أزمة القيادة ومستقبلها
الجزء الأول: من وهم الثبات إلى الاعتراف بالحركة![]() |
| أزمة القيادة ومستقبلها الجزء الأول: من وهم الثبات إلى الاعتراف بالحركة |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص :
في السياسة كما في الحياة، نميل إلى تقديس ما اعتدناه. نعامل القيادة وكأنها حقيقة مكتملة، وُلدت كاملة النمو، لا يطالها التحول ولا تمسّها يد الزمن. نبحث عن "القائد" كما لو كنا نفتش عن صيغة أزلية محفوظة في كتاب قديم.
وهنا تبدأ الحكاية… وهنا تبدأ الأزمة.
القيادة ليست قدراً منزلاً، ولا قالباً ثابتاً يصلح لكل العصور. إنها كائن تاريخي، يتشكل في سياق، ويتبدل بتبدله، وربما يختفي حين يتغير المسرح الذي وُلد فيه. كما انطفأت إمبراطوريات ظنت نفسها أبدية، وكما تبدلت صورة الدولة الحديثة، وتحولت العائلة، وتغير معنى التعليم، كذلك تتغير القيادة.
الخطأ الفادح أننا نصمّم برامج إعداد القادة وكأننا نبني فوق صخر لا يتزعزع. نضع المناهج، نحصي المهارات، نُعيد تدوير النظريات، ثم نطمئن إلى أننا أنجزنا المهمة. غير أن الأرض نفسها تتحرك تحت أقدامنا. نحن في الحقيقة نبني فوق رمال سياسية واقتصادية وتقنية تتحول كل يوم.
العالم لا يتغير فحسب؛ بل يغيّر قواعد التغيير ذاته. الأدوار الاجتماعية تتبدل. مفهوم السلطة يتآكل ويُعاد تعريفه. مصادر التأثير لم تعد حكراً على موقع رسمي أو لقب وظيفي.
انتقلنا من هرم صلب تتدفق فيه الأوامر من الأعلى إلى الأسفل، إلى شبكات متداخلة تتوزع فيها القوة بين فاعلين متعددين. من زعامة فردية تتغذى على الكاريزما، إلى بيئات رقمية تصنع رأياً عاماً في لحظات. من قرار سياسي يُصاغ خلف أبواب مغلقة، إلى قرار تتبعه البيانات والخوارزميات، وتضغط عليه سرعة المنصات.
لم تعد القيادة وحدها تمسك بإيقاع التحول؛ التكنولوجيا باتت تضبط الساعة، وتفرض الإيقاع، وتختبر قدرة القائد على التكيّف. وفي عالم كهذا، يصبح السؤال مؤلماً لكنه ضروري: هل نُعِدّ قادة لواقع يتلاشى، أم لواقع يتشكل؟ هل ندرّبهم على إدارة ما نعرف، أم على التعامل مع ما لم يولد بعد؟
هنا يتكشف جوهر المسألة: القيادة ظاهرة تاريخية، وليست تعريفاً مدرسياً جامداً. وحين نتجاهل هذه الحقيقة، نعيد إنتاج الأزمة نفسها بأسماء جديدة. نخرّج قادة متمكنين من أدوات الأمس، ثم نطالبهم بحلول لمعضلات الغد.
الاستشراف، إذن، ليس ترفاً فكرياً ولا لعبة نخبوية. إنه ضرورة سياسية. التفكير في المستقبل لا يعني ادعاء معرفته، بل الاعتراف بتعدده. المستقبل ليس طريقاً مستقيماً، بل شبكة مسارات متفرعة، مليئة بالاحتمالات، السيناريوهات، والتحولات المفاجئة. ومن لا يضع هذا التعدد في صلب تخطيطه، سيجد نفسه يدير الأزمات بدل أن يصنع الاتجاه.
إدخال البعد الاستشرافي في هندسة إعداد القادة لم يعد خياراً تجميلياً. إنه شرط عقلاني لتفادي تكرار الأخطاء. إعداد القادة دون رؤية مستقبلية يعني صناعة أزمة مؤجلة: نمنحهم أدوات جاهزة لعالم متغير، ثم نندهش حين يعجزون عن مواكبة التحول.
القيادة بعد الغد لن تكون امتداداً آلياً لما نعرفه اليوم. ستتشكل تحت ضغط التقنية، تحولات القيم، اضطراب السياسة الدولية، وصعود فاعلين جدد خارج الأطر التقليدية. ومن لا يعترف بأن القيادة كائن تاريخي، سيتعامل معها كتمثال رخامي… بينما هي في الحقيقة نهر يتغير.
هنا تبدأ أزمة القيادة: حين نعتقد أن الثبات ممكن. نحن نؤسس فهمنا للقيادة على وهم أن الأمور ثابتة، وأن القائد يجب أن يكون دائماً نفس الشخص بنفس الصفات، وأن السلطة لا تتغير. هذه الطريقة في التفكير تخلق الأزمة قبل أن تبدأ، لأنها تتجاهل الحقيقة الأساسية: كل شيء حولنا يتحرك ويتغير. |
| المشـاهدات 17 تاريخ الإضافـة 10/02/2026 رقم المحتوى 70442 |
توقيـت بغداد









