وحدة المشروع الروائي عند شوقي كريم حسن
![]() |
| وحدة المشروع الروائي عند شوقي كريم حسن |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
الناقد عبد العزيز الناصري قراءة تكاملية في (شروكية – خوشية – هتلية) وتحول البطل بين الهامش والتمرد والبعد الإنساني لا يمكن مقاربة تجربة شوقي كريم حسن الروائية بوصفها نصوصًا منفصلة أو عوالم مغلقة على ذواتها، بل بوصفها مشروعًا سرديًا متكاملًا، تتنامى داخله الشخصية الروائية كما تنمو الكائنات الحية، من طور إلى طور، ومن وعي أولي بالهامش إلى تمرد على شروطه، ثم إلى تأمل وجودي في معنى الإنسان والسلطة والتاريخ. وتشكّل ثلاثية شروكية وخوشية وهتلية البنية العميقة لهذا المشروع، حيث تتكرر الثيمة وتتحول، وتبقى الروح واحدة وإن اختلفت الأقنعة. في شروكية يتكوّن البطل بوصفه كائنًا مسحوقًا بالتاريخ والمكان. القرية، الفقر، السلطة الغامضة، الذاكرة الجمعية المثقلة بالخسارات، كلها تشكّل وعيًا مأزومًا، لا يملك أدوات المواجهة بقدر ما يملك حساسية عالية تجاه الظلم. هنا يتجسد “الإنسان الهامشي” الذي لا يُقصى جسديًا فقط، بل يُقصى رمزيًا من المعنى، من الاعتراف، من الحق في أن يكون فاعلًا في مسار حياته. اللغة في هذا المستوى لغة قريبة من الأرض، مشبعة باللهجة والنبض الشعبي، وكأن السرد نفسه ينتمي إلى طبقة مسحوقة، يتكلم بلسانها، ويعيد بناء عالمها من الداخل لا من علٍ. غير أن هذا الهامش لا يبقى في حالة سكون. في الخوشية يحدث التحول الأهم: من الضحية الصامتة إلى المتمرّد، من الانكسار إلى القسوة، من انتظار العدالة إلى صناعتها بالقوة. هنا تظهر شخصيات “الشقاوات”، بوصفهم خارجين عن القانون، رجالًا اتخذوا من المشاكسة واستعمال العنف وسيلة لفرض حضورهم في عالم لا يعترف إلا بالقوة. إنهم أبناء الفقر والحرمان، لكنهم أيضًا أبناء زمن سياسي مضطرب، ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث تشابكت السلطة بالأجهزة القمعية، وتحوّل الشارع إلى ساحة صراع غير معلن. غير أن شوقي كريم حسن لا يرسم هؤلاء بوصفهم نماذج إجرامية نمطية، بل بوصفهم ذواتًا مركبة. فالشقاوة في الخوشية ليست مجرد سلوك عدواني، بل رد فعل على بنية قهر أوسع. إنهم يتمردون على القيم السائدة حينًا، ويتواطؤون مع السلطة حينًا آخر، وقد يُستَثمرون في قمع أعدائها، لكنهم في العمق يحملون بُعدًا إنسانيًا لا يمكن إلغاؤه. فهم يقفون، في مواقف كثيرة، إلى جانب الفقراء والمهمشين، يدافعون عن الضعفاء، أو ينحازون إلى نوع من “العدالة الشعبية” غير المكتوبة، تلك التي تنبع من الإحساس الفطري بالظلم، لا من نصوص القانون. بهذا المعنى، تتحول شخصية الشقاوة إلى مرآة مزدوجة: مرآة للقهر الذي أنجبها، ومرآة للعنف الذي قد تعيد إنتاجه. وهي في الوقت ذاته رمز للتمرد الكامن في المجتمع، حين تسدّ أمامه سبل التعبير المشروع. ويُلمح القارئ، من خلال هذه الشخصيات، إسقاطًا ذكيًا على بنى السلطة نفسها؛ فليس كل قاهرٍ بالضرورة آتيًا من الهامش، بل قد يكون من المتنفذين الذين يستثمرون ضعف الناس وينهبون ثرواتهم، كما فعلت أنظمة وسياسيون تعاقبوا على حكم هذا الشعب المرهق. وهنا تتسع الدلالة: فالمسحوق ليس دائمًا فقيرًا، بل قد يكون وطنًا بأكمله، والشقاوة قد تكون فردًا في الزقاق، أو سلطة كاملة في قصر. في هتلية يبلغ هذا المسار ذروته الرمزية والوجودية. فالبطل، بعد أن جرّب موقع الضحية وموقع المتمرّد، يبدأ في مساءلة المعنى نفسه: معنى القوة، ومعنى العدالة، ومعنى أن يكون الإنسان محكومًا بتاريخ لم يصنعه بالكامل. تتخفف اللغة هنا من واقعيتها المباشرة، وتميل إلى الرمز، إلى الإيحاء، إلى بناء فضاء سردي أقرب إلى المتاهة النفسية. المكان لم يعد مجرد حيّ أو مدينة، بل صار حالة، والذاكرة لم تعد سردًا لوقائع، بل سؤالًا عن جدوى التذكّر ذاته. في هذا الطور، يتجلى ما يمكن تسميته بـ”الوعي الأخلاقي” في مشروع شوقي كريم حسن. فالبطل، أيًّا كان قناعه الاجتماعي، يظل مشدودًا إلى فكرة العدالة، حتى وهو يشكّ في إمكان تحققها. إنه وعي لا يبرّئ الضحية تمامًا، ولا يدين الجلاد بصورة مطلقة، بل يكشف البنية التي تنتج الاثنين معًا. ومن هنا تنبع فرادة التجربة: الشخصيات ليست أدوات أيديولوجية، بل كائنات مأزومة، تتأرجح بين الخير والشر، بين التعاطف والقسوة، بين الانكسار والبطش. إن وحدة المشروع الروائي عند شوقي كريم حسن تتجلى إذن في هذا المسار التحولي: من الهامش الصامت في شروكية، إلى التمرد العنيف المشوب بإنسانية في الخوشية، إلى القلق الوجودي الرمزي في هتلية. وهو مسار لا يصف تطور فرد فحسب، بل يرسم سيرة مجتمع كامل، عاش القهر، فتمرّد، ثم راح يتساءل عن جدوى كل هذا الألم. ولعل القيمة الأعمق في هذا المشروع تكمن في أنه لا يكتفي بإدانة السلطة أو تمجيد الهامش، بل يكشف العلاقة الجدلية بينهما. فالسلطة قد تخلق الشقاوة، والشقاوة قد تعيد إنتاج منطق السلطة، والضحية قد تتحول، في لحظة ما، إلى جلاد. وفي قلب هذه الدائرة يقف الإنسان، بضعفه وقوته، بخوفه وجرأته، محاولًا أن يحفظ ما تبقى من إنسانيته. بهذا المعنى، لا يكتب شوقي كريم حسن عن شخصيات معزولة، بل عن مصير، وعن بنية ظلم تتكرر، وعن سؤال مفتوح: كيف يمكن للإنسان، في زمن القمع والتحولات العنيفة، أن يبقى وفيًا لجوهره الإنساني، حتى وهو مضطر إلى حمل القسوة سلاحًا أو قناعًا؟ تلك هي الوحدة العميقة التي تشدّ رواياته بعضها إلى بعض، وتجعلها فصولًا في ملحمة سردية واحدة، عنوانها الكبير: الإنسان في مواجهة التاريخ. |
| المشـاهدات 44 تاريخ الإضافـة 14/02/2026 رقم المحتوى 70511 |
أخبار مشـابهة![]() |
نحوَ وحدة العمائم .!!
|
![]() |
بيت الحكمة بالشارقة يحتضن حفل تكريم الفائزين بجائزة شمس للمحتوى العربي
|
![]() |
تكريم عراقي في اختتام من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة بالقاهرة |
![]() |
استرداد 200 مليار دينار من المتجاوزين خلال عامين
العمل تلزم المتجاوزين بجلب كفيل عند استرداد أموال رواتب الحماية |
![]() |
المظاهر والملامح عند كل مدرسة
تجليات تأثير المدارس المسرحية الغربية في المسرح العربي |
توقيـت بغداد









