الثلاثاء 2026/3/10 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 19.65 مئويـة
نيوز بار
حين يصبح السقوط سياسة دولية
حين يصبح السقوط سياسة دولية
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب سيف الحمداني
النـص :

في كل مرة تعلن فيها دولةٌ ما موقفًا صريحًا معارضًا للسياسات الأميركية أو تخرج عن المسار الذي رُسم للمنطقة، تبدأ معها عملية ترقّب غير معلنة. لا تُعلن الحرب، ولا تُرفع الرايات، لكن المؤشرات تتراكم بهدوء: حصار اقتصادي، تضييق مالي، تشويه إعلامي، ثم انتظار طويل لانفجار داخلي يُقدَّم لاحقًا بوصفه “حراكًا شعبيًا” أو “تصحيحًا سياسيًا”. هكذا تحوّل سقوط الأنظمة، في عالم اليوم، من حدث استثنائي إلى سياسة دولية مُدارة.ما جرى في فنزويلا خلال السنوات الماضية ليس حالة منفصلة، بل نموذج مكتمل. دولة تمتلك ثروات، اختارت مسارًا سياسيًا واقتصاديًا لا ينسجم مع الرؤية الأميركية، فكان الرد محاصرة الاقتصاد، تجفيف الموارد، وتعليق الحياة اليومية للناس على قرارات خارج حدودهم. ومع كل أزمة معيشية، كان الخطاب الدولي جاهزًا: النظام يفشل، والبديل هو السقوط. لم يكن السؤال يومًا عن ثمن هذا السقوط، ولا عن ملايين المواطنين الذين تحوّلوا إلى رهائن في معركة سياسية غير متكافئة.المشهد ذاته يتكرر بدرجات مختلفة في كوبا وإيران. كوبا التي تعيش أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث، لم تُعاقَب لأنها تهديد عسكري، بل لأنها رفضت أن تكون نموذجًا تابعًا. أما إيران، فتعاقَب ليس فقط على سياساتها الإقليمية، بل على فكرة امتلاكها قرارًا سياسيًا مستقلًا، وقدرة على المناورة خارج الإملاءات الدولية.العالم، في صورته الراهنة، لا يتحرك بدافع القيم كما يُشاع، بل بدافع المصالح. الديمقراطية وحقوق الإنسان تتحولان إلى أدوات ضغط انتقائية، تُستَخدم حين تخدم الهدف، وتُهمَل حين تعيق مسار النفوذ. لذلك، لا يُقاس النظام السياسي اليوم بمدى عدالته الداخلية، بل بمدى قابليته للانسجام مع خارطة المصالح الدولية.السؤال الأهم هنا: ماذا يريد العالم من سقوط هذه الأنظمة؟الإجابة المؤلمة أن المطلوب ليس إنقاذ الشعوب، بل إعادة ضبط الدول. المطلوب أنظمة أكثر مرونة، أقل سيادة، وأكثر استعدادًا لفتح أسواقها وقراراتها أمام الخارج. أما الشعوب، فهي مجرد تفصيل مؤجل في حسابات القوة.في هذا السياق، يظهر ما يُسمّى بـ”المجتمع الدولي” ككيان عاجز أو متفرج. لكن الحقيقة أنه ليس عاجزًا بقدر ما هو منضبط بإرادة الأقوياء. المؤسسات الدولية، من مجلس الأمن إلى المنظمات الأممية، لا تتحرك إلا ضمن هوامش مرسومة سلفًا. وحين يكون الحصار أو العقاب صادرًا عن القوى الكبرى نفسها، يتحول الصمت إلى سياسة، والحياد إلى تبرير أخلاقي بارد.المفارقة أن كثيرًا من الدول المستهدفة كانت، قبل إدخالها في دائرة العقاب، دولًا مستقرة نسبيًا. مؤسسات قائمة، خدمات تعمل، دولة تمارس سيادتها ضمن حدودها. لكن هذا الاستقرار ذاته يصبح خطرًا إذا لم يكن منضبطًا سياسيًا. المطلوب ليس استقرارًا حقيقيًا، بل استقرارًا خاضعًا، قابلًا للتوجيه والضغط.ليس الهدف من هذا الطرح الدفاع عن أخطاء هذه الأنظمة أو تبرئة سياساتها الداخلية، فالكثير منها يتحمل مسؤوليات كبيرة تجاه شعوبه. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل إسقاط الدول عبر الحصار والتجويع والعزل هو طريق الإصلاح؟ أم أنه الطريق الأسرع نحو الفوضى وتفكيك المجتمعات وفتح الأبواب أمام أشكال أشد قسوة من الحكم؟في عالم تحكمه موازين القوة، صار السقوط مكافأة سياسية، والاستقلال جريمة مؤجلة العقاب. وبين هذا وذاك، تدفع الشعوب الثمن، فيما يواصل المجتمع الدولي التفرج، وكأن ما يجري شأن داخلي لدولٍ لم يُسمح لها يومًا بأن تكون مستقلة فعلًا.

المشـاهدات 1999   تاريخ الإضافـة 10/01/2026   رقم المحتوى 69685
أضف تقييـم