الخميس 2026/1/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 5.95 مئويـة
نيوز بار
دهليز الوهم : تشريح ثقافة الصورة والفقد في قصيدة "دهليز ضحكة عميقة" للشاعرة والقاصة التونسية هدى الهرمي
دهليز الوهم : تشريح ثقافة الصورة والفقد في قصيدة "دهليز ضحكة عميقة" للشاعرة والقاصة التونسية هدى الهرمي
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

مراد اللحياني

شاعر وناقد

     تشتبك قصيدة "دهليز ضحكة عميقة" للشاعرة هدى الهرمي، في نصّها المتعدّد الطبقات واللامع في تشكيله البصري، مع المفهوم الوجودي للزمن المتحول إلى كائن مادي قابل للتفسخ، ومع معمار الذاكرة الجماعية الحديثة التي تتحول إلى أرشيف بصري معلق في فضاءات الاستهلاك المعاصر. لا يقتصر الأمر هنا على وصف مكاني لمطعم أنيق، بل نحن أمام عملية تشريح شعري لوهم ثقافي كامل، حيث يُختزل تاريخ من الأحلام والأضواء والنجومية إلى صور ثابتة على جدران مكان يقدم الطعام والشراب. المطعم هنا هو القناع الذي تختبئ خلفه مقبرة للأيقونات، وهو المسرح الذي تُعرض عليه مآسي الشخصية العامة في عصر ما بعد الحداثة، حيث يذوب الفاصل بين الواقع والتمثيل، بين الأصلي والنسخة، بين المشاعر الحقيقية والأداء المعد سلفاً.

تبدأ القصيدة بفعل حركي دال: "يندسّ وسط المصابيح والشجر"، وكأن المكان كائن حيّ خفي، أو وحش رقيق، يتسلل إلى الوجود بين عناصر الطبيعة (الشجر) والصناعة البشرية (المصابيح). هذا الاندساس يوحي بأن الفضاء الذي نتحدث عنه ليس بريئاً، بل له أجندة خفية، إنه ينصب نفسه كفخ جمالي. وهذا الاندساس يؤدي مباشرة إلى الظاهرة المركزية: "على جدرانه يتفسّخ الوقت". الزمن هنا ليس يمر، بل يتفسخ، يتحلل عضويًا، كجثة على الحائط. هذه الصورة القوية تضعنا أمام فكرة أن هذا المكان ليس لحفظ الذكرى، بل هو لعرض عملية تحلل الذاكرة نفسها. إنه متحف للعفن الزمني الذي يغطي وجوهاً كانت يومًا رموزًا للخلود السينمائي.

ثم تأتي اللائحة المختارة بعناية: ألفيس بريسلي، مارلين مونرو، ألباتشينو. إنها ليست مصادفة. إنهم يمثلون لحظات مختلفة من أسطورة هوليوود: ملك الروك أند رول، إلهة الجمال والموت المأساوي، وممثل الموهبة القاتمة والعمق الدرامي. لكنهم في هذا السياق يفقدون فرديتهم ويتحولون إلى كتل دلالية مشتركة: "كمن سقط فوق شاشة ضخمة". الصورة هنا مذهلة؛ فالسقوط فعل مفاجئ وعنيف، لكن سقوطهم على الشاشة الضخمة يحولهم إلى جزء منها، إلى بقعة لون على سطح. هم "يندفّ منها جيل قديم"، والاندفاع هنا يشبه خروج الروح أو انفجار الطاقة المتبقية. هذا الجيل "يشعّ في خلوتنا المفقودة". الخلوة المفقودة هي حالة الوحدة الأصلية، الهدوء الداخلي الذي افتقدناه في ضجيج العالم. وإشعاع هذه الأيقونات ليس لملئها، بل لتأكيد غيابها، لإضاءة فراغنا بأنوار زائفة. وهكذا فإن "صنع بهرجة الفن السابع" هو طقس تعويضي، محاولة لصنع معنى من خلال اللمعان والزيف. النتيجة النهائية لهذه العملية هي أن "ينطّ الظلّ الأجوف فوق برج عالٍ". الظل الأجوف هو الشبح الخالي من الجوهر، وهو ينطّ (يقفز بخفة وغرابة) فوق برج عالٍ، في مشهد سريالي يلخص الوهم الباذخ: استمرار حضور علامة ثقافية فارغة، تطفو في الفضاء العام كشبح يبحث عن جثة.

تدخل القصيدة بعد ذلك إلى تشريح جسد هذه الثقافة البصرية، فتصف "الأشكال المواربة / والحركات المفخّخة بالضوء". كل شيء هنا ملتوٍ، غير مباشر، ومفخخ. الضوء ليس للإضاءة، بل للتفخيخ، لجعل الحركة خطيرة وجاذبة في آن. يصبح الجسد نفسه "كثيب الرّشاقة"، أي كومة رمل ناعمة مهيأة للانزلاق والانجراف مع أول عاصفة. ثم يظهر العنوان الرئيسي كجزء من النسيج الشعري: "دهليز ضحكة عميقة". الدهليز هو الممر الضيق المؤدي إلى شيء ما، والضحكة العميقة قد تكون هستيرية أو ساخرة أو معبرة عن فراغ وجودي. هذا الدهليز يقودنا إلى مزيد من التفاصيل الجسدية المجزأة والمبالغ فيها: "رجفة عين تدمع / جبين مشتعل بالعشق / وحناجر تصهل مثل منارة". إنها لغة الميلودراما السينمائية في أقصى حالاتها. العين لا تدمع بهدوء بل "ترجف"، والجبين لا يحمر خجلاً بل "يشتعل"، والحناجر لا ترفع الصوت بل "تصهل". هذه المبالغة تتحدث عن الحاجة إلى تكثيف الإشارة العاطفية لأن المتلقي – "المتعافين من فجيعة العالم" – أصبح مناعياً ضد المشاعر العادية. يحتاج إلى صدمة بصرية وصوتية ليشعر بأي شيء. المنارة هنا مثيرة للاهتمام، فالصهيل عادةً للخيل، وهو صوت قوي وحشوي، لكن تشبيهه بالمنارة يحوله إلى إشارة ضوئية تحذيرية في الظلام، وكأن هذه الحناجر تصرخ محذرة من خطر ما، أو ربما تجذب السفن التائهة (المشاهدين) إلى صخور الوهم.

يتحول الصوت إلى موسيقى، لكنها "موسيقى مضلّلة للرؤيا". وظيفتها ليست الترفيه بل التضليل، تشويش الرؤية الداخلية للمتلقي. هذه الموسيقى "تمحو الدهشة الأولى" – تلك اللحظة النقية من الصدمة أو السؤال – لتحل محلها معرفة مسبقة، "سيناريو شهيّ". والسيناريو لا يعرض، بل "يُشيّع"، في مفارقة لغوية بين الفرح (الشهي) والموت (التشييع). كل هذا يحدث "في شتاء لاذع"، حيث البرودة تضاعف من حدة الإحساس، وكأن الجمال المعروض مؤلم. في هذا الجو تنفجر "الحركات الموشومة بالغواية / والعيون المكبّلة بالفرجة". الوشم هنا دلالة على الديمومة، الغواية محفورة في الجسد كعلامة لا تمحى. والعيون "مكبلة" – مقيدة بالأصفاد – بحالة "الفرجة"، أي المشاهدة السلبية. إنها صورة قوية للاستلاب: الفرد ليس حراً في ما يراه أو كيف يراه، فهو مقيد بمنطق العرض. هذه العناصر مجتمعة تخلق "ابهّة فيلم طويل / يمهر الحضور الحجريّ". الأبهة هنا هي العظمة الزائفة، والفعل "يمهر" يحول الحضور البشري إلى ختم أو بصمة جافة على وثيقة، أو إلى تمثال حجري، جامد، متحجر، لكنه جزء من طقس الأبهة هذا.

في قلب هذه الأبهة الزائفة، هناك عملية صيد دقيقة ووحشية: "عرض يقتنص القتامة الأولى لحواسّ فاترة". "القتامة الأولى" هي تلك اللحظة الغامضة التي تسبق الإدراك الواضح، لحظة الإحساس الخام قبل أن يُصاغ في كلمات أو صور مألوفة. والعرض هنا لا يستقبلها، بل "يقتنصها" كفريسة. الحواس "فاترة"، لم تعد قادرة على الالتهاب تلقائياً، لذا تحتاج إلى من يصطاد لها البقايا الأولى من الإحساس. ثم "تذوب أوتاد الصمت"، فالصمت هنا له أوتاد كالخيمة، له هيكل يحميه، ولكن تحت قصف "الصور وتقلّبات الضوء" يذوب هذا الهيكل ويضيع. يدخل المتلقي بعدها في "غمرُ الاثارة وملاحم بين مدّ وجزر". إنه طوفان من المحفزات، وقصص مصغرة (ملاحم) تأتي وتذهب كحركة البحر، لكنها حركة بلا هدف، "دون أن يدركها فصل النهاية". إنه الاستمرار الأبدي للعرض، الغياب الكامل للختام أو للمعنى النهائي، كحلقة تلفزيونية لا تنتهي.

ثم تأتي الخاتمة، وهي لحظة صمت دراماتيكي بعد العاصفة البصرية والصوتية: "في المطعم الأنيق / تنغرس على الطاولة غمّازة ضائعة / ويغرق بطل وسيم في ركوة قهوة باردة". كل الأبهة والملاحم تنتهي إلى هذه التفاصيل الصغيرة المأساوية. "الغمّازة الضائعة" هي أثر جسدي حميم (غمازة الخد) لكنها "ضائعة"، منفصلة عن صاحبها، "تنغرس" في الطاولة كسهم أو كذكرى مؤلمة. أما "البطل الوسيم" – وهو النموذج الأخير من سلسلة الأيقونات – فيجد مصيره النهائي ليس في معركة أو نهاية ملحمية، بل في "الغرق" في "ركوة قهوة باردة". الركوة، وهي وعاء الشراب اليومي العادي، تصير قبراً. والقهوة الباردة هي نقيض الدفء والحياة، هي رمز للشيء الذي فقد جوهره وفائدته. الغرق هنا هو غرق بطيء وصامت، غرق في التفاهة، في الروتين، في فشل الوهم الكبير.

قصيدة هدى الهرمي، بهذا العمق، هي أكثر من قصيدة وصفية؛ إنها بيان نقدي حاد حول علاقتنا المعاصرة بالتاريخ والصورة والهوية. إنها تسائل كيف أصبحنا مستهلكين لذكريات لم نعشها، ومتفرجين على مشاعر لا نشعر بها، وكيف تحولت التجربة الإنسانية إلى "دهليز" طويل نمر خلاله ضاحكين ضحكة مجلجلة تخفي فراغاً وجودياً. اللغة الشعرية هنا موحدة في نسيجها الاستعاري المتشابك، انسيابية في انتقالها السلسل من الصورة الكبرى إلى التفصيلة الصغيرة، ضخمة في رؤيتها التي تمسك بتلابيب روح العصر: عصر الصورة الزائفة، والذكرى المُسوَّقة، والإنسان المتحول إلى ظل أجوف يرقص على جدار مطعم أنيق، بينما يغرق البطل الحقيقي – إن وجد – في برودة قهوته التي نسي أن يشربها وهي ساخنة.

النّصّ :

دهليز ضحكة عميقة

 في مطعم أنيق

يندسّ وسط المصابيح والشجر

على جدرانه يتفسّخ الوقت..

صور لالفيس بريسلي

 ومارلين مونرو وألباتشينو

تتصدّر البهو الطويل 

كمن سقط فوق شاشة ضخمة

يندفّ منها جيل قديم

يشعّ في خلوتنا المفقودة 

صنع بهرجة الفن السابع

لينطّ الظلّ الأجوف فوق برج عالٍ..

الأشكال المواربة

 والحركات المفخّخة بالضوء

كثيب الرّشاقة

دهليز ضحكة عميقة

رجفة عين تدمع

جبين مشتعل بالعشق

وحناجر تصهل مثل منارة

للمتعافين من فجيعة العالم..

انبعاثات الموسيقى المضلّلة للرؤيا

 تمحو الدهشة الأولى

 تُشيّع سيناريو شهيّ

 في شتاء لاذع

مع اندلاع الحركات الموشومة بالغواية

والعيون المكبّلة بالفرجة :

ٱبهّة فيلم طويل

يمهر الحضور الحجريّ

في هذا الركن المهيب

عرض يقتنص القتامة الأولى لحواسّ فاترة

تذوب أوتاد الصمت

تمخرها الصور وتقلبّات الضوء

غمرُ الاثارة وملاحم بين مدّ وجزر

دون أن يدركها فصل النهاية.

في المطعم الأنيق

 تنغرس على الطاولة غمّازة ضائعة

ويغرق بطل وسيم في ركوة قهوة باردة..

المشـاهدات 73   تاريخ الإضافـة 07/01/2026   رقم المحتوى 69578
أضف تقييـم