| النـص :
تُعدّ الجامعة أولى وأهم المؤسسات التي تنهض بها الدولة لبناء الإنسان وتطوير قدراته العقلية والعلمية، فهي الحاضنة الأساسية لإنتاج المعرفة، وصقل الوعي، وإعداد الكفاءات القادرة على قيادة المجتمع في مختلف المجالات ولا يمكن تصور جامعة فاعلة ومؤثرة من دون أستاذ جامعي كفوء يكون محور العملية التعليمية وقلبها النابض بما يمتلكه من علم وخبرة وقدرة على التفكير والإبداع ونقل المعرفة وتنمية مهارات الطلبة العلمية والعملية.ويشكّل الأستاذ الجامعي الركيزة الجوهرية التي تقوم عليها رسالة الجامعة، إذ لا يقتصر دوره على إلقاء المحاضرات، بل يمتد ليشمل مجالات البحث العلمي، والإشراف الأكاديمي، والمشاركة في المؤتمرات، والإسهام في تقديم الحلول العلمية للمشكلات التي تواجه المجتمع والدولة ومن هنا، فإن أي مساس بمكانته المادية أو المعنوية ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الأداء الأكاديمي، وعلى جودة المخرجات التعليمية. وانطلاقًا من ذلك، فإن المخصصات الجامعية الممنوحة للأستاذ الجامعي بموجب القوانين النافذة لا تُعدّ امتيازًا أو منحة، بل تمثل ضمانة تشريعية تهدف إلى توفير الاستقرار الوظيفي والمعيشي للأستاذ الجامعي، بما يمكنه من التفرغ للبحث والإبداع العلمي. فالمساس بهذه المخصصات أو الانتقاص منها يؤدي حتمًا إلى إضعاف الملكة الإبداعية لدى الأستاذ الجامعي، ويؤثر سلبًا في مستوى البحث العلمي، الذي يُعدّ بدوره قوام تطور مؤسسات الدولة وأساس تقدمها العلمي والتقني، كما أن إضعاف البيئة الجامعية من الناحية المادية يفضي إلى نتائج أخطر، تتمثل في تراجع أداء المؤسسات الاستراتيجية في الدولة، لكونها تعتمد في تطورها على مخرجات التعليم العالي والبحث العلمي، فضلاً عن ذلك، فإن تقليص أو إلغاء المخصصات الجامعية يسهم في خلق بيئة جامعية طاردة للكفاءات، ويدفع العديد من الأساتذة وأصحاب الخبرات إلى الهجرة أو البحث عن فرص بديلة خارج الإطار الأكاديمي، الأمر الذي يشكل استنزافًا حقيقيًا للطاقات العلمية.وفي هذا السياق، جاء القرار رقم (40) لسنة 2026 الصادر عن المجلس الوزاري للاقتصاد ليُحدث حالة من الإرباك والقلق في الوسط الأكاديمي، لكونه مسّ مخصصات الخدمة الجامعية التي أُقرت بموجب قانون نافذ. ويثور هنا تساؤل قانوني جوهري: كيف لقرار إداري صادر عن جهة تنفيذية أن يُلغـي أو يُعطّل حقوقًا مالية مقررة بنص قانوني؟ إذ إن مبدأ المشروعية يقتضي خضوع القرارات الإدارية لأحكام القانون، لا العكس، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يُلغى حكم قانوني أو يُقيّد إلا بقانون مماثل له في المرتبة التشريعية.وأخيرًا، فإن الحفاظ على المخصصات الجامعية ليس دفاعًا عن فئة بعينها، بل هو دفاع عن مستقبل التعليم العالي، وعن البحث العلمي، وعن التنمية المستدامة للدولة فأي إصلاح اقتصادي حقيقي لا يمكن أن يتحقق على حساب العقل المنتج للمعرفة، ولا على حساب الأستاذ الجامعي الذي يُعدّ الاستثمار الحقيقي والأكثر ديمومة في بناء الدولة الحديثة.
|