الثلاثاء 2026/1/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غائم جزئيا
بغداد 12.95 مئويـة
نيوز بار
التسامح والتعايش في العراق.. بناء جسور الثقة بعد سنوات الانقسام
التسامح والتعايش في العراق.. بناء جسور الثقة بعد سنوات الانقسام
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ.م. د. محمـود محمـد عـبـد الكـريـم
النـص :

يمتلك العراق تاريخًا عريقًا من التعايش والتنوع، حيث احتضنت أرض الرافدين على مر العصور مكونات ثقافية ودينية وعرقية متعددة عاشت جنباً إلى جنب. لكن، للأسف، شهدت العقود الأخيرة، وخصوصًا بعد عام 2003، سنوات عصيبة عصفت بهذا النسيج الاجتماعي، وخلّفت جروحًا عميقة من الانقسام والتوتر. لقد أدت الصراعات، والتدخلات الخارجية، والتطرف، إلى تآكل الثقة بين أبناء الوطن الواحد، وظهرت حواجز نفسية واجتماعية حالت دون استمرار روح التآلف التي طالما ميّزت المجتمع العراقي. إنّ التحدي الأكبر اليوم لا يكمن فقط في إعادة بناء المدن، بل في إعادة بناء الإنسان وبناء جسور الثقة المهدّمة، وتعزيز قيم التسامح والتعايش كسبيل وحيد لتعزيز الوحدة الوطنية.كانت مدن مثل الموصل وكثير من البلدات العراقية مثالًا حياً على هذا التعايش. يتذكر الكبار كيف كانت الأحياء تضم خليطاً من المسلمين والمسيحيين والإيزيديين والصابئة، يتبادلون التهاني في الأعياد، ويتقاسمون الأفراح والأحزان. كانت الجيرة أقوى من الانتماءات الضيقة. وفي الموصل، كان سوق "الموصل القديمة" شاهداً على هذا التنوع، حيث كان الجميع يعملون جنباً إلى جنب، ويتعاملون بثقة متبادلة، بغض النظر عن انتمائهم. حتى أنهم كانوا يتشاركون "الديوانيات" و"القهاوي" التي كانت بمثابة منتديات لتبادل الأحاديث وحل الخلافات ودياً. هذه الصورة المشرقة تلاشت، ولكنها لم تمت تماماً في الذاكرة.لإعادة إحياء هذه الروح، يتطلب الأمر جهوداً حثيثة تبدأ من القواعد المجتمعية وتنتهي بالقيادات. يجب أن تُركز المناهج التعليمية على غرس قيم التسامح والقبول بالآخر منذ الصغر، وتعزيز الوعي بأهمية التنوع كمصدر قوة لا ضعف. كما أن دور المؤسسات الدينية، بمختلف أطيافها، حيوي في نشر خطابات الاعتدال ونبذ الكراهية، وتأكيد المبادئ المشتركة التي تجمع الجميع. الإعلام أيضاً يحمل مسؤولية كبيرة في تسليط الضوء على قصص التعايش الناجحة، ومحاربة الشائعات والخطابات المسمومة التي تُغذّي الانقسام.الأهم من ذلك، يجب أن تُعزز الحكومة المحلية والمركزية مبادرات المصالحة المجتمعية في المناطق التي شهدت صراعات، وتوفير بيئة آمنة تُمكّن العائلات من العودة إلى ديارها وممارسة حياتها الطبيعية دون خوف أو تمييز. يجب أن يُنظر إلى التنوع ككنز يجب الحفاظ عليه، فكل مكون يضيف نكهة خاصة وثرية للنسيج العراقي. عندما يتكاتف الجميع، وتُوضع مصلحة العراق فوق كل اعتبار، حينها فقط يمكننا أن نقول إننا بدأنا في بناء جسور الثقة الحقيقية.إنّ إعادة بناء التسامح والتعايش في العراق ليست مهمة سهلة، لكنها ليست مستحيلة. إنها رحلة طويلة تتطلب صبراً، وإصراراً، وعملاً دؤوباً من الجميع. وكما يقول المثل العربي: "بالتآلف تُبنَى الأمم، وبالتفرق تتهدم". فالعراق بأمس الحاجة اليوم إلى تآلف أبنائه، ليعود قويًا شامخاً، ينعم بالسلام والازدهار.

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 13/01/2026   رقم المحتوى 69779
أضف تقييـم