اعقلوها وتوكلوا
![]() |
| اعقلوها وتوكلوا |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب كتب رياض الفرطوسي |
| النـص : في كل مرة يُطرح فيها ملف اختيار رئيسٍ للحكومة، لا يُتعامل معه بوصفه استحقاقاً دستورياً طبيعياً، بل كاختبار سياسي شاق، تتداخل فيه الحسابات والرهانات أكثر مما تحكمه القواعد. مشهدٌ يشبه السير في حقل ألغام معلوم المعالم؛ الجميع يدرك خطورته، والجميع يتحاشى السؤال الجوهري: كيف زُرعت هذه الألغام أصلًا، ولماذا ما زال القرار الوطني يُدار داخل مسارها؟
المشكلة، في جوهرها، ليست في الشخص، بل في الطريقة. ليست في الاسم، بل في المنظومة التي تنتج الأسماء كما تنتج الأعذار. منظومة اعتادت أن تختصر الدولة في صفقة، والقرار في تسوية مؤقتة، والسيادة في بيان مموّه بلغة وطنية أنيقة.
اختيار رئيس الوزراء داخل الإطار الحاكم ليس فعلاً سيادياً خالصاً، بل هو نتاج توازنات هشة، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية مع ضغوط الخارج، ويجري فيها تدوير الزوايا لا تفكيك العقد. كل مرة يُقال إن “الإسراع” ضرورة، وكأن الزمن هو العدو، بينما العدو الحقيقي هو التراكم: تراكم الأخطاء، وتراكم الخيبات، وتراكم الوهم بأن إعادة إنتاج التجربة نفسها قد تقود إلى نتيجة مختلفة.
في بلد تُدار فيه السياسة عبر توازنات دقيقة وحسّاسة، يمكن لتفصيل صغير أن يتضخّم سريعاً إلى أزمة وطنية. كلمة غير محسوبة، إشارة غامضة، تسريب متعجّل، أو مصادفة قاسية، كفيلة بأن تقلب المشهد رأساً على عقب. عندها يغدو اختيار رئيس الحكومة أشبه بمحاولة تهدئة بحرٍ هائج بملعقة؛ لا لأن البحر عصيّ على الهدوء، بل لأن الأداة لا تناسب حجم الموج.
المنظومة السياسية تعيش اليوم شكلًا مختلفاً من الصراع. لم يعد التوتر محصورًا في علاقتها مع الشارع كما في السابق، بل انتقل إلى داخل بنيتها نفسها، إلى مركز القرار. هو صراع مواقع أكثر مما هو اختلاف رؤى، تنافس على ترتيب الجلوس لا على اتجاه المسار. وهذا النوع من الصراعات، مهما بدا إدارياً أو تقنياً، يحمل في طياته عوامل إنهاك عميق، لأنه يكشف هشاشة البنية أمام ذاتها قبل أن يواجهها الآخرون.
تمرّ الأنظمة السياسية أحياناً بمراحل اختبار معقّدة، لا تُقاس بحدّة الأزمات وحدها، بل بقدرتها على الاستجابة السريعة والمتوازنة. التأخير في القرار، أو تعدد المرجعيات، قد يفتح المجال لتدخلات مسانِدة من الخارج. غير أن تحويل هذا الدور إلى ركيزة دائمة للاستقرار يفرض مراجعة عميقة، حفاظاً على القرار الوطني من أن يصبح مرهونًا بحسابات لا تتطابق دائماً مع الأولويات الداخلية.
في هذا السياق، يغدو اختيار رئيس الوزراء إجراءً لإدارة المرحلة أكثر من كونه مدخلًا لإعادة صياغة مشروع الدولة. غالباً ما يتقدّم معيار القبول العام على معيار القدرة الفعلية، ويُفضَّل الانسجام مع التوازنات القائمة على الاستقلال في القرار. والنتيجة أن رئيس الحكومة يبدأ ولايته محاطاً بشبكة اعتبارات معقّدة، مطالباً بمعالجة تحديات كبيرة ضمن هوامش ضيّقة لم يكن له دور في رسمها.
المأزق الأعمق أن هذه الحقائق ليست خافية على أحد، ومع ذلك يجري التعامل معها وكأنها خارج مجال الرؤية. أشبه بمن يلمح الخطر مقبلًا، ثم يطمئن نفسه بعلامات ظاهرية لا تغيّر من جوهر الأشياء. فالإشكال لا يكمن في طبيعة الخطر وحده، بل في الاستعداد الدائم لتصديقه حين يأتي مغلّفًا بخطاب مطمئن.
ما يحتاجه العراق اليوم ليس اسماً جديداً، بل منطقاً جديداً. ليس تبديل الوجوه، بل إعادة تعريف اللعبة. اختيار رئيس الوزراء يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني واضح: ما هي الدولة التي نريدها؟ ما حدود القرار الوطني؟ ما شكل العلاقة مع الخارج؟ ما معنى السلطة، وما وظيفتها؟ من دون هذا، سيبقى كل اختيار مجرد تأجيل للأزمة، لا حلًا لها.
اعقلوها وتوكلوا” ليست دعوة إلى التسليم، بل نداءٌ للعقل قبل كل شيء. أن يُربط القرار بعقال الوعي أولًا، ثم يُترك توكله لنتائج فعلٍ محسوب، لا لمصادفات أو رهانات قصيرة الأجل. فالدولة لا تُدار بالحظ، ولا تُبنى بالنوايا، ولا تستقيم بالشعارات وحدها، بل بحاجة إلى آليات واضحة، ومعايير شفافة، ومسارات مؤسسية قادرة على حسم المعضلات المتراكمة، وفي مقدمتها اختيار رئيس الحكومة، بوصفه قراراً تأسيسياً لا إجراءً مرحلياً.
القارئ يعرف هذا. وصانع القرار يعرفه أيضاً. الفارق الوحيد أن القارئ لا يملك إلا الوعي، بينما يملك صانع القرار فرصة نادرة: أن يختار بين إعادة تدوير الأزمة، أو كسر الدائرة. والتاريخ، كعادته، لن يرحم من اختار الطريق الأسهل، ثم اشتكى من الوصول إلى الهاوية. |
| المشـاهدات 71 تاريخ الإضافـة 31/12/2025 رقم المحتوى 69482 |
توقيـت بغداد




