السبت 2026/2/14 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
السماء صافية
بغداد 17.95 مئويـة
نيوز بار
منذر عبد الحر.. والمفارقة الأسلوبية في (تلك أنوثة الصباح)
منذر عبد الحر.. والمفارقة الأسلوبية في (تلك أنوثة الصباح)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

 

ناصر أبو  عون

يقول منذر عبد الحر:(يهيء الحطب انتظاره، ويرتدي نداءات الحريق وأنا ... أوجز النار وأدخلُ أسئلتي هدنتها).. سامحك الله يا منذر.. ليلتان ونصف قمرٍ خجول قضيتهما، وأنا أدق باب هذه القصيدة الطويلة، وأتململ بحثًا عن منهج يروي ظمأ التأويل؛ ففي الليلة الأولى تجرعتُ كأسا من حانة (الأسلوبية اللغويّة) مضمخًا بالدخان، ومُضَبَّبًا بغيمات عِجاف ناولني إياه (بار شارلي)؛ ولكني أفقت على تعبيراتك اللغويّة ومشاعرك الفيَّاضة، وفي الليلة الثانية ذهبت إلى حانة (ليوسبيتزر) الواقعة في الجهة المقابلة في ميدان القصيدة، وطلبتُ سطْلًا مملوءًا حتى الحواف من حالتك النفسيّة التي مزجتَها بأسلوبك، وفي منتصف الليلة الأخيرة لم يكن من بُدٍّ فاستدفأت على حطب الكلمات، وتأمّلتُ شرر الدلالات المتصاعد من بطن المدفأة.

إجمالا حتى لا نُدخِل القاريء معنا في صحراء من تيه الدلالات؛ يمكننا القول بأنّ قصيدة (تلك أنوثة الصباح) من حيث الدلالة: تتأسَّسُ على ثنائياتٍ متقابلةٍ (الصباح/الليل، الطيور/المدينة، الصعود/السقوط، النار/الماء)، وهذا الفعل التأسيسيّ دون قصد من الشاعر منح القصيدة عمقًا رمزيًّا مفتوحًا على مصراعية نحو قراءةٍ وجوديَّة.

فإذا ما حاولنا استقراء الحالة النفسية للشاعر، سنكتشف كلمّا توغّلنا وتجوّلنا بين السطور ذاتًا متشظية ومنقسمة، ومأزومة، معلقة على مقصلة الوعي وتتأرجحُ بين الحلمِ والاحتراق. أمّا على صعيد البناء اللغوي؛ ستتبدّى القصيدة مشعّة ومشحونة بموجات من الانفعالات الحادّة المبنيّة على رُزنامة من الصور الاستعارية الكثيفة، وتتوسّل بالتقطيعٍ الإيقاعيٍّ لتعكس حالة القلق الوجوديّ. وبناءً على ما سبق، تتكشّف لنا حداثوية القصيدة وأبعادها الرمزية الوجودية، بداية من الاتكاء على التكثيفِ الصُّوريِّ والانزياحِات اللُّغويِّة، سعيًا لتجسيد تجربة الاغتراب الداخليّ الحادّ، الذي يعصف بالشاعر؛ حيث تتحوَّل (أُنُوثةُ الصباح) إلى مفارقة مدهشة بين متضادين: وعد البدايات وقسوة الواقع.

وتطبيقًا على الأسلوبية اللغويّة عند (شارل بالي) وبإعمال فكرة الاستبطان الذاتيّ والتأمّل طويلًا في القصيدة؛ سنكتشف تِبَاعًا أن أسلوب منذر عبدالحر من مطلع القصيدة إلى منتهاها يبثّ في القاريء من داخله حالة انفعاليّة مكثّفة، عبر توظيف الصور المتنافرة والحادة؛ ليكشف لنا عن ذاتٍ مأزومة، تعيش حالة وجدانية سائلة.

ومن ثَمّ نجد التوتر الوجدانيّ يُهيمن على سائر مسارات القصيدة ويتخلل بين تقاطعاتها، بل نؤكد هنا أنّ الشاعر منذر عبدالحر يتكيء على ناصية اللغة المشحونة بطيف واسع من الدلالات، ويتخذ منها أداةً يبثُّ عبرها انفعالاته، ليصل في الأخير بنفسه والقاريء معًا إلى سدرة المنتهى من الذروة العاطفية، ويرتكز في تحقيق هذا الهدف على اختياراته للألفاظ المُنتقاة بعناية، وبناء معمار القصيدة على إيقاع داخليّ مُحكم، وبراعة مقصودة لذاتها في تركيب الصور الشعريّة المبتكرة في (أربع مسارات)، هي: (أ)[الصور الاستعارية المكثفة]؛ لأنه يدرك أنّ اللغة الشعريّة ليست معنيّة بوصف الواقع، بل تسعى إلى نسخه ونقله وهضمه ثم استخراجه في حالة شعورية فيّاضة بالرموز والشّفيرات، المشحونة بالتمرّد والثورة على الألم والهزائم والانكسارات، ومنها قوله:"(أوجز النار)، (سكاكين المدينة)، (دفعت قلبي إلى الثلج)، (دلتا الجرح)"،و(ب)[بناء تراكيبه على توتر انفعالي حاد التراكيب] اعتمادًا على الأساليب الإنشائية بُغية التعبير عن ثورته واحتجاجه الذي يفور داخل نفسه المأزومة، واستمطار الحيرة، وإطفاء نيران التردّد التي تعتمل داخل تنّور روحه؛ وذلك من خلال ارتكازه على (الاستفهام والنداء)، كما في قوله: "(أوصيك.. أيها المتكسّر فيّ/ هل أقضم براعم الحزن/ هل اكترث بالصعود)"، و(ج) [معهجمه العاطفي]؛ حيث استطاع منذر عبدالحر عبر هذا المعجم الثريّ استيلاد قلقه الوجودي، والتأسيس لنبرة قاتمة وسوداويّة، تتصاعد حدّتها في تعبيره عن انكساره وذلك من خلال ألفاظ:"(الرماد)، و(الحريق)، و(المنفى)، و(الحرب)، و(الجرح)، و(النزيف)، و(الموت)، و(القلق)، و(سكاكين المدينة)، و(الغربة)، و(الثلج)"، و(د)[الإيجاز بالحذف والإيقاع المتقطع]، وذلك من خلال براعته في ترك مساحات لُغويّة تعاونها مساحات من البياض في طبوغرافيا الورق وتوظيفها كعلامة دلالية وتعبيرية عن حالة الصمت التي تجتاحه، وأيضًا للإيحاء من خلالها للقاريء بالانكسار والتردد.

وبتطبيق المنهج الأسلوبيّ عند (ليو سبيتزر) على قصيدة (تلك أنوثة الصباح) لاحظنا كيف كان أسلوب منذر عبدالحر انعكاسًا لحالته النفسية، بل كان أشبه بالمرآة التي تعكس رؤية نفسية عميقة ومتعالية، وفيها يظهر الأسلوب كحالة تجلٍّ لانحراف لغويّ، يكشفُ لنا عن ذات مأزومة، تعيش صراعًا وجوديًّا بين الحلمِ والانكسار، وبين الرغبةِ في الانعتاقِ والاستسلامِ لواقعٍ ضاغط .وبناءً على ما تقدم يمكننا تسليط الضوء على أربع ملامح نفسيَّة عاشها منذر عبدالحر في هذه القصيدة؛ هي:(أ) [المدينة فضاء معادٍ ولا تصالح معها]، وهي هنا ليست مكانًا فيزيائيا، بل تظهر لنا على شكل كيان ضاغط وخانق، وترمز للاغتراب، وتتكرر كقوة جارحة، في قوله:(المدينة الفائرة)، و(دلتا الجرح)، و(سكاكين المدينة). (ب) [تتعدّد الأصوات وتتشظي الذات]، حيث تتبدّى لنا الذات الشاعرة منقسمة؛ فتارةً مكسورة ومنكفئة على نفسها، وتارةً مُسيطرة وآمرة، تعكس الصراع المحتد داخل نفس الشاعر، وفي صورة أخيرة تعلن عن رغبة الشاعر المحمومة في الخلاص، ونلحظ هذا من خلال توظيفه (المنولوج/ الحوار الداخلي)، كما في قوله:(أوصيك.. أيها المتكسِّر). (ج) [توتر حاد بين الصعود والسقوط]، ويظهر هذا التوتر من خلال التكرار الذي يتبدّى من خلال ثيمة وجوديّة حائرة بين الإرادة والانطفاء، والزهد والطموح، حيث يبدأ القصيدة بقوله:(لم أكترث بالصعود)، وينهي القصيدة بالسؤال:(هل أكترث بالصعود). (د)[التحليق ورمزية الطيور]، ونجد ذلك من توظيف مفردة الطيور للتعبير عن توقه للانفلات من القيود الاجتماعية والتحليق بعيدًا بجناحين لطائر فينيق(تلك أنوثة الصباح) غير أننا لاحظنا انهيار حلم الشاعر، ويأسه من تحقيق أهدافه؛ فإذا كانت الطيور ترمز للحرية، والرغبة في الانعتاق؛ إلا أنّ الشاعر يعلنها صريحة(تعبتُ من الطيور).

وعلى صعيد الأسلوبية الوظيفية والدلالية نجد قصيدة (تلك أنوثة الصباح) تتأسس على شبكة من الحقول والدلالات، يمكن رصدها في خمسة مواضع:(أ)[حقل النار والاحتراق] للدلالة على الألم المُمِضّ والرغبة العارمة في التطهّر، والإيحاء بالاشتعال والوخز؛ من خلال مفردات:(الحريق، الاشتعال، الحطب، النار، الفحيح، سيول القنافذ). (ب) [حقل الجرح والنزيف]، والوظيفة الدلالية لهذا الحقل تعكس رغبة الشاعر في تكريسُ الإحساسِ بالعنف الخارجيّ والداخليّ، من خلال تعبيره بمفردات (النزيف، الجرح، دلتا الجرح، سكاكين، نصال الظهيرة). (ج)[حقل البحر والماء]، ومن خلال هذا الحقل نكتشف الحدود الفاصلة بين التطهير والخطر الكامن؛ فالماء ليس يوحي بالصفاء، بل يعكس حدّة وشفرته القاطعة مثل حدّ السيف. (د)[حقل الطفولة والأنوثة]، وهو حقل يُعبّر عن البراءة والأحلام النقية، وإن كان يحمل في ذاته تضادًا مع الحقول القاتمة إلا أنّه يتعرّض للانكسار والمصادرة دائمًا، ويظهر في قول الشاعر:(أنوثة الصباح، غمّازة الصبية، مجسات طفولتي، مراهقات الصباح). (هـ)[التكرار كأداة دلالية] فقد لاحظنا من خلاله دوران الذات الشاعرة في فَلَكٍ وجوديّ دائريّ مغلق، نشأ من التكرار، ويمكن رصده في (تكرار اليوم الداكن، تكرار الطيور، تكرار الصعود في البداية والنهاية).

المشـاهدات 23   تاريخ الإضافـة 14/02/2026   رقم المحتوى 70507
أضف تقييـم