شعرية قصيدة النثر بين الحداثة و التراث
![]() |
| شعرية قصيدة النثر بين الحداثة و التراث |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
* رسول عدنان ناقد و شاعر عراقي
تكتبت قصيدة النثر بنوعين من الشروط، تتعلق بالتقنية و التكنينك، و هذه الشروط هي من يرتقي بها الى مصافي الصعوبة، فهي في الحقيقة قصيدة صعبة بل أصعب أنواع الشعر، و هذه الشروط تنقسم إلى قسمين: القسم الأول يخص التقنية متمثل بالموسيقا ( الإنزياحات ) و القسم الثاني يخص التكنيك و أقصد ( السمات او الشروط ) القسم الأول التقنية و هو الإنزياحات، هنالك نوعان من الإنزاحات في قصيدة النثر: الأول هو إنزياح لفظي و فيه يتشكل مفهوم الإيقاع و قد عرّفتُ الإيقاع ب ( إنزياح يحتوي على طاقة فونيمية منخفضة، تستطيع تحسسه ولا تستطيع إدراكه ) ثانيا : إنزياح المعنى و فيه تكمن الطاقة الشعرية لقصيدة النثر، و بإتحاد الإنزياحين معا، تتشكل طاقة شعرية من الجملة النثرية، هذه الطاقة تتحوّل الى شعر حسب مفهوم او طريقة ألويسيوس برتران من خلال إعطاء الأولوية للتعبير عن المشاعر من خلال التركيز على نقل المشاعر بدلاً من سرد القصص، أو إلقاء المواعظ و الحكم، او البكاء على الأطلال، و لا تكتمل الشعرية في قصيدة النثر إلا مع القسم الثاني وهو التكنيك اي السمات او الشروط الأخرى و منها: * تكتب على شكل مقال او كتلة و قد تنزلق بعض أجزائها الى التشطير * تستخدم اللاغرضية اي لا تتحدد بأغراض معينة و العشوائية من حيث اختيار الألفاظ و الصور بشكل غير انسيابي * المجانيّة بمعنى اللازميّة و اللامكانية * المجاز و التكثيف الصوري و قصر الجمل بلا استرسال او اسهاب * استخدام الأقواس و الفراغات و علامات التنقيط اي كل ما يتعلق بسيميائية الشكل * تكتب بلا وزن و لا قافية ( ينظر كتاب رسول عدنان جماعة كركوك الحداثة الشعرية الثانية ) و من خلال إتحاد سمات قصيدة النثر مع الإنزياحين اللفظي ( الإيقاع ) و إنزياح المعنى ( الطاقة الشعرية ) تتحوّل هذه العناصر مجتمعة الى شعرية، و هذا ما يجعل من قصيدة النثر شعرا، و مثلما هنالك قدحا يقود الى النار، فهناك إيقاع في اللفظ يقود الى طاقة شعرية في المعنى بعد ان يتحدّ مع الشروط التي وضعها برتران و أوصى بها الى صاحبة المطبعة الذي طبع ديوانه ( جاسبار الليل )، او تلك التي عرفها ماكس جاكوب او وضحتها سوزان برنار في إطروحتها للدكتوارة ( قصيدة النثر من بودلير الى أيامنا ) و بعد اتحاد كل هذه العناصر سوف نصل الى تعريف بودلير الدقيق في ديوانه كآبة باريس (مَن منّا لم يحلم في لحظات طموحه بمعجزة نثر شعري، موسيقي بلا وزن ولا قافية، مرن وقوي بما يكفي ليتآلف مع نبضات الروح الغنائية وتموجات الحلم، وهو يلوي عنق الوعي ) لكن لأنّ القياس العربي القديم للشعر ظلّ حاضرا والى الآن، هو العامل الذي يوّلد الرفض لشعرية قصيدة النثر، لأنّ الأذن العربية اعتادت بل تربّت على سماع موسيقا عالية و هي الوزن الذي يحتوي على نوتات موسيقية صاخبة متمثلة بتفعيلات البحور و قوانين القافية التقليدية الحادة و الصاخبة أيضا، طيلة 16 قرنا خلت، و عندما يأتي نوع شعري ليس فيه ذلك الصخب الموسيقي، ترفضه الأذن العربية و تستنكره، و لا تنسجم معه من خلال عدم تقبله، لأنّ مفهوم الشعرية لديها هو مفهوم موسيقي أولا ثم نظمي ثانيا، و هذان العنصران غير متوفرين في قصيدة النثر والتي ليس فيها غير الإيقاع، و من هنا يأتي هذا الرفض العربي، او الإعتراض على مفهوم الشعرية في قصيدة النثر، و كأنّ القياس التقليديّ مقدّس و غير قابل للمساس به، خط أحمر لا يمكن تجاوزه، عندما درستُ الشعر الإنكليزي في جامعة فينكس عاصمة ولاية أريزونا الأمريكية، كنتُ لا اعرف شيء عن الوزن و القافية في الشعر الإنكليزي غيرعبر القياسات العربية، و بالتالي كانت المفاجأة كبيرة عليّ جدا، عندما اكتشفت إنّ الوزن في الشعر الإنكليزي يتمثل بأنّ تبدأ الجملة بحرف كبير Capital letter ثم Small letter و إذا احتوى البيت الشعري على أكثر من جملة أي هنالك فاصلة فيجب ان تبدأ الجملة التي تلي الفاصلة بحرف كبير اي Capital letter أما القافية بالنسبة لهم فهي عدم نهاية الجملة الشعرية لا بحر جر و لا بحرف عطف و لا بجملة مدوّرة، فمن أراد ان يكتب الشعر على الطريقة الإنكليزية، فعليه ان يلتزم بشروط الشعرية الإنكليزية، أمّا لماذا لم يلتزم وايلت وايتمان بهذه الشروط؟ و قد كتب ديوانه ( أوراق العشب ) Leaves of grass بلا وزن و لا قافية و لم يلتزم بأيّ من شروط الشعرية الإنكليزية! فالجواب بسيط جدا، و هو إن وايتمان لم يكتب ديوانه هذا باللغة الإنكليزية، بل كتبه باللغة الإمريكية و التي تمثل الإنكليزية الدارجة و التي تسقط بها غالبية القواعد، و بالتالي سقوط الوزن و القافية كان تحصيل حاصل و ليس عملا مقصودا من قبل وايتمان، هذا فيما يخص الشعر المنثور الذي كتبه وايتمان، أمّا فيما يخص قصيدة النثر، فمن أراد ان يكتبها، فعليه ان يلتزم بشروط الشعرية الفرنسية التي كُتبتْ بها قصيدة النثر، سواءا تلك التي كتبها برتران او بودلير او رامبو او مالارميه، ثم كيف نسلّم ان جميع الأشعار التي تكتب نثرا قد اكتسبت درجة الشعرية مثل الشعر المرسل، او الشعر المنثور، او الشعر الحر- و طبعا أنا لا أقصد به شعر التفعيلة قطعا-؟ و هذه الألوان من الشعر كلها تكتب نثرا، فلماذا حللنا عليها درجة الشعرية و حرّمناها على قصيدة النثر؟ رغم انّ ما توفر لقصيدة النثر من سمات او شروط لم يتوفر لبقية أنواع الأشعار التي تكتب نثرا!! فهي أصعب أنواع الشعر كما ذهب الناقد الدكتور عبد الله الغذامي، و انا أؤيده بهذا، و إنّما ما يكتب اليوم خطأ و جهلا تحت مسمى قصيدة النثر، لا علاقة له بقصيدة النثر أصلاً، و ما هو إلا خاطرة جديدة، و ليس شعرا، إنّ السبب في إشاعة هذا النوع من الخواطر هي ثلاثة أسباب : 1- جماعة مجلة شعر 2- أميّة مَن يتعاطون كتابة الشعر و الذين لا يعرفون المعنى الحقيقي و الجوهري و التأريخي لقصيدة النثر الفرنسية 3- أميّة هواة النقد وهم ليسوا نقادا و هم الغالبية التي تتسيّد المشهد النقدي، و من أراد أن ينفي الشعرية عن قصيدة النثر، فعليه اولاً عليه أن ينفي الشعرية عن كل ما يكتب شعرا من النثر مثل الشعر المرسل، او الشعر المنثور، او الشعر الحر!! و ثانيا عليه أن يثبت ذلك الترابط الجملي و المنطقي، والمعنوي والدلالي، والتقريري، و المباشرة، في الصياغة، علاقة قصيدة النثر بالتراث الشعري العربي (الجرجاني و النفري مثلا) هل هنالك شواهد في تراثنا العربي حول مفهوم الشعر الذي يكتب نثرا؟ او عن علاقة النثر بالشعر؟ الحقيقة الشواهد العربية كثيرة في التراث العربي، و في وعي الناقد العربي الحديث الذي حاول إعادة إنتاج المفاهيم التراثية و إبراز العلاقة بين الشعر و النثر ابتداء من القرنين الثالث و الرابع الهجري، و من النقاد المحدثين الذين أشاروا الى الترابط بين الشعر و النثر في التراث العربي، و هو ما أقاربه أنا مثلهما في ما يكتب الآن بمسيات، الشعر المنثور او قصيدة النثر، و هما الناقد اليمني د عبد العزيز المقالح و الناقد العراقي د حاتم الصكر، فالمقالح في إحدى اللقاءات التلفازية معه، سخر من إستيراد مفهوم قصيدة النثر، بل أرجع بداياتها الى التراث العربي حيث قال ( ليس كل تحوّل في الشعر تقليداً اوروبيا، و لا مسخا للإبداع العربي، فقصيدة النثر لها جذور عميقة في تراثنا، منذ القرنين الثالث و الرابع الهجريين، حيث تجلّت في أبهى صور الإبداع الشعري، و قد كتبها العديد من شعراء تلك الفترة أبرزهم النفري ) و في مكان آخر يقول ( سجنتنا الأوزان في قمقم الشكل فعفت عن الخيال البحور) و ايضا قوله ( أنا مع كل أشكال الشعر بشرط ان يكون شعرا ) أمّا الناقد العراقي د حاتم الصكر فيقول فيما يخص كتابات النفري ( بهذا تقدمت «المواقف والمخاطبات» لتكون مرجعاً شديد الحضور في مشغِّلات الكتابة الشعرية خاصة، حيث اكتشفت القراءات الشعرية اللاحقة والمتأخرة ما في النصوص من مزايا تحاذي البناء الشعري، رغم فقدانها للشكل الشعري المعروف بإيقاعاته الوزنية وشكله أو هيئته السطرية، وكذلك افتراقها عن طبيعة النثر الفنية القائمة على الترسل، والترابط الجملي المنطقي، والمعنوي والدلالي، والاستعانة بأدوات البلاغة الشائعة ) و ايضا قوله ( وعبور النصوص للأنواع منحَها الاقتراض الحر من مجاوِراتها النوعية، لاسيما الشعر الذي اقتربت منه النصوص حدّ التشجيع على عدِّها شعراً أو قصائد على وجه الدقة، ليس لها من تقاليد فنية مكررة قد تحيل إلى ما تنتمي له نثرياً، ) القدس العربي و لعل عبد القاهر الجرجاني صاحب نظرية النظم قد طبّق مفاهيم شعرية على نصوص نثرية من خلال تحليله الرائع لنماذج من القران الكريم، و بالطبع القرآن ليس شعرا، بل نثر احتوى في بعض أجزائه على السجع، و لا علاقة له بالشعر، لكن الجرجاني حاول تحليل النص القرآني عبر نظرية النظم، من حيث إستخدام المفردة من بابيّ التأليف و النظم، فقال (هل يقع في وهم أن تتفاضل الكلمتان المفردتان من غير أن ينظر الى مكان تقعان فيه من التأليف والنظم بأكثر من تكون هذه مألوفة مستعملة، وتلك غريبة وحشية، أو أن تكون حروف هذه أخف، وامتزاجها أحسن، وهل تجد أحداً يقول هذه اللفظة فصيحة إلا وهو يعتبر مكانها من النظم، وحسن ملاءمة معناها لمعاني جارتها؟وهل تشك إذا فكرت في قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) فتجلى لك منها الاعجاز، وبهرك الذي ترى وتسمع، أنك لم تجد ما وجدت من المزية الظاهرية إلا لأمر يرجع الى ارتباط هذه الكلمة بعضها ببعض، وإن لم يعرض لها الحسن والشرف الا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة وهكذا الى ان تستقر بها الى آخرها، وان الفضل نتاج ما بينها، وحصل من مجموعها وإن شككت فتأمل هل ترى لفظة منها بحيث لو أخذت من بين أخواتها وأفردت لأدت من الفصاحة من تؤديه وهي في مكانها من الآية؟ قل (ابلعي) واعتبرها وحدها من غير أن تنظر ما قبلها، ولا الى ما بعدها، وكذلك فاعتبر سائر ما يليها، وكيف بالشك في ذلك ومعلوم أن مبدأ العظمة في أن نوديت الأرض، ثم أمرت، ثم في أن كان النداء بيا دون أي نحو يا أيتها الأرض ثم إضافة الماء الى الكاف دون أن يقال ابلعي الماء، ثم ان اتبع نداء الأرض وأمرها بما هو شأنها نداء السماء وأمرها كذلك بما يخصها، ثم أن قيل وغيض الماء وجاء الفعل على صيغة فعل –المبني للمجهول- والدالة على أنه لم بعض إلا بأمر آمر، وقدرة قادر، ثم تأكيد ذلك وتقديره بقوله تعالى: (وقضي الأمر) ثم ذكر ما هو فائدة هذه الأمور وهو (استوت على الجودي) ثم إضمار السفينة قبل الذكر كما شرط الفخامة والدلالة على عظم الشأن ثم مقابلة قيل في الخاتمة بقيل في الفاتحة، افترى لشيء من هذه الخصائص التي تملؤها بالإعجاز روعة، وتحضرها عند تصورك هيبة تحيط بالنفس من أقطارها تعلقا باللفظ من حيث هو صوت مسموع، وحروف تتوالى في المنطق؟ أم كل ذلك لما بين معاني الألفاظ من الاتساق العجيب؟ ) دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص93 |
| المشـاهدات 45 تاريخ الإضافـة 30/01/2026 رقم المحتوى 70210 |
أخبار مشـابهة![]() |
ضبط مكتب يمارس التعامل بالقروض الربوية والعملة الاجنبية خارج الاطر القانونية في بعقوبة
بينهم ناشط انتحل صفة ضابط كبير.. تفكيك شبكة ابتزاز في نينوى |
![]() |
ارتفاع خامي البصرة 3% مع صعود اسعار النفط عالميا
بينها مشاريع في العراق.. لوك أويل الروسية تبيع أصولها الخارجية لشركة أميركية |
![]() |
المواجهة المرتقبة بين امريكا ايران.. إدارة للتوتر برسائل نارية متبادلة ومفرملة
|
![]() |
الإصلاح في المنظومة السياسية للعراق بين إرادة التغيير وتحديات الواقع
|
![]() |
دراسة علمية مشتركة بين الجامعة المستنصرية ووزارة الصحة البريطانية تبحث مدى التزام مرضى السكتة الدماغية بالعلاج الدوائي |
توقيـت بغداد









