
![]() |
أسرى الكراسي... انتخابات العراق بين مسرحية الوعود وانهيار الثقة |
![]() ![]() ![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
النـص : مقابل القليل من لقمة خبز، أو حفنة من الدنانير، يبدأ المشهد الانتخابي في العراق في الأزقة والأسواق، يتسلل وكلاء المرشحين حاملين أكياسا من المساعدات، أو وعودًا بتعيين قريب في وظيفة، أو بدفع إيجار بيت لشهر أو شهرين. في لحظة واحدة، يُختزل المواطن إلى ورقة اقتراع، وتُختزل حاجاته اليومية إلى بطاقة انتخابية تسلم مقابل ما يسد الرمق المشهد هنا ليس ديمقراطية حقيقية، بل مسرح استعراض يبيع الوهم ويشتري البؤس. أغلبهم يعد ويُسرع، والشعب يتعلم الصبر ويُعيد الكتابة على لوحة التاريخ. أغلبهم يدخلون ساحة الانتخابات بوجوه متكررة وخطاب صاخب. أصواتهم تعلو فوق المنصات، ووعودهم تملأ الشاشات، لكن ما أن تغلق الصناديق حتى تنطفئ تلك الأصوات ويذوب صدى الشعارات المواطن يعرف ذلك لكنه يُدرك أيضا أن الفقر لا يمنحه ترف الانتظار ؛ فيبيع صوته كمن يبيع آخر ما يملك على أمل أن ينجو يوما واحدًا إضافيا.
من الديمقراطية إلى مسرح السوق ولقمة الخبز كسلاح انتخابي
كان من المفترض أن تكون الانتخابات العراقية، منذ إقرار الدستور بعد 2003 ، أداة لإعادة تشكيل السلطة على أساس المشاركة الشعبية. لكن ما حدث هو العكس الانتخابات تحوّلت إلى سوق مفتوح، حيث تعرض الأصوات وتشترى كما تشترى البضائع. في هذا السوق، يقف المرشح كتاجر، والمواطن كزبون محتاج، والسلعة هي الوعود.اللافتات الضخمة التي تغزو الشوارع ليست أكثر من واجهة دعائية فارغة. كل صورة معلقة تحمل ذات الابتسامة المصطنعة، وذات العبارات المنمقة: "الإصلاح"، "التغيير"، "المستقبل" الأفضل". لكن خلف هذه اللافتات يقبع نظام سياسي مأزوم غارق في المحاصصة، ومرشحون أسرى لأحزابهم وتحالفاتهم أكثر مما هم مسؤولون أمام ناخبيهم.أكثر ما يفضح هشاشة العملية الانتخابية في العراق هو استغلال الجوع. آلاف العائلات تستدرج عبر مساعدات مؤقتة كيس طحين، زيت طبخ، أو مبلغ لا يكفي سوى ليومين. هذه الممارسات لا تمثل خطأ فرديا؛ إنها منظومة كاملة مبنية على تحويل الفقر إلى أداة انتخابية.أغلبهم يُدرك أن البطالة والفقر أوسع من أن تُحلّ ببرنامج انتخابي قصير، فيلجؤون إلى الحل الأسهل شراء الصوت. إنهم لا يعدون بالوظائف على المدى الطويل، بل يقدّمون وعودًا شفهية بالتعيين أو منحة طارئة يعرفون جيدا أنها لن تتحقق المواطن بدوره لا يصدقها كلها، لكنه عالق في معادلة القليل من المال الآن أفضل من لا شيء لاحقا. وهنا تقتل الديمقراطية في أصلها، لأنها تتحول إلى مقايضة آنية بدل كونها عقدًا اجتماعيًا طويل الأمد.
الشباب بين الأمل الموعود واليأس المتكرر
الشباب، وهم أكثر من نصف المجتمع العراقي، يُمثلون أكبر الخسائر في هذا المشهد. أغلبهم يستغلون هذا الحماس بإطلاق شعارات "تجديد الدماء" و "دور الشباب في بناء المستقبل"، لكن ما أن تنتهي الحملات الانتخابية حتى يُتركون على قارعة الانتظار.معدلات البطالة بينهم مرتفعة، والهجرة حلم يراود الآلاف. في كل حملة انتخابية، تُرفع وعود التعيينات والتطوير، وبناء مشاريع للشباب. لكن هذه الوعود تتبخر سريعًا. والنتيجة أن الانتخابات تحوّلت بالنسبة للشباب إلى دائرة يأس مشاركة بلا نتيجة، وصوت لا قيمة له، ومشاركة تستهلك طاقتهم بدل أن تفتح أمامهم أفقًا جديدًا. وفق الإحصائيات الحديثة، بلغ معدل البطالة العام في العراق 15.5 % لعام 2024، بينما بين الشباب 15 -24 عاما وصل إلى 32.09 ، ويمثل الخريجون حديثو التخرج نسبة 80% من العاطلين عن العمل. هذه الأرقام تؤكد أن الانتخابات تستغل من قبل أغلب المرشحين لاستغلال هذه الحاجة الملحة، وتحويلها إلى سلعة انتخابية
أسرى الكراسي قبل أسرى البرامج
أغلب المرشحين في العراق ليسوا أسرى برامج إصلاحية، بل أسرى كراسيهم. كل همهم أن يحتفظوا بالمقعد النيابي أو يحصلوا عليه للمرة الأولى. لذلك، يبذل المال بلا حساب في الحملات، وتطلق وعود بلا سقف وتشعل خطابات الكراهية والتفرقة فقط من أجل كسب أصوات إضافية.المقعد هنا لا يعني خدمة الناس، بل يعني حصة في السلطة، وامتيازات شخصية، ومكانا ضمن منظومة تقاسم النفوذ. ولذلك، ما أن ينتخب النائب حتى ينغمس في صراعات تحالفاته الحزبية والطائفية، تاركا المواطن الذي صوت له في مواجهة الأزمات وحده.
مسرحية الوعود الكبرى
لا يخلو خطاب انتخابي من مفردات مثل "محاربة الفساد" و "بناء دولة المؤسسات". لكن المواطن العراقي جرب هذه العبارات مرارًا حتى تحولت إلى مسرحية يعرف فصولها مسبقًا. فالمفسدون أنفسهم يرفعون شعار محاربة الفساد، والذين يخربون مؤسسات الدولة هم أول من يتحدث عن إصلاحها. وحسب مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، حصل العراق على 26 / 100 نقطة، في المرتبة 140 من بين 180 دولة، مما يعكس استمرار ارتفاع مستوى الفساد رغم الحملات الانتخابية التي تعد بمحاربته. الناس تدرك هذه المفارقة جيدًا، لكنهم يقفون عاجزين أمامها بين خيار مقاطعة الانتخابات، أو المشاركة على أمل ضعيف بتغيير جزئي. وفي كلا الحالتين، تبقى النتيجة متشابهة نفس الوجوه، نفس الخطاب، نفس الأزمات.
انهيار الثقة
الثقة هي العمود الفقري لأي عملية ديمقراطية. لكن في العراق، هذه الثقة تأكلت جيلا بعد جيل. المواطن يشعر أن صوته لا يغير شيئًا، وأن الوعود ليست إلا مسرحية انتخابية، وأن أي محاولة للإصلاح سرعان ما تصطدم بجدار المحاصصة الطائفية والسياسية. انهيار الثقة هذا أخطر من أي فساد مالي أو إداري. لأنه يهدد بقاء العملية الديمقراطية نفسها. فما جدوى انتخابات يشارك فيها الناس دون أن يؤمنوا بجدواها؟ وما قيمة صندوق اقتراع إذا كان نتيجته إعادة تدوير نفس الطبقة السياسية التي يرفضها الشارع؟
لماذا يستمر هذا النمط؟
ثلاثة أسباب رئيسية تغذي هذا النمط:شبكات المصالح المتجذرة النظام السياسي بعد 2003 بني على المحاصصة، ما يجعل أي تغيير حقيقي في قواعد اللعبة شبه مستحيل دون إصلاح جذري.ضعف المحاسبة والرقابة: لا توجد آليات قوية تلزم المرشحين ببرامج واضحة أو تحاسبهم على وعودهم بعد الانتخابات.الفقر والبطالة طالما بقي المواطن محتاجًا، سيبقى صوته عُرضة للبيع، وستبقى الانتخابات سوقا تباع فيه الوعود.
الطريق نحو أمل جديد
رغم كل هذا المشهد القائم، يبقى السؤال: هل يمكن أن تتحول الانتخابات في العراق إلى أداة إصلاح حقيقية؟ الجواب ليس مستحيلا. هناك ثلاثة مسارات يمكن أن تعيد الأمل تمكين الشباب ببرامج عملية ليس بالوعود الشفهية، بل بمشاريع حقيقية للتوظيف والتدريب، تقودها كفاءات مستقلة. الشفافية الكاملة: إعلان مصادر تمويل الحملات، ومراقبة الإنفاق، وكشف أي محاولة لشراء الأصوات. إحياء دور المجتمع المدني والإعلام الرقابة الشعبية والإعلامية يمكن أن تضغط على المرشحين للالتزام ببرامجهم بدل الاكتفاء بالوعود الفارغة المال يشتري لحظة، والضمير يشتري أجيال المستقبل.الانتخابات في العراق اليوم هي مرآة لأزمة أعمق أزمة نظام سياسي غارق في المحاصصة، وأزمة مجتمع يستنزف بالفقر والوعود. أغلبهم لا يريدون إصلاحًا، أغلبهم أسرى للكراسي، أغلبهم تجار كلام. وبينما تنطفئ أضواء الحملات الانتخابية، يبقى الشعب مثقلاً بواقعه، وتبقى الثقة مهددة بالانهيار.لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب، مهما طال صبرها، لا تبقى رهينة للأبد. وربما يكون مستقبل العراق مرهونا بقدرة جيل جديد على كسر هذه الحلقة، وإعادة الانتخابات إلى معناها الأصلي: عقد اجتماعي من أجل الناس، لا مسرحية وعود من أجل الكراسي |
المشـاهدات 40 تاريخ الإضافـة 31/08/2025 رقم المحتوى 66173 |

![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |