| النـص :
في النقاش العراقي المعاصر كثيراً ما يُطرح سؤال الدولة بوصفه سؤال مؤسسات ودساتير وقوانين فيما يُهمل البعد الأعمق البنية الثقافية التي تمنح هذه المؤسسات معناها وفاعليتها فالدولة ليست نصوصاً قانونية فحسب كما أن الثقافة ليست ترفاً فكرياً معزولاً عن الواقع وبين المفهومين تتشكّل معادلة دقيقة هل تُبنى الدولة بثقافة راسخة تُنتج مؤسسات مستقرة أم أن قيام الدولة القوية هو ما يخلق ثقافتها ويعيد تشكيل وعي المجتمع؟ثقافة الدولة في معناها العميق هي منظومة القيم التي تجعل احترام القانون سلوكاً تلقائياً لا خوفاً من العقوبة وتجعل الوظيفة العامة مسؤولية لا غنيمة وتجعل الاختلاف السياسي ظاهرة صحية لا تهديداً وجودياً إنها الإيمان بالمؤسسة قبل الإيمان بالأشخاص وباستمرارية النظام قبل تبدّل الحكومات من دون هذه الثقافة تتحول الدولة إلى هيكل إداري هش قابل للاهتزاز مع أول أزمة سياسية أو اجتماعية في المقابل لا يمكن إنكار أن الدولة ذاتها تسهم في إنتاج الثقافة فحين تفرض مؤسساتها العدالة بعدالة وتُطبق القانون بلا انتقائية وتُدير مواردها بشفافية فإنها تُرسّخ في الوعي العام قيماً جديدة وتُعيد تشكيل السلوك الجمعي الدولة العادلة تُعلّم مواطنيها معنى المواطنة كما أن الدولة المرتبكة تُنتج ثقافة الشك والانقسام والبحث عن الولاءات البديلة في المشهد العراقي تبدو الإشكالية أكثر تعقيداً فقد تعرّضت الدولة عبر عقود طويلة إلى تحولات حادة أضعفت استقرارها المؤسسي فيما ظل المجتمع محتفظاً بهوياته الفرعية وتقاليده الخاصة بوصفها ملاذاً آمناً في أوقات الاضطراب ومع كل أزمة سياسية يتراجع منطق الدولة لصالح منطق الجماعة ويتقدّم الانتماء الضيق على مفهوم المواطنة الجامعة وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الخلل في ضعف ثقافة الدولة داخل المجتمع أم في عجز الدولة عن إنتاج ثقافة جامعة تتجاوز الانقسامات؟ لا يمكن فصل المسارين عن بعضهما فالدولة لا تُبنى في فراغ ثقافي كما أن الثقافة لا تزدهر في ظل مؤسسات ضعيفة إنهما عمليتان متلازمتان كل واحدة منهما تغذي الأخرى أو تُضعفها فحين تُهمل التربية المدنية في المناهج التعليمية ويتراجع دور الإعلام التنويري وتُختزل السياسة في صراع مصالح تتآكل ثقافة الدولة تدريجياً وحين تغيب المساءلة وتضعف هيبة القانون تتعزز ثقافة الفردية والبحث عن الحماية خارج إطار الدولة إن إعادة طرح السؤال: ثقافة الدولة أم دولة الثقافة؟ لا ينبغي أن تكون مفاضلة بقدر ما هي دعوة إلى تكامل فبناء دولة مستقرة في العراق يتطلب جهداً مزدوجاً إصلاحاً مؤسسياً يعيد الثقة بالقانون ومشروعاً ثقافياً يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والدولة على أساس المواطنة والمسؤولية المشتركة فلا يكفي تعديل القوانين إن لم يتغيّر الوعي ولا يكفي الخطاب الثقافي إن لم يجد مؤسسات تحميه وتجسّده الدولة القوية ليست تلك التي تُحكم قبضتها بل التي تُقنع مواطنيها بعدالتها والثقافة الحية ليست تلك التي تكتفي بالنقد بل التي تسهم في ترسيخ قيم الانضباط والالتزام العام وبين هذين المسارين يتحدد مستقبل التجربة العراقية إما دولة تستند إلى ثقافة مؤسسية راسخة أو ثقافة تبقى معلّقة في فضاء الخطاب من دون دولة تحتضنها في النهاية ربما يكون السؤال الحقيقي ليس أيهما يسبق الآخر بل كيف يمكن تحويل العلاقة بينهما من جدل نظري إلى مشروع وطني عملي يجعل من الدولة إطاراً جامعاً ومن الثقافة ركيزة لبقائها واستمرارها.
|