الثلاثاء 2026/2/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
الدبلوماسية خارج المؤسسة: مبعوثو ترامب واختزال القرار الأمريكي في الملف العراقي
الدبلوماسية خارج المؤسسة: مبعوثو ترامب واختزال القرار الأمريكي في الملف العراقي
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب د. حيدر صبخي الجوراني
النـص :

 

 

 

على مدى أكثر من عقدين من الزمن، شكّلت الأمم المتحدة، من خلال بعثتها في العراق ورئيسها، إحدى القنوات المباشرة وغير المباشرة التي كانت تُستخدم في إدارة التفاعل الدولي مع الحكومات العراقية المتعاقبة، سواء في مرحلة ما بعد 2003 أو خلال مراحل التحول السياسي والأمني اللاحقة. ومع إنهاء هذا الدور المباشر للأمم المتحدة، كان من المفترض أن تعود العلاقات العراقية-الأمريكية إلى مسارها الدبلوماسي التقليدي القائم على عمل السفارات، والبعثات الرسمية، والقنوات المؤسسية المعروفة في النظام السياسي الأمريكي.إلا أن ما حدث فعليًا، وخصوصًا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثّل خروجًا واضحًا عن هذا النمط المؤسسي الراسخ في السياسة الخارجية الأمريكية. فقد اعتمدت إدارة ترامب قناة موازية للتواصل والتدخل المباشر في الشأن العراقي، تحت عنوان مبعوث الرئيس وممثله الخاص، متجاوزةً بذلك السفير الأمريكي والبعثة الدبلوماسية الرسمية، التي تُعدّ، وفق الأعراف الدولية والقانون الدبلوماسي، الجهة المخولة بإدارة العلاقات الثنائية، ونقل الرسائل السياسية، وتنسيق المواقف، وإبرام التفاهمات.وكان أول تجليات هذا النهج تعيين شخص يُدعى سافايا مبعوثًا خاصًا للرئيس ترامب. هذا المبعوث وجد، بفعل طبيعة التكليف المباشر وغياب الرقابة المؤسسية، أبواب عدد من صُنّاع القرار في العراق مفتوحة أمامه، لا بصفته ممثلًا لدولة ذات مؤسسات، بل بوصفه قناة شخصية توصل مباشرة إلى الرئيس الأمريكي. وقد أدى هذا الوضع إلى خلق بيئة خصبة للوشاية، والتقرب غير المشروع، والتلاعب بالمواقف، فضلًا عن شبهات الفساد المالي والصفقات المشبوهة التي أحاطت بدوره، وأفقدت هذه القناة أي مشروعية سياسية أو أخلاقية.هذا السلوك المشوّه أدخل العراق حكومةً وشعبًا ومعه شريحة واسعة من الطبقة السياسية التي آثرت النأي بنفسها عن هذه القناة، في دائرة من القلق والريبة، وألقى بظلال ثقيلة على طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن. ولم يكن آخر تجليات هذا الارتباك ما صدر عن الرئيس ترامب من مواقف وتصريحات، كان أبرزها تغريدته بحق السيد نوري المالكي، والتي عكست تخبطًا واضحًا في إدارة الملف العراقي، وأجبرت مؤسسات ودوائر صنع القرار الأمريكية على الخروج لتوضيح مواقفها الرسمية، والتأكيد على عدم التدخل في الشأن الداخلي العراقي، فضلًا عن الموقف السلبي للرأي العام الأمريكي تجاه هذه الإملاءات والتدخلات المباشرة.وفي محاولة لاحتواء هذا الفشل السياسي، لجأ الرئيس ترامب إلى إنهاء مهمة سافايا، الذي بات عبئًا سياسيًا وأخلاقيًا، واستبداله بشخصية أخرى هي توم باراك، المعروف بخطابه الفوقي ونزعته العدائية تجاه العرب والمسلمين، وتعاطيه مع الإدارات العربية بمنطق الشروط والإملاءات لا بمنطق الشراكة والاحترام المتبادل. إن اختيار شخصية تحمل هذا الإرث الفكري والسياسي لمعالجة ملفات حساسة ومعقدة كالعراق، لا يمكن أن يُفضي في تقديرنا إلى نتائج إيجابية، بل يهدد بتعميق فجوة عدم الثقة، ويُقوّض أي إمكانية لبناء تفاهمات مستدامة.إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في الأشخاص، بل في فلسفة العمل ذاتها. فاختزال الدبلوماسية الأمريكية، المعروفة بعراقة مؤسساتها، ورسوخ نمطها الإداري، وحوكمة ملفاتها الدولية والإقليمية، بشخص لا يحمل صفة مؤسسية واضحة، يمثل انحرافًا خطيرًا عن تقاليد الدولة الأمريكية. فالسياسة الخارجية في الولايات المتحدة تُدار تقليديًا عبر مؤسسات، لا عبر أمزجة أفراد، وعبر أنظمة عمل واضحة، لا عبر قنوات شخصية تفتقر إلى الشفافية والمساءلة.إن تقزيم دور السفارات والبعثات الرسمية، وتهميش العمل الدبلوماسي المؤسسي، لا يضر فقط بصورة الولايات المتحدة ومصداقيتها، بل ينعكس سلبًا على استقرار الدول المعنية، وفي مقدمتها العراق، ويُسهم في إرباك المشهد الإقليمي برمّته. فالعلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الصفقات الآنية، ولا تُبنى على نزعات شخصية، بل على مصالح متبادلة تُصاغ داخل مؤسسات وتُنفّذ وفق قواعد القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية المستقرة.وعليه، فإن أي مقاربة جادة للعلاقة بين بغداد وواشنطن، لا بد أن تعود إلى أصلها الطبيعي: العمل المؤسسي، واحترام السيادة، وتفعيل القنوات الدبلوماسية الرسمية، بعيدًا عن اختزال القرار، أو شخصنة السياسة، أو تحويل ملفات الدول إلى رهائن بيد مبعوثين لا يمثلون إلا أنفسهم أكثر مما يمثلون الدولة التي يدّعون التحدث باسمها.

المشـاهدات 30   تاريخ الإضافـة 02/02/2026   رقم المحتوى 70295
أضف تقييـم