الأحد 2026/6/21 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 32.68 مئويـة
نيوز بار
الهوس بلقب دكتور!!
الهوس بلقب دكتور!!
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب أ. د. صدام العبيدي
النـص :

إكمال الدراسة وتطوير المعارف والمهارات أمر مشروع ومكفول دستورياً، وطموح الإنسان في تحقيق ذاته وبناء شخصيته أمر طبيعي تقتضيه الفطرة الإنسانية، فكل إنسان ينزع إلى أن يترقى ويترفع ويعلو شأنه في هذه الحياة، وهذا الحق في مواصلة الإنسان لدراسته وتنميه علومه ومعارفه إنما يأتي بالجد والتعب والمثابرة، فالشهادة لا تدل دائماً على العلم، والواقع يشهد على ذلك فهناك من يحمل أعلى الشهادات في تخصص ما وهو قد يجهل أبجديات هذا التخصص!! وقد رأيت قبل أيام من على وسائل التواصل الاجتماعي أحد الأساتذة الجامعيين وهو كان رئيس قسم في إحدى كليات القانون  جاءه استاذ فسأل رئيس القسم هذا الأستاذ عن تخصصه في القانون فقال: أني متخصص في الايداري فقال له متخصص بماذا فقال: الايداري يعني القانون الإداري!!! هذا نموذج من نماذج كثيرة عندنا اليوم ممن يحملون شهادات عليا وقد حصلوا عليها بغير استحقاق حتى صارت الشهادات العليا الموجود في العراق كثيرة جداً لا تتناسب مع عدد السكان فيه، بل يفوق عددها عدد الموجود منها في دول عدد سكانها أكثر من عدد  سكان العراق بأضعاف مضاعفة!! وكثير من هذه الشهادات حصل عليها حاملوها بطرق غير مشروعة، فمنهم من درس في خارج العراق في جامعات عليها الكثير من الملاحظات وعلامات الاستفهام ثم دفع لأساتذة فيها لينجح، ثم دفع لمكاتب أو لأساتذة ليكتبوا له الرسالة أو الأطروحة فحصل على الشهادة وهو لم يكتب كلمة منها، ولا يعرف ما فيها، ومنهم من حصل على الشهادة بالتزوير، والطرق الملتوية وغير المشروعة كثيرة، ومما زاد الطين بلة أن يخرج علينا من يضع الدال أمام اسمه في كتاباته أو على حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي وعندما تبحث في الأمر أو تسأل متى درس ومتى حصل على شهادة الدكتوراه تعلم أنه حصل عليها من الجامعات التي تمنح الشهادات عن طريق الدراسة عن بعد أو حصل على شهادة دكتوراه فخرية!! إلا يكفي ما في البلد الكثير من الشهادات والتي كما يقال في اللهجة العامية العراقية (كلك) حصل عليها حاملوها بطرق ملتوية، حتى يخرج علينا من يلقب نفسه بدكتور ويطلب من الناس أن تناديه بهذا اللقب ويعترف له به وهو حصل عليه عن طريق الدراسة عن بعد أو كانت الشهادة فخرية!! ولا يظن أحد أن كلامنا هذا وكلام من يوافقنا فيه على أنه حسد معيشة أو كره الخير للآخرين، فينطبق علينا وعلى غيرنا من أصحاب هذا الطرح المقولة الشائعة: يأخذ اللقب ويكسر الدرج، هذه العبارة التي صار يوصم بها كل من يتحدث عن ضرورة وضع ضوابط لمنح الشهادات العليا سواء داخل العراق أو خارجه ويراعى في منحها أو الحصول عليها المعايير الأكاديمية. إن الهوس بالحصول على الشهادات العليا بصورة عامة في العراق قد يكون الدافع له في بعض الأحيان الرغبة في التعيين والحصول على وظيفة لا سيما وأن كان هناك قانون رقم 59 لسنة 2017 الذي ينظم تشغيل حملة الشهادة العليا، أو قد يكون الدافع له زيادة الراتب والمخصصات بالنسبة للموظف المعين، لكن هناك الكثير ممن ليست له تلك الدوافع فهو غير محتاج للوظيفة ولا للمال وإنما يرغب بالحصول على اللقب لأجل اللقب، فاللقب أصبح هدفاً وغاية بحد ذاته مستقلاً عن المعرفة نفسها، لهذا كل همه أن يضع أمام أسمه حرف الدال وهو لا علاقة له بالعلم ولا بالمعرفة لا من قريب ولا من بعيد، هذا لأن الألقاب العلمية في العراق والدول العربية وضمن ثقافاتنا المتخلفة تحولت من درجة علمية إلى مقام، أو مكانة اجتماعية، أو لقب تكريم أو تشريف، مع أنه من المفروض أن هذه الألقاب يكون مكان استخدامها داخل أروقة الجامعات والكليات وفي قاعات الدرس؛ لأنها تعني أن حاملها مؤهل للبحث والتدريس لكن عندنا صار اللقب يستخدمه حامله في كل مكان وربما حتى في البيت فقد يطلب من زوجته وأطفاله وأخوته وذويه أن ينادونه بلقب دكتور!! وهذا الأمر لا تجده في الغرب، فأينشتاين يحمل دكتوراه في الفيزياء لكن لا أحد يناديه دكتور أينشتاين وغيره الكثير من العلماء والفلاسفة والمفكرين ينادون بأسمائهم. لا أعرف ما السر وراء هذا الأمر، وما السبب خلف هذا السعي المحموم للحصول على الدكتوراه خصوصاً عندنا في العراق؟ أهو الرغبة في التفاخر أو التعالي، أم للحصول على المكانة الاجتماعية بين الناس ونيل تقديرهم واحترامهم، أم سببه نقصان الثقة بالنفس!! لكن الذي أعرفه أن في كل العالم ليس من الضروري أن كل من أكمل الجامعة وحصل على شهادة البكالوريوس أن يكمل دراسته العليا فيحصل على الماجستير والدكتوراه؛ ليس لأن الدراسات العليا تحتاج إلى مواهب خارقة أو إمكانيات جبارة، وإنما لأن الناس يتفاوتون في مستوى استعدادهم، وتحملهم لمشاق وعناء الدراسة والكتابة والبحث والتحليل، لهذا فمن ليس له القدرة على الصبر والتحمل لذلك العناء وتلك المشاق فهذا غير مؤهل للمضي في مشروع الدراسات العليا؛ لأن الحصول على الدكتوراه ليست نهاية المطاف وإنما بحصول الشخص على هذه الشهادة تبدأ رحلته، فأمامه طريق طويل في البحث والدراسة والتحقيق، لذلك مخطئ من يظن أنه بحصوله على الدكتوراه أو حتى على أعلى لقب وهو الأستاذية أن بحصوله عليه قد أنتهى زمن القراءة والكتابة والدراسة والبحث والتحقيق، فما أجمل الكلام الذي سمعته من أحد الأساتذة الكبار في العراق وهو كاتب ومحقق له العشرات من المؤلفات والكتب في تخصصه يقول: إن حصول الدكتور على لقب أستاذ لا يعني أنه سيتوقف عن البحث والكتابة وإنما من حصوله على هذا اللقب ينبغي أن تبدأ رحلته في الدراسة والكتابة والبحث والتحقيق؛ لأنه صار كما يقال أسطه، فقبل حصوله على الاستاذية كان يكتب وهناك من يدقق ويراجع عمله، أو يقيم ما كتبه وبحثه، فبحصوله على الأستاذية صار أسطة لا يدقق ويراجع ويقيم ما كتبه أحد، وكيف للأسطة بعدما وصل هذه المرحلة في عمله حتى صار متقناً وبارعاً فيها أن يتوقف؟!! ويضيف هذا الأستاذ قائلاً: أن أكثر أعماله في التأليف والتحقيق تم أنجازها بعد حصوله على الأستاذية. فالحصول على الدكتوراه أو حتى الاستاذية ليست نهاية المطاف بل هي بداية المشوار، لذا فمن كانت له هذه القدرة وعنده القابلية والاستعداد لتحمل عناء البحث والدراسة فهذا يدل على أنه مؤهل وجدير في الدخول في الدراسات العليا والحصول على الشهادات والألقاب العلمية، فالساحة مفتوحة أمامه، أما من يريد الحصول على الشهادة بدون تعب، ولا جهد، ولا عناء فهذا غير مؤهل للحصول على تلك الشهادات، وغير جدير بها. وأرجع وأقول لا أعرف ما السبب وراء هذا الهوس الذي صار عند العراقيين مؤخراً بلقب دكتور بهذا الشكل، لكن أنى لنا مثل المرحوم الدكتور علي الوردي ليحلل لنا أسباب هذا الهوس؟!

 

المشـاهدات 44   تاريخ الإضافـة 21/06/2026   رقم المحتوى 71539
أضف تقييـم