حين يسبقنا الهاتف إلى أفكارنا … من يدير وعي العراقيين في الفضاء الرقمي؟
![]() |
| حين يسبقنا الهاتف إلى أفكارنا … من يدير وعي العراقيين في الفضاء الرقمي؟ |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب مصطفى طارق الدليمي |
| النـص : لم يعد مستغرباً أن يفتح المستخدم العراقي هاتفه ليجد محتوى يشبه حديثاً دار قبل لحظات أو فكرة لم تكتمل بعد في ذهنه أو قضية كان يفكر بها بصمت هذا المشهد اليومي الذي بات مألوفاً لدى شريحة واسعة من المجتمع..لايمكن اعتباره مجرد صدفة تقنية بل تحوّل إلى ظاهرة رقمية تطرح أسئلة عميقة عن الخصوصية وحدود التأثير ومن يملك فعلياً القدرة على توجيه الاهتمام العام داخل الفضاء الرقمي خلافاً للاعتقاد الشعبي السائد بأن الأمر يتعلق بـ "تنصّت مباشر" تعمل منصات التواصل الاجتماعي عبر منظومات خوارزمية معقّدة تعدّ اليوم من أكثر أدوات التأثير تطوراً في العصر الحديث فكل نقرة وكل مشاهدة وكل توقّف عند مقطع معيّن وحتى التفاعل الصامت أو التمرير السريع يتحوّل إلى بيانات رقمية تُخزَّن وتُحلَّل ثم تستخدم في بناء نماذج سلوكية دقيقة تتنبأ بما قد يجذب المستخدم لاحقاً ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي لم تعد هذه المنصات تكتفي بمتابعة الاهتمامات بل أصبحت قادرة على استباقها وتوجيهها تدريجياً..في العراق تتضاعف خطورة هذه الظاهرة لأسباب تتجاوز الجانب التقني فضعف الوعي الرقمي وغياب التربية الإعلامية وافتقار المشهد إلى أطر تنظيمية وتشريعية واضحة جعلت من المنصات الرقمية المصدر الأول..وربما الوحيد للمعلومة لدى شريحة واسعة من المواطنين وفي ظل تراجع ثقة الجمهور بالإعلام التقليدي أو انشغاله بالاستقطاب السياسي والطائفي بات الفضاء الرقمي هو الساحة الأساسية لتشكيل الرأي العام دون حواجز مهنية أو أخلاقية واضحة..تعمل الخوارزميات ضمن ما يُعرف بـ"اقتصاد الانتباه" حيث يصبح وقت المستخدم هو السلعة الأكثر قيمة وفي المشهد العراقي يُستثمر هذا الاقتصاد في تضخيم المحتوى المثير والخطاب المتشنّج والموضوعات الجدلية لأنها الأكثر قدرة على جذب التفاعل السريع حتى لو كانت سطحية أو مضللة وبهذه الطريقة يُعاد إنتاج نوع واحد من الخطاب وتُدفع شرائح واسعة من الجمهور إلى ما يُعرف بـ "الفقاعات الرقمية" حيث يُغذّى المستخدم بمحتوى ينسجم مع قناعاته المسبقة ويُقصى الرأي المخالف ما يعمّق الانقسام الاجتماعي والسياسي الإعلام المحلي لم يكن بمنأى عن هذا التحوّل فبعض المؤسسات الإعلامية بدافع المنافسة أو السعي وراء الانتشار باتت تلاحق "الترند" على حساب المهنية وتنقل ما يتداوله الفضاء الرقمي دون تدقيق أو تحقق أو تحليل معمّق وبدلاً من أن يكون الإعلام أداة تصحيح وكشف أصبح في بعض الأحيان جزءاً من دورة التضخيم الخوارزمي نفسها بالمقابل تراجعت المساحات المخصصة للتحقيقات الجادة والرأي التحليلي والمعالجة المتأنية لصالح محتوى سريع الاستهلاك يخضع لمنطق المشاهدة لا لمنطق المعرفة ولا يمكن تحميل المسؤولية كاملة للمنصات أو لوسائل الإعلام وحدها إذ يمتد جزء كبير منها إلى المستخدم نفسه الذي يمنح موافقته على شروط الاستخدام دون قراءة أو وعي ويساهم يومياً من خلال سلوكه الرقمي في بناء المسار الذي يُعاد توجيهه إليه كما تتحمّل المؤسسات التعليمية والثقافية مسؤولية واضحة في غياب برامج ممنهجة تعزّز الثقافة الرقمية وتنمّي مهارات التفكير النقدي وتُعلّم الأجيال الشابة كيفية التعامل الواعي مع المحتوى لا استهلاكه فقط..إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مراقبة الأحاديث أو اختراق الخصوصية بشكل مباشر بل في إدارة الاهتمامات بصمت وفي إعادة تشكيل الوعي الجمعي بعيداً عن أي رقابة مجتمعية أو نقاش عام فحين يصبح ما نراه هو ما يُختار لنا وما نناقشه نتيجة لما يُكرَّر أمامنا تتحوّل الخوارزميات إلى فاعل سياسي وثقافي غير مرئي لكنه شديد التأثير..وفي بلد كالعراق يعيش تحوّلات سياسية واجتماعية متسارعة لا يمكن التعامل مع الفضاء الرقمي بوصفه مساحة ترفيهيه أو تواصل فقط فالوعي الرقمي اليوم لم يعد ترفاً فكرياً بل ضرورة وطنية وخط دفاع أساسي لحماية الرأي العام من التوجيه غير المرئي وضمان أن يبقى الإنسان هو من يقود اختياراته … لا الخوارزمية.
|
| المشـاهدات 58 تاريخ الإضافـة 10/01/2026 رقم المحتوى 69688 |
توقيـت بغداد









