السبت 2026/6/13 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 30.88 مئويـة
نيوز بار
قصيدة "مطرُ صاعدٌ إلى السَّماء" للشاعر منذر عبدالحر من منظور علم نفس الأدب
قصيدة "مطرُ صاعدٌ إلى السَّماء" للشاعر منذر عبدالحر من منظور علم نفس الأدب
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب ناصر أبوعون
النـص :

 

 

أولا - قصيدة مطرُ صاعدٌ إلى السماء

[(مطرُ صاعدٌ إلى السماء)- مفتتح: يقول طفلٌ من ضحايا الإرهاب والكراهية: "سأخبرُ الله بكل شيء" / الأسرارُ ودائعُ/ في متحف القلب/ والدموع خيانات الشجن /كلما أجلستُ طفلةَ بوحي على فخذي/ تغمض عينيّ بفراشاتها/ وتأخذ من ولهي بها أجنحة للغياب/ فأصحو ... على صهيل يتوارى /وفتات أنين/ وينبوع أحلام يجفّ .. من أجل ذلك ...كتبتُ على سمائي:/ الجراح ملاذ الأيام /والربيع ...أيّوب وهو يتضرّع هامسًا /أنا خجِل من أيام البهجة/ من ثمار/ طالما قطفتها/ ومرافيء يا ما ضجّت بأغنياتي/ سمعته يئن: سأخبر الله ....أكشف له صدري/ وأُريه ضماد رأسي/ سأبكي أمامه/ وأنا أحفظ ملامح ذئاب تضحك/ وقرود بمخالب/ وذكور يزحفون/ وإناث من خشب/ وأخبره ...عن لون كل قناع/ ونشيد كل جوقة/ وشراع كل جريمة/ وأظلّ ...قريبًا منه / أتجوّل بين النجوم/ ألعب مع القمر/ الذي يمسح بيد من ضوء / عن وجهي غبار رحلتي  قد أنسى الغربان التي شاهدتها/ والدماء التي لوّثت دميتي/ فأنا... تعودت أن أغمض عينيّ / حين تسقط ورقة من جسد شجرة/ أنا ..الآن ..بين النجوم/ وفي كل خميس / أهبط مع الخصلة الأخيرة للشمس/ لأكون ضيفا على مائدة أمي/ لن أستطيع مسح دموعها/ وهي تراني حزينا/ رغم أنني أريد طمأنتها / فأنا.. أنام كل ليلة على غيمة/ لي أجنحة/ أشاكس فيها القمم وأصمتُ دهشة / حين أرى مطرًا يصعد إلى السماء/ هو .../ أدعية الأمّهات للغائبين عن نبضهن/ فتدمع عيناي/ وأعود ...أُخبره بكل شيء /كل شيء].

ثانيا- القراءة من منظور علم نفس الأدب:

من العتبة الأولى للقصيدة المتمثلة في العنوان، تتوهج بقعة ضوء شاسعة، وتظهر على هيئة صورة شعريّة جمعت بين الاستعارة والمجاز والانزياح البياني، يصوِّر لنا من خلالها الشاعر منذر عبدالحر (دعوات كل طفل مزَّقت القنابل العمياء أحلامه، وكلّ أُمّ ثكلى طحنت الأحزمة المفخخة عظام أطفالها، وكل زوجة تناثر لحم زوجها وعائلتها شظايا على مذبح الوطن.

لنستبين لاحقًا أنّ هذا النصّ بمثابة (وثيقة إدانة) للإرهاب إلا أنّ المتن يتوفّر بيت سطوره (شهادة إنسانية)، تؤكد على صمود الروح الإيمانية في مواجهة العنف، فضلًا عن قدرتها على تحويل (الدمعة/الدعوة إلى "مطر صاعد إلى السماء").

فإذا ما انتقلنا إلى (مركز التجربة الشعوريّة) لاحظنا ثلاث رغبات نفسية كبرى تدور في فلكه؛ أشار إليها عالم النفس إبراهم ماسلو في مثلث الهرمي الشهير للحاجات؛ وهذه الرغبات هي: (الحاجة إلى الأمان، والحاجة إلى العدالة والمساواة وتقدير الذات، وأمّا الحاجة إلى الحب فهي الرغبة الأعلى وتتربّع على قمة المثلث).

وفي القصيدة تتكشّف أمام القاريء صورة أخرى -لا تحتاج إلى عدسة مُكَبِّرَة- تظهر في بؤرتها إنا طفولة إمّا قضت نحبها بيد الإرهاب الآثمة في مهدها، وإمّا طفولة شابت في حبوها أقعدها الإرهاب عن مواصلة حلمها، وإمّا طفولة نضجت في يفوعتها وركنت إلى جنب الله، فنهضت لتميط اللثام عن قدرتها الخارقة في امتصاص الصدمات، ومقاومة الانكسار، وسعيها الدؤوب نحو إعادة بناء عالم جديد في خيالها. ولذا سوف نحاول هنا قراءة القصيدة بأدوات المنهج النفسيّ لعلنا نكتشف ما كان مخبوءًا تحت سِنَ قلم الشاعر منذر عبد الحر:

أولا- الصدمة النفسية (Trauma):

إذا ما تأملنا مليًا في هذه الصورة الشعرية (الجراح ملاذ الأيام) سنكتشف ثلاث سمات؛ أمّا الأولى فتتمثل في استعادة الطفل/ الشاعر (حادثة الإرهاب) التي تعرّض لها من صندوق الذاكرة المتخم بالألم على هيئة صور ضبابية ومتكسِّرة، تعطي القاريء إيحاءً صادقًا بغياب الأمن والأمان. أمّا السمة الثانية فتتمثّل في السيطرة الإحصائية لمفردات (الموت والغياب والأنين والجرح) على سائر مساحة القصيدة. أمّا السمة الثالثة وتُعرف في علم النفس بظاهرة (الاستغراق في الصدمة) بمعنى أن الطفل لا يستطيع الانفصال عن حادثة الإرهاب التي مرّ بها، ومازال أسيرًا لذاكرة الجراح التي من المفترض أن تكون زمنية واستثنائية وتمضي لكن للأسف صارت الجراح مأوى للذات لا تغادرها.

ثانيًا- التعويض النفسي بتوظيف الخيال:

أمّا إذا حاولنا التعمّق في قول الشاعر منذر عبدالحر (أتجول بين النجوم/ ألعب مع القمر)، سنكتشف أنّ الطفل المقهور الذي قضى نحبه على يد الإرهاب ولقى ربّه تحرر من الموت وصعد إلى السماء يتنعّم بما كان محروما منه في الأرض. وهناك طفل آخر مقهور دائب البحث عن عن الأمان المفقود؛ فاستبدل الواقع المؤلم بعالم خيالي يمنحه الإحساس بأمان ولو مؤقتًا؛ إنها بامتياز (صفقة تعويض نفسي) في مواجهة الموت والعنف عبر الانتقال إلى عالم السماء الروحانيّ والحميم. وفي هذا العالم الخيالي تتحوّل (النجوم والقمر والغيوم) من كونها عناصر طبيعية اعتادها الإنسان إلى رموز مشحونة بالأمن والأمان الذي يفتقده  الطفل في عالم الأرض.

ثالثًا- الحاجة لعدالة وسلطة مطلقة

فإذا ما ردَّدَنا خلف الطفل عبارة: (سأُخبِر الله بكل شيء)، والتي تكررت داخل النص، بل تعمّد الشاعر منذر عبدالحر تكرارها مع سبق الإصرار على استنطاق الوجع داخلنا، لَهَيَ دليلُ على حاجة هذا الطفل إلى ملاذ أبويّ أعلى. وتلك العبارة هي المفتاح النفسي الذي كشف لنا عن حاجة الطفل إلى (سلطة مطلقة) أو (سلطة أبويّة) أو(مظلة حماية) تستمع إلى شكواه، وتبدد مخاوفه وتنصفه، وتعترف بوجوده، هذا فضلًا عن رغبة هذا الطفل المقهور في التنفيس عن رغباته المكبوتة بالحكي ومواجهة تحدياته، والقفز فوق أوجاعه، وهذه المبادرة بالحكي من جانب الطفل تُشكِّل بداية العلاج النفسيّ فقوله: (سأخبّر الله/ فعل الإخبار) يؤكد أن التداعي الحُر في الحديث عن الألم أهم وسيلة للتحرر من أسر المكبوت، وإعادة تنظيم الخبرة الصادمة.

رابعًا- الإسقاط النفسي والتجريد من الأنسنة:

حدث هذا بالفعل من خلال أربع صور شعرية صاغها الشاعر منذر عبدالحر على شكل (تشبيهات بليغة) لنجيب من خلالها على سؤال: (كيف ينظر الطفل المقهور إلى العالم؟) إنها رؤية نفسية تشظّت فيها الأشياء إلى ثنائيات حادة، حيث تقف البراءة الغضَّة في مواجهة وحشيّة وهمجية الإرهاب، ويرى الطفل من خلالها الجناة الإرهابيين مجردين من إنسانيتهم، بل يُصورهم حيوانات وكائنات هجينة ومشوّهة (ذئاب تضحك، قرود بمخالب، ذكور يزحفون، إناث من خشب) وكلها رموز دالة على القسوة وفقدان الرحمة.

خامسًا – حضور الأم في الوعي واللاوعي:

(في كل خميس/ أهبط مع الخصلة الأخيرة للشمس/ لأكون طفلا ضيفًا على مائدة أمي) تؤكد هذه الصورة الشعرية على عودة الطفل من الجنة والعالم السماوي إلى الأرض ليرى أمّه، وهذه الصورة تكشف نفسيا عن حقيقة الأم بوصفها مركزًا للتعلّق الوجداني، وأن الذات الشاعرة تشتاق إلى حضن الأم وتزهد في اللعب وسائر الأشياء المادية التي يشتاقها الأطفال؛ فمن منظور علم النفس تمثل الأم موضوع (الحب الأول) ومصدر الطمأنينة.

سادسا- التسامي ( Sublimation):

في المقطع الأخير يختتم الشاعر منذر عبدالحر القصيدة بصورة شعرية، بل بمشهد سينمائي وبلقطة الكلوز أب (Close-Up Shot) (وأصمت دهشة/ حين أرى مطرا يصعد إلى السماء/ هو أدعية الأمهات للغائبين عن نبضهن)، وفي هذا المشهد تتحوّل الدموع إلى دعاء (مطر صاعد) لتجدد العلاقة بين الأرض والسماء، ويتحوّل الفقد من كونه مصدرا للألم إلى مصدر للمعنى وقيمة روحية، تسمى اصطلاحا في علم النفس بـ التسامي ( Sublimation)

وفي الأخير هذه القصيدة من منظور علم نفس الأدب يمكن قراءاتها بوصفها تمثيلًا رمزيًّا مشحونًا بالدلالات لشخصية الضحية (الطفل/ اللأم/ الأب/ العائلة) ولذا تداخلت الذاكرة والحلم والألم والأمل في نشوء عالم تتحقق في المساواة وينضوي فيه الضحية والجلاد تحت خيمة العدالة عبر شبكة عنكوبتية من الصور الممتدة والانزياحات اللغوية والبيانية والكنايات والاستعارات التجسيدية والتشخيصية لتكشف للقاريء ما خفي من البنية الوجدانية لشخصية الطفل الشاعر منذر عبدالحر عبر قصيدة نفسية بامتياز تجمع بين المجاز والسرد المتخفي تحت طبقات الشعر؛ لتحكي لنا قصة طفل وقع فريسة للإرهاب وموجات الكراهية.

المشـاهدات 19   تاريخ الإضافـة 13/06/2026   رقم المحتوى 71287
أضف تقييـم