الأحد 2026/2/8 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
ضباب
بغداد 12.95 مئويـة
نيوز بار
العراق بين الاستقرار الحقيقي و الاستقرار الظاهري
العراق بين الاستقرار الحقيقي و الاستقرار الظاهري
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حسين عبد القادر المؤيد
النـص :

يميّز علم السياسة بين الاستقرار السياسي و الأمني الذي ينشأ من شرعية شعبية للنظام السياسي، و الاستقرار الظاهري المفروض قسرا عبر الهيمنة و القمع و السيطرة الصارمة، من غير توافق شعبي حقيقي و مؤسسات شرعية، و يصطلح عليه forced stability. في كلمات كبار علماء السياسة و الاجتماع، نجد هذا التمييز بوضوح، خوان لينز وصف الاستقرار الذي يقوم على القمع و الخوف، بالاستقرار السلطوي الزائف، و يرى أن كل استقرار لا يستند إلى شرعية سياسية، هو استقرار مؤجل الانفجار، قابل للانهيار عند أول صدمة. و يميّز صامويل هنتنغتون بين الاستقرار المؤسسي و الاستقرار القسري، و يرى أن الاستقرار الحقيقي، ناتج عن مؤسسات قوية قادرة على امتصاص التغيرات، و أما الاستقرار الناتج عن تعطيل السياسة و قمع المشاركة، فهو استقرار ظاهري، و أن القمع قد يوقف الفوضى مؤقتا، لكنه يعمقها بنيويا. و يؤكد ماكس فيبر أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا بناء على شرعية قانونية - عقلانية، و أما الشرعية الكاريزمية أو التقليدية، فالاستقرار فيها هش أو انتقالي. و يميّز تشارلز تيلي و هو من أبرز علماء علم الاجتماع التاريخيّ و السياسي المقارن في القرن العشرين، بين الاستقرار الحقيقي و الاستقرار الظاهري، و يرى أن الاستقرار الحقيقي نتاج تفاوض اجتماعي و توازن بين الإكراه و الرضا، بينما الاستقرار الظاهري هو احتكار الإكراه دون عقد اجتماعي. إن ما يتبجح به البعض و يدعيه جهلا أو تزويرا من استقرار في العراق، ليس هو من النوع الأول أي الاستقرار الحقيقي الذي يعتبر مزية سياسيا و مجتمعيا، و إنما هو من النوع الثاني أي الاستقرار الظاهري أو القسري الذي يعتبر مثلبة سياسيا و مجتمعيا.

 

لماذا لا يوجد استقرار حقيقي في العراق؟

 

و الجواب أن الاستقرار الحقيقي يتطلب مجموعة عناصر غير متحققة في الواقع. و يمكن توضيح ذلك في النقاط التالية:- ١- لم يقم النظام السياسي في العراق، على وفاق وطني، و لم تتحقق مصالحة وطنية حقيقية. لقد انقسم المجتمع العراقي، حول الموقف من احتلال العراق، و انقسم المجتمع العراقي حول العملية السياسية، سواء في أصل قيامها مع وجود الاحتلال، أو في طبيعة الحكم، بين فريق فرض المحاصصة في ظرف طاريء و تحت حراب المحتل، و فريق رفض المحاصصة الطائفية و الإثنية من حيث المبدأ، و انقسم المجتمع حول الفيدرالية، بين رافض لها من حيث المبدأ و آخر يوافق عليها لكل العراق، و ثالث يوافق عليها جزئيا في شمال العراق فقط. و بقيت هذه الإشكاليات من دون حسم موضوعي، و بالتالي لم يتحقق وفاق مجتمعي و سياسي على هذه الأمور. ٢- إن الدستور الذي صيغ دون أن يأخذ نصيبه الذي يستحقه من الدراسة و الحوار و التفاهم المجتمعي المبني على الوعي و المعرفة، و تم الاستفتاء عليه في ظرف غير طبيعي و بمقاطعة قطاع كبير لا يمكن الاستهانة به في معايير السياسة و الاجتماع، لم يحقق الوفاق الوطني المطلوب، فالدستور ليس كسائر القوانين التي يمكن أن تكتسب الشرعية بأغلبية بسيطة في المجلس التشريعي، و إنما هو تجسيد للعقد السياسي ‏الذي يعني التزام المجتمع بنوع معين من السلطة السياسية و بنظام سياسي بمواصفات معينة. و الذي يعبّر عن هذا العقد السياسي، هو الدستور . و من هنا لا بد أن يجسد الدستور حقيقةَ الوفاق الوطني، و إلا لا يتحقق عقد سياسي مجتمعي عام، يكتسب منه الحكم شرعيته. و المعيار في الوفاق الوطني، هو القبول الشعبي العام، سواء أ كان عبر الانتخابات كما هو الحال في الأنظمة التي تعتمد النظام الديمقراطي الانتخابي، أو عبر التأييد الشعبي المشهود للنظام السياسي.و من المؤكد، عدم حصول قبول شعبي عام للدستور الحالي، الذي تم تمريره في ظروف يعرفها الجميع، و لم يأت بالنسبة التي يمكن اعتبارها مجسدة للوفاق الوطني.٣- إن الهوية الملتبسة للنظام السياسي في العراق، يمكن اعتبارها عنصرا قلقا ينعكس على الاستقرار . و قد شرحتُ ذلك في مقالتي البحثية بعنوان ( إشكال الهوية الملتبسة في النظام السياسي ) و المنشورة في صحيفة الدستور العراقية، بتاريخ ٤/٦/٢٠٢٤ و المطبوعة في كتابي ( نحو مجتمع مدني ).  ٤- وجود فصائل مسلحة، على الرغم من أن الدستور الحالي ينص على حظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة، و يصبح الموضوع أشد تعقيدا حين تكون هذه الفصائل ذات لون طائفي و عقيدة عسكرية مختلفة عن العقيدة العسكرية للقوات المسلحة و المؤسسة العسكرية، و علاوة على ذلك تدين بالولاء لقوى سياسية في الداخل و جهات في الخارج، و لا تخضع حقيقة للقيادة العامة للقوات المسلحة. ٥- على الرغم من أن الدستور الحالي لم يجسد الوفاق الوطني اللازم، فإن انتهاكات الدستور و ضرب جملة من مواده عرض الجدار، أديا إلى إشكاليات و تداعيات بالغة الضرر على الدولة و المجتمع، و إلى هشاشة تحول دون الاستقرار الحقيقي.  ٦- عدم وجود الديمقراطية المعيارية، يمنع حصول استقرار حقيقي، و قد شرحتُ ذلك في مقالي ( بين الديمقراطية و الانتخابات ) المنشور في صحيفة الدستور العراقية بتاريخ ٢٣/١٢/٢٠٢٥ . ٧- الفشل تارة و سوء الإدارة تارة أخرى، في إدارة الأمور في العراق على جميع المستويات، أدى إلى معاناة متواصلة يعيشها المواطن العراقي، و تراجع في المستوى في عدة أصعدة، و توقف أو بطء عجلة التطور و التقدم في مواكبة وتيرة التقدم في الدول النامية فضلا عن الدول المتقدمة، و من شأن ذلك هشاشة الاستقرار.٨- الإشكاليات المجتمعية و سلوك السلطة، سواء على مستوى شيوع ثقافةٍ و نهجٍ طائفيين ضرب قواعد التعايش و السلم الأهلي، أو على مستوى التقصير تارة و الإساءة تارة أخرى فيما يتصل بالأقليات الدينية كالمسيحيين و اليهود و الصابئة و الإيزديين، و هذه الأقليات ذات وجود تاريخي أصيل و إسهام تاريخي إيجابي في العراق، و ذات قيمة نوعية يجب أخذها بنظر الاعتبار بعيدا عن المجاملات المصطنعة و الشعارات الزائفة. هذا فضلا عن التهميش و الإقصاء و التجاوزات المتنوعة بما فيها القتل و الخطف و التهجير و السجن غير القانوني و التعذيب، على المكوّن السني من جهة، و انخراط البعض في منظمات إرهابية مثل القاعدة و داعش، لم ترع في المواطنين الأبرياء من كل المكونات لا سيما المكوّن الشيعي إلّا و لا ذمة، و التوظيف السيء و المسيء لذلك ضد المكوّن السني برمته، كل ذلك أدى إلى جروح عميقة و حواجز نفسية بين مكونات المجتمع العراقي، و لم تتحقق مصالحة وطنية حقيقية للعبور إلى تفاهم و وئام. ٩- الدائرة الضيقة التي تهيمن على العملية السياسية، ففي ظل عدم وجود توافق وطني و انقسام في الموقف السياسي، و عدم تحقق المشاركة السياسية الشاملة، استطاعت مجموعة من القوى و من لون طائفي معين غالبا، الإمساك بزمام الأمور ، الأمر الذي جعل العملية السياسية تدور في دائرة ضيقة قادت ليس فقط الى الأوليغارشية، و إنما إلى لون من الديكتاتورية المقنّعة، و الذي زاد الطين بلة، أن هذه الأوليغارشية اختزلت الدولة فيها تحت عنوان ( المكوّن الأكبر ) و انعكس ذلك على سلوكها، الأمر الذي نزع من الدولة عنوان دولة المواطنة، فصارت دولة ( المكوّن الأكبر ) دون أن تشرك جمهور ( المكوّن الأكبر ) في الغُنم، بل حمّلته الغُرم.  و لا شك في أن هذه النقطة من العوامل الرئيسة لعدم الاستقرار. ١٠- إن التدخل الخارجي و محاولات جعل العراق ساحة لتصفية الحسابات، أو خندقا للمواجهة، أو خزانا للنهب، أو ساحة للنفوذ، من أقوى عوامل عدم الاستقرار الحقيقي، فكيف إذا كانت القوى المهيمنة على العملية السياسية سياسيا أو عسكريا، حليفة لطرف خارجي أو ترى فيه عمقها الإستراتيجي أو ترتبط به ارتباط الإبن بالأب، على الرغم من رفض الشعب العراقي في غالبه و من كل المكونات، لهذا الارتباط و ذلك التدخل، الذي انعكس على العراق دولة و شعبا، بأفدح الأضرار و الخسائر. ١١- وجود نسبة كبيرة من العراقيين في الخارج، و قد اضطرّوا إلى الهجرة من وطنهم، بسبب الاضطهاد أو وجود تهديد جدي لحياتهم في العراق، و هذه النسبة المعارضة للوضع القائم، ليست مجرد كمّ، و إنما تزخر بالكفاءات المتميزة و المبدعة في مختلف المجالات، و لها رأي وازن في المجريات. إن وجود هؤلاء خارج العراق، يعتبر معياريا من أبرز المؤشرات على عدم وجود استقرار حقيقي. و بعيدا عن التخرصات، هناك أسئلة مفصلية في التمييز بين الاستقرار الحقيقي، و الاستقرار الظاهري، فهل المكوّن السني يعتقد أنه يعيش في ظل دولة مواطنة، أو أنه يعتقد بوجود تمييز طائفي و التعامل معه كمواطن من الدرجة الثانية، بل يشعر الكثيرون بخطر وجودي عليهم، و هل يعتقد المكوّن السني بصوابية العملية السياسية القائمة منذ الاحتلال و إلى الآن؟ . و هل تعتقد الأقليات لاسيما المسيحيين و الصابئة، بأنهم يعيشون في دولة يشعرون في ظلها بالأمن و العدل و المساواة، أو أن نسبا ملفتة للنظر، تركت العراق على مضض لأنها لا تشعر بالأمن و العدل و المساواة؟ ألا يعتبر كل ذلك مؤشراً على أن صمت هذه المكونات ليس مؤشراً على استقرار حقيقي، و إنما هو مؤشر على الاستقرار الظاهري الزائف، لأنه استقرار سلطوي قسري حسب التعريف المتقدم لخوان لينز و الذي اعتبر هذا النوع من الاستقرار، استقرارا مؤجل الانفجار و قابلا للانهيار عند أول صدمة. ألا تعتبر انتفاضة تشرين المجيدة، مؤشرا على عدم تحقق استقرار حقيقي، و هل الصمت الذي أعقبها بعد قمعها بالقوة و الاختراق و غير ذلك، يؤشر على استقرار حقيقي أم استقرار ظاهري زائف؟. على ماذا يؤشر عزوف أكثر من يحق له الانتخاب عن المشاركة في الانتخابات؟ إلى غير ذلك من علامات الاستفهام الكبيرة التي ترتسم كلما جرى الحديث عن الاستقرار في العراق. و هكذا يتضح أن الحديث عن الاستقرار السياسي و الأمني في العراق، لا يعدو أن يكون ضربا من الخيال أو التبجح الزائف.

المشـاهدات 3442   تاريخ الإضافـة 18/01/2026   رقم المحتوى 69889
أضف تقييـم