الشمسُ تبتدعُ ظلالَها: جدلُ النور والكتابة
في ديوان محمود محمد يوسف![]() |
| الشمسُ تبتدعُ ظلالَها: جدلُ النور والكتابة في ديوان محمود محمد يوسف |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
د.سعد التميمي في ديوان (الشمس مبدعة الظلال) للشاعر المصري محمود محمد يوسف، تحضر الشمس بوصفها استعارة كبرى للقصيدة نفسها، وللوعي الذي يخلق عوالمه بإرادة فنية واعية. فالديوان، المنتمي إلى أفق الشعر العمودي المعاصر، لا يُحيي الشكل التراثي محاكاةً، بل يستثمره باعتباره جذوةً قابلةً للتجدد، قادرة على استيعاب أسئلة الراهن دون أن تفقد هويتها الإيقاعية. العنونات في هذا الديوان لم تكن عابرة، بل شكلت عتبات دلالية أسست لعلاقة المتلقي بالقصائد ،إذ توزعت على ثلاثة اتجاهات: اتسمت الأولى بطابع رمزي كوني مثل (الشمس مبدعة الظلال، وجنة تحت الثرى تتحاكى، وكوني لي الليل)، إذ تتحول الظواهر الطبيعية إلى معادل موضوعي للحالات الوجدانية. واتسمت الثانية بالميتاشعرية إذ عكست وعي الشاعر بفعل الكتابة ذاته، مثل (بيت القصيد، و"فراشة الشعر ،وعلى هامش القصيد) ليصبح السؤال عن ماهية الشعر جزءًا من القصيدة لا مجرد مدخل إليه، والأكثر إدهاشًا حضور عنوانات تنفتح على مفردات العصر الرقمي مثل(الجي بي تيه، و ترند ، وهاتفي النقال)، لتؤكد أن العروض الخليلي قادر على استيعاب مفردات الحداثة دون أن يفقد نبضه التراثي. جدل الشمس والظل: استعارة الوجود تقوم رؤية الديوان على جدلية مركزية تُفصح عنها العتبة العنوانية ذاتها: الشمس والظل، النور والخفاء، الحضور والغياب. غير أن هذه الثنائيات لا تتأسس على التضاد، بل على التكامل والجدل الخلاق. فالظل هنا ليس نقيضًا للنور، بل هو أثرٌ جماليٌ يخلقه الضوء ذاته. في قصيدة (الشمس مبتدعة الظلال) نقرأ:(الشَّمْسُ تَرْسُمُ بِالضيَاءِ عَلَى الْمَدَى / وَالظُّلُّ يَزْهُو كُلَّمَا نُورٌ شَدَا) فالفعل (ترسم) يمنح الشمس بُعدًا فنيًا وإراديًا؛ فهي لا تضيء فحسب، بل تشكل وتخطّط وتخلق. والظلّ الناتج عن هذا الرسم ليس غيابًا للضوء، بل هو كيان يزهو ويعتد بوجوده كلما اشتد النور، وهذه الرؤية تحيل إلى تصور وجودي عميق فلا معنى للنور بلا ظل، ولا قيمة للحضور بلا غياب، ولا اكتمال للمعنى دون مساحات من الغموض تمنحه عمقه، وتتعمق هذه الرؤية حين تتحول عناصر الطبيعة إلى كائنات حيّة تتفاعل وتتحاور:(وَتَقُولُ لِلْأَنْسَامِ: أَمْسَيْنَا رُؤى / وَتَقُولُ لِلْأَحْلامِ: أَصْبَحْنَا غَدًا) فالزمن هنا يخضع لإعادة تشكيل جمالية: الأمس يتحول إلى رؤى، والغد يصبح أحلامًا متحققة، إنها رؤية دائرية للزمن تمنح النص بُعدًا تأمليًا يتجاوز الوصف إلى الفلسفة. اللغة والصور: بين المحسوس والمجرّد تميل لغة الديوان إلى الصفاء المعجمي والوضوح، مع قدرة على شحن المفردات المألوفة بدلالات جديدة عبر السياق. يعتمد الشاعر على صور مركبة تزاوج بين الحواس المختلفة،(عَبَقًا شفيفًا بَلَّهُ رِيقُ النَّدَى) إذ تتداخل حاسة الشم (عبق) مع حاسة اللمس (بلّه) مع حاسة الذوق (ريق)، في بناء حسي متكامل يمنح المشهد الشعري كثافة وانسيابية، وفي موضع يقول:(النُّورُ مُرْتَجِفُ الْبَيَانِ غَرِيبُهُ/ وَالشَّوقُ فِي دَرْبِ الْغَرَامِ تَلَبَّدَا) إذ يضفي الشاعر على النور صفة الارتجاف، فيحوّله إلى كائن حيّ يعتريه القلق والاضطراب، والشوق هنا ليس مجرد عاطفة عابرة، بل يتكثف ويتلبّد كالغيوم، ليصبح ظاهرة طبيعية قابلة للرؤية واللمس، ويتحول الظل ككيان مستقل من الأثر إلى الذات،إذ يتطور الظل في نصوص الديوان من مجرد أثر للنور إلى كيان قائم بذاته، له وجوده النفسي المستقل:(الظلُّ أَشْبَاهٌ مُدَلَّهَةُ الرُّؤَى/ تَسْبِي الْغُيُومَ ظُنُونُهُ وَالسُّؤْدَدَا) فالظل هنا عوالم متعددة (أشباه) تحمل رؤاها الخاصة، لها ظنونها وطموحاتها، والغيوم نفسها تخضع لتأثير هذه الظنون، في مشهد كوني متشابك تتفاعل فيه جميع العناصر، وعندما يقول:(يَتَعَانَقَانِ: الظِّلُّ وَالظِّلُّ الَّذِي / مِنْ شَوْقِهِ خَدُّ الزُّهُورِ تَوَرَّدَا) فإن التكرار في "الظل والظل" يوحي بازدواجية داخلية: ظل الذات وظل الآخر، ظل الحاضر وظل الذكرى، ومن هذا التعانق يولد الجمال ممثلًا في تورّد الزهور. إنها رؤية تمنح الظل طاقة خلاقة، وقدرة على إنتاج الجمال لا تقلّ عن قدرة النور ذاته. الميتاشعري: حين يتأمل الشعر ذاته: يبلغ الوعي الشعري ذروته في القصائد التي تجعل من الكتابة موضوعًا لها. في قصيدة "بيت القصيد" نقرأ:(أُسَطُرُ النَّبضَ أَشعارًا وأَكتُبُها / أَم أَنَّها بِبَرَيقِ الحَرفِ تَكتُبُني) فالسؤال هنا جوهري: هل الشاعر هو من يكتب القصيدة، أم أن القصيدة هي من تكتب الشاعر؟ وهذا التبادل في الأدوار يكشف عن وعي حداثي داخل قصيدة الشطرين، حيث لا يعود الشاعر سيد القصيدة المطلق، بل شريكًا في صنعها، وأحيانًا أسيرًا لها، وتتوالى صور هذه العلاقة الجدلية مع الشعر:(أُغالِبُ الشِّعرَ بالآهاتِ يَغلبُني/ وأَهْذِبُ الصَّبْوَةَ العذراءَ يَعْذِبُني) فالشعر هنا ليس مجرد صنعة، بل خصم وصديق، غالب ومغلوب، معذّب ومتلذّذ. إنها علاقة عشق قاسية، حيث تتساوى فيها لذة الإبداع بألمه، وبموازاة هذا الوعي بالكتابة، فإن الكتابة في الديوان تستند إلى ذاكرة عائلية دافئة، تشكّل خزانًا عاطفيًا تغرف منه القصائد. في (القصيدة الأولى) يستعيد الشاعر براءة البدايات ،فالطفولة والذاكرة تشكل ينابيع القصيدة الأولى:(خَطَرَتْ بِأَلْحَانِ الْبَرَاءَةِ تَمْشِي / حُلُمًا قَدِيمًا يَزْدَهِي بِالنَّقْشِ) الطفولة هنا ليست مجرد مرحلة زمنية، بل هي حالة وجودية يتوق الشاعر إلى استعادتها عبر الكتابة، وعندما يشبّه الشعر بـ(عصاة جدّي تنتشي بالرعش)، فإنه يربط بين الارتعاش الجسدي الذي تثيره الذكرى، والارتعاش الإبداعي الذي يولّد القصيدة، يتشكل الشعر من دم العائلة ودفء الذكرى، ليصبح إعادة بناء للهوية عبر اللغة،والحنين في هذا الديوان ليس مجرد شعور عابر، بل قوة دينامية محركة:(يَبْقَى لِعَذْرَاءِ الْحَنِينِ شُجُونُهُ/ وَيَذُوبُ شَوْقًا كُلَّمَا طَيْفٌ عَدَا) الحنين هنا عذراء طاهرة، لكن شجونها مؤلمة. ويتحوّل إلى طاقة انصهار "يذوب شوقًا" كلما مرّ طيف من الذكريات. هذا التوتر بين الطهر والألم، بين الصفاء والوجع، يعكس طبيعة التجربة الشعرية ذاتها، ويحافظ الشاعر على البناء التقليدي للقصيدة ، غير أنه يُدخل تنويعات إيقاعية وزحافات تمنح النص طراوة وحيوية، والإيقاع هنا ليس زخرفة خارجية، بل حامل للمعنى، وتكرار الأفعال المضارعة يخلق إحساسًا بالحركة المستمرة، وكأن القصيدة كائن حيّ لا يتوقف عن النبض. والقافية الموحدة في كثير من المقاطع تمنح النص تماسكًا، لكنها لا تمنع تدفق الصور، واللافت أن الشاعر يختزل في بعض الأبيات رؤية نقدية متكاملة، كما في قوله:(وَيَسْرِقُ الْحُسْنَ أَوْزَانِي وَقَافِيَتِي/ مِنَ الْحَدَاثَةِ بِالنَّجْوَى يُهَرِّبُنِي؟) إنه يصرح هنا بإشكالية العلاقة مع الحداثة، لكنه لا يرفضها بل يحاورها فالحداثة عنده ليست قطيعة شكلية، بل سؤال جمالي حول كيفية تجديد التراث دون هدمه. يقدّم ديوان (الشمس مبدعة الظلال) أنموذجًا لشاعر يعي تراثه ويصغي إلى زمنه في آن، والشمس فيه ليست مصدرًا للسطوع فحسب، بل خالقة لظلالها، والظلّ ليس غيابًا للنور، بل شهادة على حضوره. والقصيدة ليست نصًا يُكتب، بل قدرًا يكتب صاحبه. وتقوم تجربة محمود محمد يوسف على رؤية جمالية ترى في القصيدة الموزونة أفقًا مفتوحًا، وفي الحنين طاقة خلاقة، وفي السؤال الميتاشعري علامة وعي نقدي بالذات،إنها تؤكد أن العروض الخليلي ليس شكلًا ميتًا، بل بنية قابلة لإعادة التشكيل، وأن الرمز يمكن أن يتنفس داخل الوزن دون أن يفقد حريته، لتصبح قصائد الديوان شاهدة على أن الجمال لا يولد من النور وحده، بل من الحوار الخلاق بين الضوء وعتمته، بين الكشف والاحتجاب، بين الحضور والغياب، فالشمس حين تبتدع ظلالها، تعلّمنا أن المعنى لا يكتمل إلا بمساحات الغموض التي تحيطه، وأن القصيدة الحقة هي تلك التي تجيد خلق ظلالها الخاصة. |
| المشـاهدات 27 تاريخ الإضافـة 01/04/2026 رقم المحتوى 70931 |
أخبار مشـابهة![]() |
انين الروح
د.ناهدة محمد علي |
![]() |
تدمير طائرة عراقية بقصف على قاعدة الشهيد محمد علاء الجوية بصواريخ كراد
اعفاء قبادات امنية واحتجازهم على خلفية استهداف مطار بغداد |
![]() |
قبعة موفق محمد
|
![]() |
حكاية نص: (قبعة موفق محمد).. لناجح المعموري
|
![]() |
الشيخ محمد بن راشد يكرم القارئ العراقي كرار ليث بجائزة دبي الدولية للقران كواحد أجمل صوت قرآني |
توقيـت بغداد









