مجرد حكاية عاطفية إلى تأمل فلسفي في كيفية رؤيتنا للعالم ولأنفسنا. جليل، وهو "كما هو"، يرى في الفتاة والعالم من حوله "ما هو عليه" ولكن أيضاً "ما يتمناه".كما ان القصة تقدك التناص مع المكان والثقافة الشعبية كالإطار الحاضن، فالنص غارق في تناص مع بيئته العراقية/العربية، مما يمنحه مصداقية وعمقاً ثقافياً.فشارع المتنبي ليس مجرد مكان، بل هو "نص" ثقافي واجتماعي له دلالاته."ما سمعه من أحد الزبائن يوما عن أن الشارع هو "جنة القراء الذين لا يملكون ثمن الكتب"`(٣٤) ان هذه العبارة، حتى وإن قيلت على سبيل المزاح، تصف واقعاً ثقافياً مهماً. شارع المتنبي هو رمز للثقافة والمعرفة المتاحة للجميع، وهو بالضبط ما يجسده التناص: معرفة متراكمة ومتاحة للتفاعل معها. دخول جليل إلى هذا الشارع هو استعارة لدخوله إلى عالم النصوص والمعرفة.كذلك فان وصف البيئة البغدادية هو ذلك الوصف الغني بالتفاصيل الحسية انما هو تناص مع "نصوص" الحياة اليومية والذاكرة الجمعية.ورائحة الندى، خاصة في هذا الوقت المبكر جدا من إحدى صباحات بغداد الشتوية.`(٢٨) كان يحب في صوتها البساطة، وفي عينها الصدق.. (٣٢)وكان يلاحظ أنها لم تنظر إليه يوما كبائع متجول على عربة متهالكة، بل كإنسان له مكانه في هذا العالم، وكرامته.` ان هذه ليست مجرد أوصاف، بل هي استدعاء لنص كامل عن كرم الإنسان البسيط وكرامته في مواجهة قسوة الحياة، وهو موضوع متكرر في الأدب العربي.ان التناص واضح كذلك بين المستوى الرفيع والمستوى البسيط وهو التيمة المركزية في القصة. هذا هو الإنجاز الأبرز للقصة. فهي تبني تناصاً مذهلاً بين عالمين متنافرين ظاهرياً:الحب (العاطفة المجردة/الفلسفة) والحمص (الحاجة المادية/الحياة اليومية)، من العنوان نفسه "حب وحمص" يبدأ بيان تناصي. يخلط بين مفهوم مجرد ونبيل (الحب) ومادة أساسية وبسيطة (الحمص). هذا الخلط هو ما يشكل صلب التناص في القصة كلها.ان جليل (بائع الحمص) يناقض نيتشه (الفيلسوف العظيم) وهذا بحد ذاته يقدم الصراع (أو التلاقي) بين هذين العالمين وهو ما يدفع الحبكة. ان محاولة جليل فهم نيتشه هي استعارة لمحاولة فهم الفتاة التي تبدو بعيدة عنه ثقافياً واجتماعياً.`"قد أكون أخطأت بالأمر، لن أستوعب هذه الكلمات ما حييت... مالي

المشـاهدات 41   تاريخ الإضافـة 31/08/2025   رقم المحتوى 66168
أضف تقييـم