الثلاثاء 2026/2/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
التربية بوصفها فعلاً ثقافيًا: كيف يصوغ المجتمع وعي أجياله؟
التربية بوصفها فعلاً ثقافيًا: كيف يصوغ المجتمع وعي أجياله؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. عصام البرّام
النـص :

 

 

 

تُعدّ التربية فعلاً ثقافيًا بامتياز، لأنها لا تنفصل عن السياق الاجتماعي الذي تنشأ فيه، ولا يمكن فهمها بمعزل عن منظومة القيم والمعاني والرموز التي يحملها المجتمع ويعيد إنتاجها عبر مؤسساته المختلفة. فالتربية ليست مجرد عملية نقل معرفة أو تلقين مهارات، بل هي في جوهرها فعل مقصود يهدف إلى تشكيل وعي الأجيال وصياغة نظرتهم إلى الذات والعالم والآخر. ومن هنا تصبح المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام والفضاءات الثقافية أدوات مركزية في بناء الإنسان، لا بوصفه متعلمًا فقط، بل بوصفه كائنًا اجتماعيًا وثقافيًا يتأثر ويؤثر في محيطه.عندما ننظر إلى التربية من زاوية ثقافية، ندرك أنها تعكس صورة المجتمع بقدر ما تسهم في إعادة تشكيله. فالقيم التي تُغرس في الطفل، واللغة التي يتعلم بها، وأنماط التفكير التي تُشجع أو تُقمع، كلها نتاج ثقافة سائدة تحدد ما هو مرغوب وما هو مرفوض، وما يُعدّ نجاحًا أو فشلًا. وهكذا تصبح التربية مرآة للمجتمع، تكشف أولوياته وتناقضاته وتطلعاته، وتُظهر في الوقت ذاته حدود وعيه بذاته وبمستقبله.المجتمع يصوغ وعي أجياله عبر التربية حين يحدد الأهداف التربوية التي يسعى إليها، سواء أكانت معلنة في السياسات والبرامج أم خفية في الممارسات اليومية. ففي المجتمعات التي تُعلي من قيمة التفكير النقدي، تُشجّع التربية على السؤال والحوار والبحث، بينما تميل المجتمعات التي تخشى التغيير إلى تربية تقوم على الطاعة والحفظ والتلقين. وبهذا المعنى، فإن نوع الإنسان الذي ينتجه النظام التربوي هو انعكاس مباشر لنوع المجتمع الذي يقف خلفه، بقيمه ومخاوفه وطموحاته.ولا يقتصر الفعل الثقافي للتربية على المحتوى المعرفي، بل يتجاوز ذلك إلى الأسلوب والعلاقات داخل الفضاء التربوي. فطريقة تعامل المعلم مع المتعلم، وشكل السلطة داخل المدرسة، ونمط التواصل بين الإدارة والطلاب، كلها رسائل ثقافية تُبث يوميًا وتترك أثرًا عميقًا في تشكيل الوعي. التربية التي تقوم على الاحترام والحوار تبني أفرادًا قادرين على المشاركة والمسؤولية، بينما التربية القائمة على القمع والتسلط تُنتج وعيًا هشًا أو خاضعًا أو متمردًا بلا بوصلة.تلعب الأسرة دورًا محوريًا في هذا الفعل الثقافي، لأنها الفضاء الأول الذي يتشكل فيه وعي الطفل. ففيها يتعلم اللغة الأولى، ويكتسب القيم الأساسية، ويتشرب أنماط السلوك والنظر إلى العالم. وحين تتكامل تربية الأسرة مع تربية المدرسة ضمن رؤية ثقافية مشتركة، يصبح تأثيرهما أعمق وأكثر انسجامًا. أما حين يحدث التناقض بين ما يُقال في المدرسة وما يُمارس في البيت، فإن وعي الطفل يتعرض للتشوش، وقد ينمو لديه نوع من الازدواجية القيمية التي تؤثر في علاقته بذاته وبمجتمعه.وسائل الإعلام بدورها أصبحت شريكًا أساسيًا في الفعل التربوي، سواء أكان هذا الدور مقصودًا أم غير ذلك. فالصورة والكلمة والرسالة الإعلامية تحمل مضامين ثقافية قوية، وتشارك في تشكيل الوعي الجمعي، خصوصًا لدى الأجيال الشابة. وحين لا يكون هناك وعي تربوي نقدي قادر على فرز هذه المضامين وتحليلها، تتحول التربية إلى ساحة صراع بين ثقافات متنافسة، وقد يجد المتعلم نفسه ممزقًا بين قيم متعارضة لا يملك أدوات فهمها أو التوفيق بينها.إن النظر إلى التربية بوصفها فعلاً ثقافيًا يفرض إعادة التفكير في المناهج الدراسية، ليس فقط من حيث محتواها، بل من حيث الفلسفة التي تقوم عليها. فالمناهج ليست نصوصًا محايدة، بل هي اختيار ثقافي يعكس رؤية معينة للإنسان والمجتمع والتاريخ. وما يتم تضمينه أو استبعاده من هذه المناهج يحدد إلى حد كبير نوع الوعي الذي يتشكل لدى المتعلمين. لذلك فإن أي إصلاح تربوي حقيقي لا يمكن أن ينجح إذا اقتصر على الجوانب التقنية، وتجاهل البعد الثقافي العميق للعملية التربوية.في المجتمعات التي تمر بتحولات سريعة، تزداد أهمية التربية كفعل ثقافي قادر على تحقيق التوازن بين الأصالة والتجديد. فالتحدي لا يكمن في الحفاظ على الهوية الثقافية بوصفها كيانًا جامدًا، بل في تمكين الأجيال من فهم هذه الهوية بوصفها عملية حية قابلة للتطور. والتربية الواعية هي التي تساعد المتعلم على الارتباط بجذوره الثقافية دون أن تُغلق عليه أبواب العالم، وعلى الانفتاح على الآخر دون أن يفقد ذاته.إن صياغة وعي الأجيال ليست عملية محايدة أو تلقائية، بل هي مسؤولية اجتماعية وأخلاقية تتطلب وعيًا جماعيًا بدور التربية وحدودها وإمكاناتها. فالمجتمع الذي يدرك أن التربية استثمار طويل الأمد في الإنسان، يتعامل معها بوصفها مشروعًا ثقافيًا شاملًا، لا مجرد قطاع خدمي. وفي هذا الإطار، يصبح المعلم مثقفًا عضويًا، لا ناقل معرفة فحسب، وتتحول المدرسة إلى فضاء للحوار وبناء المعنى، لا إلى مؤسسة للامتحان والتصنيف.في النهاية، يمكن القول إن التربية بوصفها فعلاً ثقافيًا هي الأداة الأعمق التي يمتلكها المجتمع لصياغة مستقبله. فمن خلالها تتشكل أنماط التفكير، وتتحدد منظومات القيم، ويُبنى الوعي القادر على الفعل والتغيير. وإذا أراد المجتمع أن ينهض، فعليه أن يبدأ من تربية تعي دورها الثقافي، وتتحمل مسؤوليتها في إعداد أجيال قادرة على فهم واقعها، ونقده، والمشاركة في بنائه على أسس إنسانية وثقافية أكثر وعيًا ونضجًا.

المشـاهدات 29   تاريخ الإضافـة 02/02/2026   رقم المحتوى 70292
أضف تقييـم