الأربعاء 2026/6/3 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
غيوم متفرقة
بغداد 37.76 مئويـة
نيوز بار
بوق مستأجر
بوق مستأجر
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

تختزل المسافة بين السياسي والصحافي في العالم العربي معضلة بنيوية مزمنة، تتحرك دائماً في مساحة حرجة ما بين التبعية المطلقة والعداء المكتوم. وتكمن المشكلة الحقيقية في كيفية تحول الإعلامي العربي، في كثير من المحطات التاريخية، من سلطة رابعة تراقب وتوجه، إلى "بوق" يردد صدى الحاكم، أو بندقية مستأجرة في تصفية الحسابات البينية. المفارقة الصادمة هنا ليست فقط في قبول الصحافي بهذا الدور تملقاً للسلطة، بل في النتيجة السيكولوجية والعملية لهذه العلاقة؛ فالصحافي يكتب ليرضي السياسي، بينما السياسي، في عمق ذاته، يحتقر هذا الصحافي ولا يقرأ ما يكتبه، لأنه يدرك أنه اشترى ولاءه ولم يكسب احترامه.

 

هذه العلاقة "المشوهة" لا تقتصر على المشهد العربي، بل تعيدنا إلى أدبيات السوسيولوجيا السياسية الغربية، وتحديداً ما طرحه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في تحليله لـ "المجال الإعلامي". يرى بورديو أن الإعلام عندما يفقد استقلاليته البنيوية والاقتصادية، يتحول إلى أداة خاضعة تماماً للمجال السياسي، ويفقد قدرته على إنتاج معرفة مستقلة. في الغرب، تمأسست العلاقة عبر ما يُعرف بـ "العداء الإيجابي" أو "التخادم المشروط"، حيث يحتاج السياسي إلى الإعلام لتمرير رسائله، ويحتاج الإعلام إلى السياسي كمصدر للمعلومة، لكن ضمن قواعد لعبة تحكمها القوانين والمهنية. أما في الفضاء العربي، فقد غاب هذا التخادم المتكافئ ليحل محله "الالتحاق التام"، حيث تبتلع السلطة الحقل الإعلامي وتجرده من أدوات التأثير وصياغة الوعي.

 

تاريخياً، مر الإعلام العربي بمراحل عززت هذا التراجع البنيوي. بدأت من حقبة "الشعارات الكبرى الفارغة" في منتصف القرن الماضي، حيث كان الإعلام صوت الأيديولوجيا القومية أو الثورية التي لا تقبل نقداً ولا تحاور مخالفاُ. ثم انتقلت إلى مرحلة "التناحر العربي-العربي"، وهي الحقبة التي تحول فيها الإعلاميون إلى جبهات متقاتلة بالوكالة؛ فكان الصراع الإعلامي الشرس بين البعث السوري والبعث العراقي، والملاسنات المزمنة بين الصحافة المغاربية والجزائرية، وحتى الانقسامات الحادة داخل الفصائل الفلسطينية ذاتها. في كل هذه المحطات، كان الإعلامي يدفع ثمن غياب الرؤية المستقلة، بينما يتناسى صناع القرار أن الإعلام هو حائط الصد الأول والأهم في الأزمات الكبرى.

 

اليوم، يواجه الشرق الأوسط والخليج حريقاً إقليمياً ضخماً وتحولات جيوسياسية متسارعة، ومع ذلك، يغيب العقل الجمعي الإعلامي العربي. يجتمع وزراء الإعلام العرب في قمم دورية بروتوكولية، وتُعقد الندوات الفكرية، لكن دون صياغة استراتيجية إعلامية حقيقية تتجاوز "رد الفعل" الآني لتدخل في صناعة الفعل نفسه. إن غياب مؤسسات وتجمعات مهنية صلبة تجمع الإعلاميين الكبار لصياغة توجهات تدعم السياسة العربية وتصوب مسارها (وليس العكس) يجعل الخطاب الإعلامي العربي قاصراً عن مواجهة الخصوم. فالصراع الحديث لم يعد يُخاض بالبروباغندا الفجة والشتم المتبادل، بل بـ "الدبلوماسية العامة" والإعلام القائم على الحجة، والعلم، والمعلومات الدقيقة. إن الدفاع عن القضايا العربية لا يتطلب الولاء الأعمى الذي يبتذل القضية، بل يتطلب الذكاء المهني والبحث العلمي والعمق المعرفي، وهو الأمر الذي يرفع الصحافي ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد صدى لصوت لم يعد يثق حتى في نفسه.

المشـاهدات 43   تاريخ الإضافـة 02/06/2026   رقم المحتوى 71116
أضف تقييـم