السبت 2026/1/17 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 1.95 مئويـة
نيوز بار
أَحْزَانُ سَائِقِ سَيَّارَةِ إِسْعَافٍ
أَحْزَانُ سَائِقِ سَيَّارَةِ إِسْعَافٍ
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ياسر محمود محمد

عضو اتحاد كتاب مصر

اعتدتُ سماع صوت السرينة الهادر. تعرفونه بالتأكيد. طالما سمعته عندما أحمل هؤلاء الناس، فأنا سائق سيارة إسعاف. هذه مهنتي التي كثيرًا ما أرقتني.. وأنا أحمل هؤلاء الذين ربما ينتمون إلى الملائكة.. لا إلى البشر العاديين، وكان البشر الآخرون فرحين بصوت سرينتي الذي يشق الشوارع سريًعا حالمين مثلي بيوم من تلك الأيام!

ربما كانت الإصابة في جسدهم بطلق مطاطي او ناري، أو ربما الإصابة في أغلى ما يمتلكون.. اعينهم التي يرون من خلالها أجمل الأشياء.. جزر وشوارع الميدان ومن كانوا في الميدان. ربما الإصابة في ضمير إحداهن من تعليق لرجل الأمن القابع هناك ودائما يرزخ فوق فتيات مدينتي كقزم ثقيل.

تحولت الصرخات التي يطلقها هؤلاء إلى إصابة في قلبي أنا الذي ينز دمًا ودموعًا على حالهم وحالي. كان لهم غناء يصرخ في أنحاء الميادين برغم جراحهم الحمراء والشاش الأبيض الذي يغطي أعينهم والسواد الذي تتشح به بناتهم.

    أنا مثلهم.. تقت لهذا اليوم.. واشتقتُ لعبق الربيع الآتي مبددا برد وظلام الشتاء الطويل. أنا مثلهم أؤدي الآن واجبي –أعني ما ينبغي علي فعله- لكني حزين.. مر المساء وأتى الصباح وأنا حزين –كل ما يمكنني فعله هو حمل أجسادهم الطاهرة إلى المستشفى في القاهرة أو في السويس أو الإسكندرية- وفي كل ربوع الوطن وميادينه.

أحملهم إلى المستشفى التي بها رجل مثلي يحصي عددهم ويفتش جيوبهم عن تحقيق الشخصية ويكتب في ورقته في كل الخانات: [مصري].. أحملهم إلى المستشفى. ولا يعلم إلا الله أي حال سيصيرون إليه! فربما تحملهم سيارة نقل الموتى بعلم من ثلاثة ألوان لتطوف بهم عرس الميادين ثم تصل إلى المثوى الأخير.. جنة في تراب الوطن.

سائق سيارة إسعاف. وحزني أنني لست مثلهم. أنا مجرد مواطن عادي. مواطن ربنا حلم أن يضحي بل ربما لا أتحدث كثيرا في السياسة.. ويشغلني نجم كرة القدم أو السينما.. أو وجبة الغذاء اليومية لكن لم يتحقق حلمه.

سأظل حزينًا إلى أن يأتي اليوم الذي أصبح فيه مثلهم.. وتدوي السرينة في أنحاء الوطن؛ لتعلن أن ضيفًا جديدًا لحق بقافلة هؤلاء الناس الذين أناروا شمعة تحت سماء الميدان!

المشـاهدات 32   تاريخ الإضافـة 17/01/2026   رقم المحتوى 69857
أضف تقييـم