الأربعاء 2026/2/18 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 16.95 مئويـة
نيوز بار
محنة الأوبئة في النساي للروائي العراقي يوسف جابر المحسن
محنة الأوبئة في النساي للروائي العراقي يوسف جابر المحسن
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

حسن الموسوي

روائي و ناقد

 

يقدم لنا الروائي يوسف جابر المحسن من خلال روايته النساي ثيمة جديدة و غريبة ، و النساي رواية متخيلة و تصنف من روايات الغرائبي و العجائبي .

و { النص العجائبي منفتح على التخيل الذي يسمح بخلق صور حسية أو فكرية تختلف عن الواقع لكنها في الوقت نفسه تعبر عنه ، و بذلك يكون قريبا من الذاكرة التي تنطلق من الواقعي نحو المتخيل لتأكيد المفارقة و إبراز التناقض } .

و الرواية رمزية أيضا ، و الغاية من الرمزية في الرواية هي عدم مساءلة الكاتب عن أفكاره كونه لا يمرر أفكاره  بصورة مباشرة .

العنوان من العتبات النصية و يعرف على أنه العتبة النصية الأولى و هو المدخل إلى المتن السردي، و يعرف أيضا{ مجموع العلامات اللسانية، كلمات مفردة، جمل، نص التي يمكن أن تدرج على رأس نص لتحدده و تدل على محتواه العام وتعرف الجمهور بقراءته } .

الغلاف من العتبات النصية أيضا، وفيه نجد صورة لرأس انساس مشقوق بصورة كبيرة ، فيما خرجت الطيور من هذا الشق و حلقت بعيدا في دلالة على هجرة الذاكرة ، لكن المفارقة هل لهجرة الذاكرة دلالة على بقاء نوع و جنس الإنسان مثلما تفعل الطيور المهاجرة حينما تحافظ على جنسها بواسطة الهجرة .

و يشكل الغلاف خطابا بصريا لأن الصورة مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمتخيل، كما أن الصورة تؤثر على المتلقي وتجعله يحلل ويتخيل مكونات المتن السردي

المقدمة من العتبات النصية أيضا{ نعم لدينا ما يكفي من الميتات التي لم نبصرها كي نحياها ، فالهواء الذي لا يرى هو أبلغ صور الحرية وضوحا } .

الإهداء من العتبات النصية{ إليها / بعد مئة عام / من التوق } .

كتبت هذه الرواية بطريقة التسلسل المعكوس ، حيث تكون البداية من رقم 100 وصولا الى الرقم 1 في نهاية الرواية ، وهذا أسلوب يعتمد فيه الكاتب على المغايرة و عدم استخدام المألوف . 

تعتمد ثيمة هذه الرواية على إصابة اهالي القرية بداء النسيان ، لذلك فهم و لضرورة التعايش مع واقعهم الجديد فقد عمدوا إلى إيجاد طريقة جديدة للتغلب على داء النسيان { النساؤون الذين يتقنون الكتابة و القراءة شرعوا بتدوين ما يودون تذكره على ورق مقوى و قماش و على الجدران و جذوع الأشجار و أوراق البردي ، فالنساي آفة يصعب الشفاء منها بالنسبة للإنسان } ص 21 .

افترض الكاتب أن هذه الآفة خطيرة و يصعب الشفاء منها ، والغاية هو تهويل المشهد و جعل آفة النسيان حقيقة لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها ، و هناك ثمة حقيقة أخرى تكمن في أهمية تعلم القراءة و الكتابة ، فالانسان المتعلم من وجهة نظر الكاتب سوف يستعين بعلمه من أجل تجاوز هذه المحنة .

و من وجهة نظر الكاتب ، و حينما  أصيب أبناء المدينة بداء النسيان فقد تحرروا من قيود الذكريات ، تلك الذكريات التي كانت تثقل مخيلتهم { الناس الذين أصيبوا بالنساي أحسوا بأنهم أكثر نشاطا و حيوية ، ربما لأنهم تحرروا بعد أن كانوا مكبلين بذكريات الحنق و عدم الرضا و الآمال و الخيبات ، لقد وعوا أن النسيان هو أفضل طريقة للعيش بسعادة ، سعادة تلمسها الحيوانات أكثر من غيرها } ص 50 .  

و السؤال المهم الذي يطرح نفسه وسط هذه المتاهة ، هل بتنا نحسد الحيوانات على خلو ذاكرتهم من أي شيء ؟

و هل هذا الكلام  صحيح ؟

أي هل أن الحيوانات لا تمتلك ذاكرة و لا تعيش على الذكريات.

و يبقى السؤال الماثل أمامنا ، هل الذكريات مفيدة للإنسان، أم غير مفيدة ، و هل حقا انها تكبل الانسان و تجعله عاجزا .

ان الذكريات مرتبطة ارتباطا كبيرا بالعاطفة و الحنين إلى الماضي، الحنين إلى الأشخاص و الأمكنة ، إلى كل شيء جميل تركناه وراءنا و أصبحنا فيما بعد نفتقده و نشتاق إليه.

و من الأمور المهمة التي أشار إليها الكاتب أن داء النسيان ليس له القدرة على إصابة المجانين و كأنهم محصنين من هذا الداء الخطير ، لذلك هم في مأمن من شروره ، لذلك بقي المجانين محتفظين بذاكرتهم { الرافدين في مستشفى الاضطرابات العقلية امتلكوا المناعة و لم يصابوا بالنساي ، كانوا محظوظين ، فقد احتفظوا بما لديهم من خبرات و ذكريات جميلة أو مفزعة كالتي تدفع بهم إلى الصراخ ليلا ، لم يصابوا بفقدان الذاكرة و ما زالوا يذكرون نوع طعامهم و جرعاتهم من الدواء } ص 60 .

و من أجمل ما قيل في الأدب الروسي{ الإنسان يتعلق بذكرياته لأنها الدليل الوحيد انه كان حيا يوما ما }.

يستخدم الكاتب الوصف بطريقة مميزة { الجوع جندي تجيد الحكومات تدريبه ، أما الفرقة فمومس تضاجع المصلين في أحلامهم ليسيقظوا خضلين مبللين بسائلهم المنوي و بلذة تنسيهم وقت الصلاة } ص 149 .

و يعرف الوصف في الرواية{ فن الرسم بالكلمات لتجسيد الشخصيات و الأماكن و الأحداث و احياء العالم الخيالي للقارئ } .

 يستخدم الكاتب الهوامش للمقارنة بين ما يقره علماء السلوك الحيواني و بين ما يقره الكاتب { علماء السلوك الحيواني يجدون في مدة الترقب و المطاردة البطيئة التي يقوم بها الذئب لقطيع من الغزلان البرية هو من أجل معرفة الغزال الضعيف و الذي يسهل اصطياده ، لكن الملاذ يقول الذئب يحاول ان يحدد الفريسة ذات الطعم الأفضل عبر حاسة شمه } ص 114 .

و في هامش آخر { علماء السلوك الحيواني يشبهون هجوم الذئب على حظيرة خراف و قيامه بمهاجمة العشرات منها بالسلوك العدواني الأهوج ، لكن الملاذ و من خلال متابعته للذئاب طوال أعوام يقول بأن الذئب لا يعبث و إنما يختار الضأن الأفضل عبر التذوق و الشم فيبقى يهاجم إلى أن يجد لحما يعجبه } ص 115 . 

من مساوئ هذا الداء انه غير الفطرة السليمة لكل الكائنات { النساي محا ذاكرة الفريسة و الصياد و الآكل و المأكول و الهارب و المطارد من المدينة كثيرون ممن أصابتهم العدوى و انقلبوا إلى طينة الإنسان و سليقته في التهام الأقوات النباتية عودا منهم إلى فطرة الفرد في كونه نباتيا قبل أن يكتشف النار } ص 176    .

السؤال الذي يطرح نفسه و بقوة ، ماذا لو اختل التوازن في الطبيعة ؟ ماذا لو ان المفترس ترك فريسته ، بالتأكيد سوف تفقد الطبيعة توازنها و بهذا يحدث الاختلال البيئي ، و نتيجة لذلك يحدث الفناء ، ففي الصين على سبيل المثال عندما قاموا بقتل العصفور ازداد الجراد الذي قام بدوره بالتهام الشنطة مما تسبب في وفاة الملايين من بني البشر .

بعد أن فقد النساؤون دورهم ، جاء دور المجانين الذين تصدوا للوباء كونهم محصنين منه و وضعوا خطة لاحتواء الوباء و السيطرة عليه

{ المعتوهون قالوا بعد مداولة في خريبة مهجورة قبالة أقدم المقاهي دامت لساعات خلف أبواب مغلقة ، أن إقفال مداخل المدينة و بواباتها بشكل خاص من جهة الصحراء و إعادة تشييد السور القديم سوف يحول دون وصول المزيد من الاصابات أو تطور الحالات المرضية إلى وباء قاتل } ص 180 .

في تطور لافت للأحداث نجد أن داء النسيان قد أثر على السلوك الجمعي للمجتمعات و جعلها أكثر تشددا في التعامل مع الآخرين و بالخصوص الغرباء

يشير الكاتب الى مسألة بسيطة استفاد منها النساؤون مقارنة بما فقدوه في فترة النسيان  { المدخنون حين أصيبوا بالنساي و بعد خيبتهم لمرات في التخلي عن لفائف التبغ وجدوا أنفسهم بعيدا عن المقاهي التي تسمح بالتدخين ، كانوا يعبرون عن العجب من الشخص الذي يحرق نارا و يمتص دخانها } ص 183 .

فحجم الخسائر كانت كبيرة ، حين يفقد الانسان ذاكرته فإنه يفقد حاضره و مستقبله و هذا ما يتضح في المقطع التالي { الأهالي و بفعل النساي أصيبت أعداد منهم بالعمى لأنهم نسوا خطورة البحلقة الطويلة في الشمس } ص 195 .

الرواية رمزية و فيه كثير من الرسائل و الأفكار التي حاول الكاتب اخفاؤها بواسطة طريقة ترميز الحدث .

المشـاهدات 13   تاريخ الإضافـة 17/02/2026   رقم المحتوى 70597
أضف تقييـم