الخميس 2026/2/26 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 22.95 مئويـة
نيوز بار
جغرافيا العطش
جغرافيا العطش
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د.لمياء موسي
النـص :

 

 

 

تحية طيبة إلى قرائي الأعزاء،تُعدّ قضية المياه من أكثر القضايا أهميةً وحساسيةً على مستوى العلاقات الدولية، لما تمثّله من عنصرٍ حيوي في ديمومة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول. فلم تعد المياه مجرّد متغيّر اقتصادي أو تنموي، بل أصبحت قضية أمنٍ وطني من الدرجة الأولى، إذ بات الأمن المائي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الإقليمي والدولي، لما في شحّ المياه من خطرٍ يفوق فتكَ أشدّ أنواع الأسلحة تدميرًا.ومن هذا المنطلق، تلعب المياه دورًا بارزًا في توطيد أو تعكير صفو العلاقات بين الدول، فارتفاع معدلات الاستهلاك البشري منحها أهميةً مضاعفة في رسم مستقبل الشعوب. وقد زاد الوضع تعقيدًا بفعل التغيرات المناخية والاحتباس الحراري واتساع رقعة التصحر والجفاف، حتى بات الخبراء يتخوّفون من أن تكون الحرب القادمة حربًا على الماء، لا على الحدود أو الثروات.لذلك تُعدّ مسألة المياه بين الدول المتشاطئة من أهم القضايا التي اهتم بها القانون الدولي، لما تثيره من خصوصية في العلاقات بين تلك الدول، إذ تمر الأنهار الدولية عبر أراضٍ متعددة، مما يستدعي تنظيمًا دقيقًا يضمن حقوق الجميع. وغالبًا ما يؤدي غياب الاتفاقيات الواضحة إلى نشوء نزاعات سياسية وربما عسكرية، خصوصًا عندما لا توجد تفاهمات محددة لتقاسم الحصص المائية بشكلٍ عادل.في الماضي، لم تكن هناك مشكلات تُذكر بشأن مياه نهري دجلة والفرات، إذ كان النهران يقعان بالكامل ضمن السيادة العثمانية، وذلك قبل الحرب العالمية الأولى. لكن بعد تفكك الكيان العثماني وقيام دول جديدة، تغيّر المشهد الجغرافي والسياسي، فأصبحت تركيا تملك المجرى الأعلى للنهرين، بينما تمتلك سوريا المجرى الأوسط، في حين يقع المجرى الأدنى ضمن الأراضي العراقية.لقد تجاهلت تركيا القواعد التي نظّمت استخدام المياه في نهري دجلة والفرات، إذ أعطت الأولوية لمشاريعها المائية على حساب الحقوق المكتسبة والتاريخية لكلٍّ من دول الحوض الأخرى، مستغلّة موقعها الجغرافي والاستراتيجي. وبذلك خالفت أحكام معاهدة لوزان التي أرست المبادئ الأساسية لحماية حقوق ومصالح الدول المشتركة في الأنهار الدولية.ويتمحور الخلاف العربي – التركي حول نهري دجلة والفرات في هذا السياق، إذ تسعى تركيا، من خلال إقامة مشاريع ضخمة بشراكات دولية وسدود مائية عملاقة، إلى تحقيق أهداف سياسية واقتصادية متعدّدة. وقد أدّت هذه المشاريع إلى حجز كميات كبيرة من مياه النهرين، واستغلالها في توليد الطاقة الكهربائية وتوسيع رقعة الزراعة بهدف تصدير الفائض منها، مما أثّر على حصص ونوعية المياه القادمة إلى العراق وسوريا.ويرى الجانب التركي أنّ نهري دجلة والفرات ليسا نهرين دوليين، بل “مياه عابرة للحدود”، ويرفض الاعتراف بمبدأ تخصيص الحصص المائية لدول الحوض الأخرى. كما يصر على أن تُركّز المباحثات على مفهوم “الاستخدام المنصف والمعقول” للمياه، لكنه يفسره بما يخدم سيادته المطلقة على موارده المائية ضمن أراضيه. وبهذا الموقف، يبيح لنفسه حرية التصرف الكاملة دون مراعاة لحقوق العراق وسوريا، متجاهلًا احتجاجاتهما المتكرّرة بشأن الآثار السلبية لمشاريعه المائية عليهما.وعلى هذا الأساس، تواصل تركيا التهرّب من إبرام اتفاق دولي ملزم يضع قواعد قانونية واضحة لتقاسم مياه النهرين وفق مبدأ العدالة والإنصاف الذي أقرّه القانون الدولي والمعاهدات الدولية.وقد بدأت بسياساتها المائية على نهري دجلة والفرات بشكلٍ أحادي، دون تنسيقٍ إقليمي، مما أدى إلى نزاعات سياسية ودبلوماسية متكرّرة خلال العقود الأخيرة، خلّفت آثارًا واسعة على الأوضاع الاقتصادية في سوريا، وبالأخص في العراق، الذي يُعدّ الأكثر تضررًا بوصفه دولة المصب، إذ يجري الجزء الأكبر من مجرى النهرين داخل أراضيه.لقد أدّت هذه السياسات إلى انخفاض منسوب مياه دجلة والفرات بشكلٍ ملحوظ، وتراجع نوعية المياه الواصلة إلى كلٍّ من سوريا والعراق، مما تسبب بخسائر اقتصادية فادحة وتدهورٍ واضح في القطاع الزراعي والأراضي الخصبة. كما انعكست هذه الأوضاع سلبًا على البيئة، فظهرت ظاهرة التصحّر واتسعت الكثبان الرملية، وتراجع الغطاء النباتي، وانكمشت المسطحات المائية، إلى جانب نقصٍ حاد في الطاقة الكهرومائية وتدنٍ في إنتاجية الأراضي الزراعية.ولم تتوقف الآثار عند هذا الحد، بل شملت أيضًا انخفاض الثروة السمكية بسبب تدهور نوعية المياه، وهجرةً واسعة من الأرياف بعد أن فقدت قدرتها على الإنتاج، مما أدى إلى القضاء على التنوع البيولوجي وارتفاع نسبة الملوحة في المجاري السفلية للنهرين، لاسيّما في العراق. وقد بلغت الأزمة ذروتها في المناطق الجنوبية والوسطى، حيث انعدمت المياه الصالحة للشرب في كثيرٍ من المناطق، الأمر الذي يهدد الأمن المائي والبيئي والغذائي للعراق بأسره.وفي ظل تحذيرات المنظمات الدولية من أزمة مائية عالمية محتملة، تصبح إدارة الموارد المائية أكثر إلحاحًا وتعقيدًا، تحديدًا أن معظم المشاريع القائمة على النهرين ذات طبيعة تنافسية وليست تكاملية، مما يزيد من فرص النزاع على المياه.من هنا، يبرز الدور الحاسم لصانع القرار العراقي، باعتباره الأكثر تضررًا، في السعي نحو اتفاق عادل ومتوازن مع تركيا يضمن حق العراق في حصصٍ مائية عادلة تعتمد على المبادئ الدولية في حسن الجوار واحترام الحقوق التاريخية. كما يتطلب ذلك إشرافًا دوليًا لتحديد الوارد السنوي للنهرين وتوزيع الموارد بشكلٍ منصف، بما يضمن استدامة المشاريع المائية وتحقيق التنمية الاقتصادية، ويعزز الاستقرار الداخلي لجميع الدول المطلة على النهرين.وعلى الرغم من التطورات المهمة في ملف التعاون المائي مؤخرًا بين تركيا والعراق خلال عام ٢٠٢٥، والتي شملت اتفاقًا لزيادة تدفقات نهري دجلة والفرات، ومباحثاتٍ ثلاثية بين العراق وسوريا وتركيا لإدارة مياه الفرات، إلا أن التحديات الكبيرة ما زالت قائمة. فغياب الاتفاقيات الدولية الملزمة التي تنظم توزيع المياه، وعدم الاعتراف بدولية النهرين، يجعل المنطقة عرضةً لضغوط بيئية واقتصادية متزايدة نتيجة تغيّر المناخ وتراجع الموارد المائية. لذا، يتطلب الوضع تنسيقًا سياسيًا مستمرًا واتفاقياتٍ دولية تحت إشراف الأمم المتحدة لضمان إدارة عادلة ومستدامة لهذه الموارد الحيوية.وفي أسوأ السيناريوهات، إذا استمر الجانب التركي في موقفه الأحادي تجاه نهري دجلة والفرات ورفض الاعتراف بالحقوق التاريخية للدول المتشاطئة، يصبح اللجوء إلى القانون الدولي والمحافل العالمية ضرورةً حتمية، لا سيّما محكمة العدل الدولية، وتفعيل دور الأمم المتحدة والمنظمات العالمية لإرساء قواعد ملزمة لإدارة الموارد المائية المشتركة. فترك ملف المياه مفتوحًا بلا اتفاقياتٍ قانونية ملزمة لجميع الأطراف يهدد الاقتصاد العراقي، ويزيد احتمالات النزاع الإقليمي، والحل يكمن في فرض التوازن المائي عبر آلياتٍ دولية ملزمة تضمن حقوق جميع الدول ومصالح الشعوب وتحافظ على استقرار المنطقة، تجنّبًا لصراعاتٍ إقليمية مستقبلية لا تُحمد عقباها.

 

ولأنَّ الحكمةَ نورٌ، والعدلَ سلامٌ، والتعاونَ أملٌ،

 

يظلُّ دجلةُ والفراتُ نبضَ الأرضِ وحكايةَ الخلود،

 

عهدَ بقاءٍ ورمزًا للحياة.

 

على ضفافِهما تنامُ ذكرياتُ الأجداد،

 

ومن مياههِما تُنسَجُ وعودُ المستقبل،

 

وبهما قامت أعظمُ الحضارات،

 

فلا نجعلْ منهما مجرىً للدم،

 

ولا نحوّل رمزيّتهما إلى حربٍ وموتٍ،

 

بل ليبقيا كما كانا رمزًا للسلام.

المشـاهدات 2074   تاريخ الإضافـة 02/11/2025   رقم المحتوى 67923
أضف تقييـم