الثلاثاء 2026/1/20 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 2.95 مئويـة
نيوز بار
جسد المعنى وتشظّي الذات: قراءة ما بعد حداثية-ظاهراتية في قصيدة "لأنك لذّتي" لمنذر عبد الحر
جسد المعنى وتشظّي الذات: قراءة ما بعد حداثية-ظاهراتية في قصيدة "لأنك لذّتي" لمنذر عبد الحر
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

د. انسام المعروف

 

تمثل قصيدة "لأنك لذّتي" للشاعر منذر عبد الحر نصًا شعريًا إشكاليًا كثيفًا، يقوم على تفكيك البنية التقليدية للقصيدة العربية، سواء على مستوى الشكل أو الدلالة أو العلاقة بين الذات واللغة. إننا أمام نص لا يسعى إلى الوضوح أو السرد أو الإحالة المباشرة، بل يشتغل على الانزلاق الدلالي، تشظي الصوت، وانفجار الصورة، بحيث تصبح القصيدة فضاءً للتجربة لا حاملاً للمعنى الجاهز. من هنا، فإن النظرية ما بعد الحداثية، بوصفها نظرية تشكك في المركز، وتقاوم السرديات الكبرى، وتحتفي بالتعدد واللايقين، تبدو إطارًا نقديًا ملائمًا لقراءة النص. غير أن هذه القراءة تظل ناقصة ما لم تُدعّم بمنظور ظاهراتي ينظر إلى اللغة بوصفها امتدادًا للجسد والوعي والتجربة الحسية. فالقصيدة لا تقول العالم، بل تعيشه.

ترتكز ما بعد الحداثة في الشعر على عدد من السمات المركزية، من أبرزها: تفكيك المعنى الواحد، غياب المركز السردي أو الصوت المتعالي، وانهيار العلاقة المستقرة بين الدال والمدلول، وتحول اللغة من أداة تمثيل إلى مادة كتابة

ان هذه السمات حاضرة بقوة في قصيدة منذر عبد الحر. فالنص لا يبدأ من مقدمة ولا ينتهي بخاتمة، ولا يتقدم وفق منطق خطي، بل يتشكل من مقاطع مرقمة (7–14) توحي بالاقتطاع، وكأننا نقرأ بقايا وعي لا نصًا مكتملًا.

يقول الشاعر:

"هذه خطاي

وتلك ثياب فارغة للعش"

ان الخطى هنا لا تقود إلى مقصد، والثياب بلا جسد، والعش بلا طير. إننا أمام علامات فقدت مرجعها، وهو ما يتوافق مع التصور ما بعد الحداثي للغة بوصفها شبكة إحالات بلا أصل ثابت.

يلوح الشاعر بتفكك الذات وتعدد الأنا الشعرية. فالذات في هذه القصيدة ليست ذاتًا متماسكة، بل أنا متشظية، مترددة، قلقة، حسية، جسدية. الأنا لا تعرّف نفسها عبر الهوية، بل عبر الأثر، الرغبة، والخطأ:

"هذه خطاي

لأنك لذّتي"

ان الربط بين “الخطأ” و”اللذة” يكشف قلبًا للقيم المعيارية. فالخطأ لم يعد انحرافًا أخلاقيًا، بل تجربة وجودية. وهنا تتقاطع القصيدة مع ما بعد الحداثة في رفضها للأحكام الثابتة، ومع الظاهراتية في تركيزها على الخبرة المعاشة لا على التصنيف. ان الذات هنا لا تقول “أنا أفكر”، بل تقول “أنا أتحسس”، “أنا أرتكب”، “أنا أتوتر”. تقول:

"وأحرث حروف عمري

طاعنًا طفولتي"

إن الحرث فعل جسدي، زراعي، عنيف ولطيف في آن. والطفولة ليست مرحلة زمنية بل نص يُطعن. هكذا تتحول السيرة إلى مادة لغوية، والذاكرة إلى جسد قابل للكتابة.

يقدم عبد الحر اللغة في القصيدة بوصفها جسدًا – القراءة الظاهراتية. ففي المنظور الظاهراتي، لا تُفهم اللغة بوصفها وسيلة لنقل المعنى، بل كامتداد للتجربة الحسية. وهذا ما نلمسه بوضوح في كثافة المفردات الجسدية، الحسية، والعضوية في القصيدة:

"أفرش جسدًا من عيب

وأطلق أصابعي فيه"

اللغة هنا لا تصف الجسد، بل تصبح جسدًا. الفعل الشعري يتماهى مع الفعل اللمسي، وكأن الكتابة نفسها ممارسة حسية. الأصابع لا تكتب فقط، بل “تطلق”، بما يوحي بالتحرر والانفجار.

حتى المجردات (القلق، اللذة، الخطأ) لا تُقدَّم كمفاهيم عقلية، بل كتجارب ملموسة. يقول:

"لأنك قلقي

لبست أخطائي"

القلق يُلبس، والخطأ يُرتدى. هذه استعارات ظاهراتية تحوّل الحالة النفسية إلى خبرة جسدية.

ان الشاعر يرسم الزمن المفكك ورفض الخطية. فالزمن في القصيدة ليس زمنًا سرديًا، بل زمن دائري، متداخل، ومتقطع. ننتقل بين الفجر، الليل، الطفولة، الشيخوخة، دون أي ترتيب منطقي:

"القمر..

بردث عن أب مثل العجوز

الذي أجاد دورًا

حبٌ صار مهملًا"

القمر، وهو رمز زمني كوني، يتحول إلى كائن عجوز، ممثل، يؤدي دورًا أُعيد مرارًا. هنا يتم تفريغ الرمز من قدسيته، وتحويله إلى علامة مستهلكة، وهي رؤية ما بعد حداثية بامتياز.

ان المدينة، السوق، الشارع – الفضاء ما بعد الحداثي جميعها تعكس تحضر المدينة بوصفها فضاءً اغترابيًا، لا حميميًا: "وأعلن عن نفسه في سوق أعزل" والسوق هنا بلا حماية، بلا يقين، فضاء للتعرية لا للتبادل. كذلك يحضر “شارع لوليتا” كإشارة ثقافية.

المشـاهدات 9   تاريخ الإضافـة 20/01/2026   رقم المحتوى 69963
أضف تقييـم