الدكتور ضياء حسن في معرض ( مدن وآيات )
عن المدن التي تنطفئ لكنها لا تموت![]() |
| الدكتور ضياء حسن في معرض ( مدن وآيات ) عن المدن التي تنطفئ لكنها لا تموت |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
رحيم يوسف
بحسب الفنان الفرنسي جان دوبوفيه فانه : _لا يوجد فنّ من دون نشوة . لكنني أعني نشوة مجنونة ، دَعوا العقل يترنّح الهذيان ، أقصى درجات الهذيان ، الغرق في جنونٍ مشتعل ، الفن هو أكثر حالات العربدة سحرًا التي يستطيع الإنسان بلوغها ، يجب أن يجعلك الفن تضح قليلًا ، ويجعلك تخاف قليلًا ، أيّ شيء ، ما دام لا يبعث على الملل . هكذا اذن فان واحدة من قيم الفن هي في ان يبعث فينا النشوة ، نشوة تشابه الطاقة للاحتفاء بالحياة في وجودنا القصير نسبيا في هذا الكون ، نشوة تشابه نصا شعريا فاتنا الم يقل يقل شارل بودلير : _ يمكنك ان تسكر بالخمر او الشعر او الفضيلة ، وانا اتحدث عن النشوة لا السكر ، النشوة التي نشعر بها حين يكون احدنا بصحبة امراة يحبها حد الوله ، كل ذلك يمنحه الفن الحقيقي الذي يبعث فينا الروح ويحفزنا على استلال قيم الجمال الكامنة فيه وتذوقها بهدوء كما لو كنا نرتشف كاسا بتلذذ وبطء شديد ولا يهم محتوى الكاس انما اقولها للتشبيه فلكل منا خياراته في ملء كأسه بما يرغب او يحب ، وانا كتبت بتعميم غير اني اتحدث عن ما اشعر به وانا اتامل تحربة فنية بصرية اشعر بالانجذاب نحوها واتماهى معها كليا . كلما نويت الذهاب الى معرض تشكيلي اتذكر قول صديقي النحات المبدع رضا فرحان الذي قال لي مرة : _ نحن نذهب الى المعارض بحثا عن المدهش والجديد الذي يغذي ذائقتنا الجمالية ، وان لم نجد ضالتنا سنكون قد التقينا الاصدقاء وبذلك لن نخسر شيئا . وهو قول دقيق ، يحدث لنا قبل التوجه للعروض التي لا نعرف شيئا عن اصحابها ، غير ان هذا القول لا ينطبق على العديد من الاسماء التي شكلت تجاربها علامات واضحة في عالم التشكيل العراقي المعاصر ومنها تجربة الفنان الدكتور ضياء حسن ، وعلى الرغم من معرفتي المتاخرة بتجربته الفذة عبر معرض ( زهرة الصبار ) ولاحقا ( أغوار المدينة ) وصولا الى معرضه الحالي ( مدن وآيات ) والمقام على قاعة اكد بكرادة بغداد العظيمة ، اخذت اعد نفسي لسيل المتع الجمالية التي تثير دهشتي ونا في طريقي الى القاعة ، ولا اجانب الحقيقة والصواب حين اقول بانه وفي كل مرة يفاجئني بسحر الالوان والتكوينات وبمتعة تستمر معي لأيام بعد عودتي من المعرض . ليس من السهل ان يتمكن الفنان من ترسيخ تجربته الفنية لتفرض وجودها في الوسط التشكيلي وتصبح دالة عليه ، لكنها لدى العديد من الاسماء الفنية وعبر العمل الشاق والمتواصل تحولت الى هوية بصرية تنتمي اليه دون غيرة ومع ان الكثير من التجارب قد تتشابه شكليا ، غير انها وعبر مجموعة من التفاصيل الصغيرة يمكن تمييزها بسهولة ، والتشابه الذي ياتي من خلال المسار الاسلوبي الذي يعمل ضمن نطاقه الكثير من الفنانين ، وانا هنا اتحدث عن التجريد الهندسي باعتباره مسارا خاضت فيه تجارب لا يمكن احصاؤها لا لسهولته الظاهرية بل لوجود الكثير من التعقيدات التي تكتنفه منذ ابتداعه على يد الفنان بيت موندريان كما هو معروف وحتى يومنا هذا ، وخضوعة لتطورات كثيرة وكبيرة من خلال التحارب التي نعرفها والتي خضعت لاشتراطات العمل عبر هذا المسار الاسلوبي الصعب ولعل في مقدمتها حيازة الفنان على خبرات هندسية وقدرات لونية كبيرة ليتمكن من الابداع فيه ، ولعل تجربة الاستاذ الدكتور ضياء حسن هي واحدة من التجارب المعروفة واللافتة في هذا المسار وهي التجربة التي عمل ويعمل عليها منذ سنوات ليست بالقصيرة ليصل بها لما وصلت اليه من شهرة واسعة في الاوساط التشكيلية وليشار لها بالجدة والتميز في معظم التجارب التي خاضها في هذا المجال ، ومرة ثانية يعاود ضياء حسن مخاولة استعادة مدنه المندثرة ، تلك المدن التي لم تغادره ولم يغادرها منذ مشاهده الطفلية الاولى لها في بحث جمالي متفرد عبر ما هو مدون بصريا ومبثوثا للتلقي ، ولا اظن بان هذا البحث او ما يشابهه سيتوقف في هذا المعرض فحسب بل سيستمر معه الى اجل غير معلوم باعتباره حاصنة لتجربة فنية جمالية تشكل معينا جماليا لا ينضب بالنسبة له ، وهذا ما يدفعنا لسؤال يتكرر وهو هل تموت المدن ؟ والجواب سيكون كلا بالتاكيد لان المدن يمكن ان تنطفيء او تندثر حتى لكنها لا تموت . يعمد الجميع الى تدوين تواريخهم الشخصية لا باعتبارها تواريخا من منفصلة عن حركة التاريخ العامة بل كجزء من هذا التاريخ الممتد الى لا نهاية ، والتدوين هنا بمختلف اشكاله مكتوبا او صوريا .... الخ ، وهو يتعلق بمجموعة التجارب والاحداث التي مررنا بها والتي تتعلق بالاماكن باعتبارها الحاضنة لتلك الاحداث فنحن جميعا لا يمكننا الانفصال عن المكان باي حال من الاحوال الاماكن التي تشكل اجزاءا من المدن في جميع تفاصيلها التي تترسخ في الذاكرة سواء اقمنا او مررنا بها حتى ، ونحن نتبادل الادوار مع تلك المدن اذا جاز لنا التعبير فهي تسكنتا قبل ان نسكنها ولذلك تبقى ارواحها الحية تحيا معنا حتى نهاية وجودنا الزمني في هذا الكون ، ولذلك فان عملية تدوين الندن بصريا تعد من اصعب المهمات التي يتصدى لها الفنان لانه سيبحث عن الروح المندثرة فيها عبر تحولات الزمن لاننا نعيش في بلاد يتعمد القائمون على ادارة شؤونها الى طمس ذاكرتها عبر تغييرات تدمر ارثها وجمالها لصالح تشوهات تتم دون علم ودراية ، من هنا يلجأ الفنان الى الذاكرة ، وهي ذاكرته الفردية غير تلمنفصلة عن الذامرة الجمعية كما اشرنا ، وفي مدن وآيات يدون الفنان الدكتور ضياء حسن مدنه من الذاكرة فلا شي بات قائما وسط هذا الخراب الجمعي الذي يلف المدن ، المدن التي عاش او مر بها في مختلف مراحل حياته وهو يشعر بالدهشة ، دهشة الطفل الاولى التي لم تغادره وهو على اعتاب الشيخوخة ، وهو يدونها توازيا مع اكتشافاته المبكرة للحرف وسحره الذي يسكن مخيلته ليفرض وجوده على السطوح . يكتب الناقد والفنان كريم سعدون في بروشور المعرض ما مفاده : _ وحيث تعرف لوحته ثراءً لونياً باذخاً تنسجم فيه الأشكال المجردة لتعطي الإنطباع بمدن ملونة ترتسم في حلمه وتستفز ذاكرته ، إلا أنه أراد أن يضفي عليها ما يعزز من حضور روح المدينة التي يعيد إنتاجها . وسعدون هنا امسك بروح التجربة ، التجربة التي تدون روح المدينة كما اسلفنا ، لكن الفنان هنا تعمد وصع متلقيه في اختبار جدي من اجل فك شفراتها ، ويكمن التعمد في تدوين التجربة عبر المزج بين مسارين اسلوبيين لا يمكن المزج بينهما الا عبر قدرات ادائبة استثنائية وذلك من خلال الجمع بين الواقعية الشيئية والتجريد الهندسي ، مع ان الواقعية الشيئية لا تظهر بشكل واضح وجلي بل من اخلال ايحاء ضمني افترضناه هنا . ضياء حسن وكعادته يتعامل مع اللون لا كعنصر يؤدي وظيفته على السطوح التصويرية ، انما بكونه عنصرا يسحب باتجاهه باقي العناصر في عملية تشكيل السطح التصويري مع انه لا يغفل اي تفصيلة مهما كانت دقيقة في تلك السطوح التي يتعامل معها بروح النساج الماهر ، فثمة دقة واضحة في عملية تدوين الخطوط والالوان من خلال تنظيم هندسي صارم في اعادة تشكيل المدن ، وهي لا تبدو كمدن قائمة بذاتها واضحة المعالم بل كنوع من الاشارات التي تتشكل من خلال تلك الخطوط والالوان ، فتظهر وكأنه تعمد من التعامل معها باختزال شديد عبر واحهات لمبان او ابواب او نوافذ تخفي ما خلفها في محاولة لاجبار المتلقي على البحث عما خلف تلك التشكيلات الصورية ، وهو هنا يشكل من ذاكرته الفردية ما يستفز ذاكرة الاخر من اجل ايحادشكل آخر يختلف عما هو مدون بصريا ، شكل افتراضي لانتاج بنية صورية ، وعلى الرغم من دقة وصرامة الالوان والخطوط الا انها لاتمارس فعل الازاحة فيما بينها بل تتجاور وتتالف بطريقة تنتج دهشة مصاعفة ، تلك الدهشة التي اشرنا اليها في البدء ، وهو بذلك لا يوجه خطابه الجمالي الصرف باتحاه ابصارنا بل باتجاه ارواحنا وهي تستعيد صور الخراب الاني الذي تعاني منه مدننا ونحن نتامل تشكلاتته الصورية . حسن الذي يستخدم الخرف كجزء مهم واساسي في عملية التشكيل الصوري لا باعتباره عنصر تزييني عبر استنطاق طاقاته الجمالية ، بل من اجل اضفاء نوع من القداسة على تلك المدن ، وهو يلجأ الى استخدام الآيات القرأنية ، ليجعلنا نستدعي واجهات الاضرحة المقدسة والجوامع في اشاره واضحة لقدسية المدبنة التي،طالها التغيير القسري ،/ وتلك اشارة الى قدسية الانسان قبل المدينة ، فلا قيمة للندن دون ناسها / والآيات هنا تاتي باشكال متعددة تحيط بتلك المدن او تصبح جزء من تكوينها العام ، لكنه يلجأ في بعض السطوح الى جعل الحرف العنصر المهيمن على السطح لتدور حوله بقية العناصر ، ولعل هذا اللجوء من باب التنويع من اجل كسر النمطية والتكرار التي قد تحدث اثناء عملية التلقي . |
| المشـاهدات 32 تاريخ الإضافـة 02/06/2026 رقم المحتوى 71112 |
توقيـت بغداد





