الأحد 2025/11/30 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 14.95 مئويـة
نيوز بار
بين كورمور ومبعوث ترامب.. رسائل النار والسياسة في لحظة عراقية حرجة
بين كورمور ومبعوث ترامب.. رسائل النار والسياسة في لحظة عراقية حرجة
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب نوري حمدان
النـص :

 

 

 

في لحظة عراقية بالغة الحساسية، تتقاطع مسارات السياسة والأمن والطاقة بطريقة تكشف هشاشة التوازنات الراهنة، وتعيد طرح الأسئلة حول مستقبل السلطة وموقع العراق في صراع النفوذ الإقليمي والدولي. فالهجوم الذي استهدف حقل كورمور للغاز في السليمانية لا يمكن قراءته كحادثة معزولة، بل باعتباره حلقة جديدة في سلسلة الضربات التي باتت جزءاً من لغة الاتصال بين أطراف داخلية وخارجية، تحاول كل منها تثبيت موقعها في لعبة الحكم التي تُعاد صياغتها على وقع المفاوضات الجارية لتشكيل الحكومة الجديدة. وفي الوقت الذي يستعد فيه العراق لإعادة ترتيب بيته السياسي، تأتي هذه الضربة لتذكّر الجميع بأن السلطة في العراق لا تُكتب في غرف التفاوض وحدها، بل تُخطّ أيضاً بالنيران والطائرات المسيّرة واستهداف البنى الحيوية التي ترسم حدود النفوذ.منذ لحظة الإعلان عن الهجوم، بدا أن الأمر يتجاوز كونه استهدافاً لموقع إنتاج غاز. فالتوقيت وحده كفيل بإثارة أسئلة تتجاوز الميدان المحلي. ففي أربيل، يتعزز الحضور الأميركي دبلوماسياً وأمنياً، إذ يُنتظر افتتاح القنصلية الأميركية الجديدة خلال أيام، بالتوازي مع زيارات لمسؤولين أميركيين رفيعي المستوى، منهم نائب وزير الخارجية، ومع الإعلان عن دخول مبعوث من إدارة ترامب على خط المتابعة السياسية في ملف العراق. إن تزامن هذه التحركات مع هجوم يستهدف واحدة من أهم البنى التحتية للطاقة في الإقليم لا يمكن أن يكون محض صدفة، خصوصاً في ظل مناخ إقليمي يتسم بارتفاع منسوب الرسائل المتبادلة بين واشنطن وطهران، سواء عبر الساحة العراقية أو عبر ساحات موازية.إن قراءة الصحافة الدولية، من ذا ناشيونال إلى نيويورك تايمز، تشير بوضوح إلى هذا الربط. فالهجوم، كما تقول هذه المصادر، يأتي وسط تزاحم القوى السياسية في بغداد وأربيل على النفوذ خلال محادثات تشكيل الحكومة، وبالتزامن مع نقاشات حساسة بين واشنطن وبغداد حول الاستثمارات في قطاع الطاقة، وما يرافقها من تحركات أميركية لتثبيت حضورها في إقليم كردستان. وعلى الجانب الآخر، ترى تقارير الصحافة الأميركية أن إيران، التي تعرضت هذا العام لسلسلة ضربات استهدفت مواقع حساسة في عمقها، قد تلجأ إلى أدواتها الإقليمية لتوجيه رسائل ردع غير مباشرة، تؤكد من خلالها أنها ما تزال قادرة على المسّ بالمصالح الأميركية وحلفائها حين تشاء.في مقابل ذلك، يقف العراق في قلب هذه الرسائل المتبادلة. فالهجوم الأخير يعيد طرح سؤال جوهري: هل يستقر العراق يوماً على توازن داخلي يسمح له بأن يكون طرفاً مستقلاً في المعادلات، أم أن ساحته ستظل مفتوحة لتحمل صدمات صراع الآخرين؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل بات يمسّ كل تفصيل في الحياة السياسية والاقتصادية، بدءاً من مسار تشكيل الحكومة، وصولاً إلى مستقبل قطاع الطاقة الذي تحوّل إلى أحد أعمدة الصراع على النفوذ بين القوى المحلية والإقليمية.وإذا كان حقل كورمور يشكّل اليوم هدفاً مركزياً، فذلك لأنه يرمز إلى معادلة جديدة في قطاع الطاقة في الإقليم والعراق عموماً. فهو ليس مجرد حقل، بل مشروع استراتيجي يتداخل فيه الاستثمار الإقليمي والدولي، وتراهن عليه أربيل لتعزيز استقلاليتها الاقتصادية عبر تطوير صناعة الغاز. هذا المشروع، بما يحمله من قدرة على خلق موازين جديدة في ملف الطاقة، يجعل منه ورقة ضغط قابلة للاستخدام في أي لحظة يرغب فيها طرف ما بخلط الأوراق، سواء تجاه الإقليم نفسه أو تجاه الولايات المتحدة أو حتى تجاه بغداد.وفي ظل هذا المشهد، تتعامل أربيل مع الهجوم على أكثر من مستوى. فهي من جهة تراه اعتداءً على البنى التحتية المدنية وعلى أمن الإقليم، ومن جهة ثانية تراه رسالة سياسية تستهدف استقرار بيئة الاستثمار التي تبني عليها مشاريعها المستقبلية. ومن جهة ثالثة، تفهمه باعتباره رسالة موازية للوجود الأميركي، في توقيت يرتفع فيه مستوى الارتباط بين كردستان والسياسة الأميركية. هذا الربط يزيد من حدة القلق الكردي، إذ يدرك الإقليم أنه كلما تعاظم الحضور الأميركي في أربيل، تعاظمت معه احتمالات تحوّل الإقليم إلى ساحة لتبادل الرسائل بين واشنطن وطهران.لكن الصورة لا تكتمل من دون النظر إلى بغداد، التي تجد نفسها في قلب معادلات شديدة التعقيد. فالهجوم يأتي في لحظة سياسية يتصارع فيها الفرقاء على خارطة السلطة في الحكومة الجديدة، بينما تتعرض ملفات حساسة - من إدارة الموارد إلى العلاقة مع الإقليم - لاختبارات مستمرة. منذ إعلان الهجوم، سارع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى عقد اجتماع أمني طارئ، وتشكيل لجنة تحقيقية عليا بمشاركة وزارة الداخلية وجهاز المخابرات والحكومة الكردستانية، وبإسناد من التحالف الدولي. ورغم أن هذا التحرك الرسمي يعكس حرصاً واضحاً على ضبط تداعيات الهجوم، فإنّ تشكيل لجنة لا يكفي وحده لتبديد الشكوك بشأن ما إذا كان العراق قادراً بالفعل على فرض سيطرة أمنية كاملة على كل المناطق التي تشهد مثل هذه الحوادث.الحكومة، التي أكدت أن الهجوم يقف وراءه "جهات إرهابية تسعى لزعزعة استقرار البلاد"، مطالبة اليوم بأن تقدم أكثر من بيان إدانة. فهي مقبلة على مرحلة تحتاج فيها إلى رسائل مضاعفة للمجتمع الدولي ولشركائها في الداخل، تثبت أنها قادرة على حماية الاستثمار، وعلى فرض هيبة الدولة، وعلى منع استخدام الطائرات المسيّرة خارج سيطرة القوات الرسمية. وهذه الرسائل ليست ترفاً سياسياً في ظل ملف تشكيل الحكومة، بل ضرورة لطمأنة القوى التي تتفاوض معها ولضمان استمرار الدعم الدولي لبرامجها الاقتصادية.من زاوية أخرى، يلقي الهجوم بظلاله الثقيلة على البيئة الاستثمارية في الإقليم، لا سيما في قطاع الطاقة الذي يعتمد على شبكة معقدة من العلاقات مع الشركات الأجنبية. فاستهداف البنى التحتية المدنية بهذا الشكل يرسل إشارة مقلقة للمستثمرين، مفادها أن مشاريعهم قد تصبح جزءاً من لعبة النفوذ، وأن المخاطر السياسية والأمنية لا تزال أعلى مما ينبغي في منطقة تسعى لأن تكون محوراً لمشاريع إقليمية للطاقة. وهذا ما يفسّر ردود الفعل الدولية السريعة، بدءاً من الإدانة التركية التي ربطت الهجوم بمخاطر تهدد استقرار العراق، وصولاً إلى إدانة بعثة الأمم المتحدة التي حذّرت من أن الاعتداء يمسّ النظام الفيدرالي نفسه، باعتبار أن البنى التحتية الاقتصادية تمثل دعامة أساسية لهذا النظام.أما الولايات المتحدة، التي تنظر إلى كورمور باعتباره موقعاً من مواقع استثماراتها الحيوية في الإقليم، فقد ذهبت أبعد من الإدانة، مطالبة بغداد بالتحرك العاجل لمحاسبة منفذي الهجوم، ومشيرة إلى أن هذه الضربات جزء من "سلسلة محاولات خبيثة لزعزعة استقرار العراق واستهداف الاستثمارات الأميركية". هذا الخطاب الأميركي يعكس قلقاً أعمق من الهجوم ذاته: فواشنطن ترى في أي خلل في أمن أربيل تهديداً مباشراً لبنيتها الدبلوماسية الجديدة، ولاستراتيجيتها في الحفاظ على نفوذها في العراق مقابل النفوذ الإيراني الآخذ بالتمدد.على أن السؤال الأهم يظل كيف يمكن للعراق، وبخاصة إقليم كردستان، أن يدير هذه الضغوط المتقابلة دون أن يتحول إلى ساحة صراع مفتوحة؟ الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ بإدراك أن الاستقطاب الحالي بين واشنطن وطهران يخلق هامشاً ضيقاً للمناورة. فالإقليم، الذي يستفيد من الشراكات الدولية، لا يستطيع أن يتحول إلى منصة لرسائل أحد الطرفين، وفي الوقت نفسه لا يستطيع أن يتخلى عن علاقاته مع الولايات المتحدة التي تدعم استقراره الأمني والسياسي. هذا التوازن الدقيق يجعل من كل خطوة محسوبة بدقة: كيف يضمن الإقليم أمنه من دون استفزاز أي طرف؟ كيف يعزز بنيته التحتية من دون أن تصبح هدفاً؟ وكيف يحافظ على استقلالية قراره الاقتصادي من دون أن يُتهم بأنه جزء من مسار سياسي خارجي؟هذه الأسئلة تتضاعف حدّتها على خلفية تشكيل الحكومة الجديدة، التي يبدو أنها ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة القوى السياسية على تجاوز لعبة النفوذ والسلاح. فالهجوم على كورمور، بقدر ما هو رسالة أمنية، هو أيضاً رسالة سياسية تقول إنّ أي تغيير في موازين القوى سيُقابل بمحاولات لإعادة ضبط الإيقاع. وفي هذا السياق، يُقرأ الهجوم كضغط على القوى المتصارعة على حقائب النفط والطاقة والأمن، وكورقة تهديد مبطنة تقول لأربيل إن استقلالية قرارها في ملف الغاز ليست منفصلة عن توازنات بغداد.وفي المقابل، تدرك بغداد أن أي استهداف متكرر للبنى التحتية في الإقليم ينعكس عليها قبل غيرها، سواء في تعثر مشاريع الطاقة الوطنية أو في تراجع الثقة الدولية بقدرتها على فرض الاستقرار. وهذا ما يدفع الحكومة إلى محاولة الجمع بين حماية أمن الإقليم وتعزيز شراكتها معه في ملفات الغاز والنفط. لكنها، في الوقت ذاته، لا تستطيع تجاهل الهواجس التي تثيرها بعض القوى التي ترى في استقلالية أربيل تهديداً لتوازنات الحكم في بغداد. وهنا تصبح معادلة الأمن والسياسة متشابكة بطريقة لا يمكن فكّها بسهولة.في المحصلة، يمكن القول إن الهجوم على كورمور ليس مجرد حادثة أمنية، بل علامة كاشفة على لحظة عراقية تعاد فيها كتابة معادلات السلطة والنفوذ. فبين تعزيز الحضور الأميركي، ورسائل إيران غير المباشرة، وصراع القوى في بغداد، وهواجس أربيل، وتردد البيئة الإقليمية، يقف العراق عند مفترق طرق جديد. والملفت أن الغاز الذي يفترض أن يكون وقوداً للتنمية، تحول إلى وقود سياسي، تُنقش عبره رسائل الردع والضغط والتفاوض.هذا المشهد، بكل تداخلاته، يعيد طرح السؤال الأخطر: هل يستطيع العراق في هذه المرحلة أن يتحرر من كونه ساحة لتصفية الحسابات، وأن يتحول إلى طرف فاعل يرسم معادلاته بنفسه؟ الإجابة رهن بما ستفضي إليه محادثات تشكيل الحكومة، وبقدرة القوى السياسية على تجاوز منطق المساومات الضيقة، وبقدرة الدولة على فرض سيادتها الأمنية، وبمدى استعداد الإقليم لتطوير آليات حماية قطاع الطاقة بما يكفل استمرارية المشاريع ويمنع تحويلها إلى أهداف في لعبة النفوذ.قد يبدو الطريق طويلاً، لكن ما هو أكثر وضوحاً أن الاستقرار في العراق اليوم مرهون بقدرة الأطراف على إدراك أن استمرار الصراع على هذا النحو يضع الجميع في قلب العاصفة. فالهجمات التي تستهدف خطوط الطاقة ليست مجرد ضربة لمنشأة، بل ضربة لثقة مجتمع بأكمله، ولصورة دولة تحاول أن تقف من جديد على قدميها. وإذا كانت مرحلة تشكيل الحكومة فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، فإن أول ما يحتاج إليه العراق هو إدراك حجم الأخطار التي تحيط به، وأن يضع مصلحة الدولة فوق مصلحة الأطراف، وأن يعيد رسم علاقة متوازنة بين بغداد وأربيل، وبين العراق وجيرانه، بشكل يضمن أن تكون موارد البلاد جسراً للتنمية لا ساحة لتصفية الحسابات.

المشـاهدات 12   تاريخ الإضافـة 30/11/2025   رقم المحتوى 68556
أضف تقييـم