| النـص :
خلال العقدين الأخيرين يشهد المجتمع العراقي تحولاً راديكاليا في أنماط الاستهلاك ، بسبب طفرة الدخل النفطي ، وسياسات الاستيراد المفتوحة، وتأثير العولمة الرقمية. وأيضا تشكل طبقة من الموظفين يناهز تعدادها 15% من مجموع المواطنين، وكنتيجة حتمية لهذا التحول نحو "مجتمع استهلاكي" يديره رأس المال، فإن أثمانا باهظة سيدفعها المواطن على كافة الأصعدة، اقتصادياً واجتماعياً وأخلاقياً وحتى بيئيا، مما يهدد استقرار ركائز وبنية هذا المجتمع على المدى البعيد.فعلى صعيد الاقتصاد يخلق الاستهلاك المفرط ضغوطاً هائلة: 1- الاستيراد غير المنضبط للسلع الكمالية يستنزف احتياطي العملات الأجنبية بشكل كبير. حيث تشير بيانات البنك المركزي العراقي و بشكل متكرر إلى ارتفاع فاتورة الواردات، مما يحد من قدرة الدولة على الاستثمار في البنى التحتية والقطاعات الإنتاجية. 2- إغراق الأسواق بالبضائع المستوردة الرخيصة نسبياً يفقد المنتج المحلي قدرته على المنافسة ويؤدى إلى تراجع الإنتاج المحلي وتدهور القطاعات الزراعية والصناعية، وبالتالي زيادة الاعتماد على الخارج. وبحسب تقارير وزارة الصناعة والمعادن فإن السلع المنتجة محليا تواجه صعوبات بالغة في منافسة السلع المستوردة. وفي الآونة الاخيرة عملت حكومة السيد محمد شياع السوداني على تشجيع الشركات الاجنبية على فتح مصانعها في العراق وأوقفت بشكل كبير استيراد الكثير من المواد الغذائية. 3- انتشار القروض الاستهلاكية لشريحة موظفي القطاع الحكومي وسهولة الحصول وعلى البطاقات الائتمانية (حتى بدون ضمانات كافية في بعض الأحيان) دفع بالأسر، خاصة الأسر الناشئة، إلى مستويات غير مسبوقة من الاقتراض لتمويل شراء السلع الكمالية كالهواتف الذكية الحديثة والسيارات الفارهة. حيث تشير تقارير المصارف العراقية إلى نمو مطرد في محفظة القروض الاستهلاكية. 4- إن ثقافة التباهي والرغبة في اللحاق بآخر الترندات قلصت من قدرة الأسرة العراقية على الادخار والاستثمار في التعليم أو المشاريع الصغيرة و أدت الى تآكل المدخرات ، مما يقوض الأمن المالي المستقبلي لأفراد هذه الأسر. أما على صعيد المجتمع فلا تقل الآثار الاجتماعية والثقافية خطورة عن الاثر الاقتصادي: 1- الاستعراض المبالغ فيه للرفاهية من قبل البعض، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يساهم في تعميق مشاعر الحقد لدى شرائح كبيرة تعيش حياة الفقر والحرمان، مما يهدد التماسك الاجتماعي ويفتح الباب أمام صراع المجتمع المستقطب اصلا . 2- يؤدي الاستهلاك غير الواعي، بوجود فعال للإعلانات الجذابة، إلى تقليد أعمى وغير واع لأنماط الحياة الغربية دون فرز للغث من السمين، مما يساهم في طمس الهوية الثقافية المحلية وتقويض القيم التقليدية الإيجابية كالتضامن المجتمعي، بحيث ان تقديم المساعدة يبث مباشرة على وسائل التواصل لغرض الشهرة واللايكات. 3- تفكك أسري، فقد يأكل السعي المتواصل لتحقيق الرغبات الاستهلاكية غير الضرورية الوقت والجهد المخصصين للأسرة والعلاقات الأسرية ، ويحول هذه الأسرة إلى وحدة استهلاكية أكثر من كونها وحدة تربوية. 4- إن الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد يكرس التبعية الاقتصادية للخارج ويضعف روح المبادرة والإنتاج والاعتماد على الذات لدى الفرد والمجتمع، فلماذا ننتج مادام المستورد متوافرا و رخيصا. الكلفة البيئية باهظة وجبال من النفايات 1- ان الاستهلاك المتسارع للمواد المعمرة (كالإلكترونيات) وغير المعمرة (وخاصة البلاستيك) يفوق قدرات البلديات على التخلص من النفايات، مما يساهم في تفاقم ألازمة التي تعاني منها معظم مدن العراق، مع تلويث شديد للتربة والمياه. حيث تحذر تقارير منظمة الصحة العالمية وتقارير وزارة البيئة العراقية من المخاطر الصحية والبيئية. 2- إن عمليات التصنيع على محدوديتها وعمليات نقل البضائع المستوردة تساهم في استنزاف الموارد الطبيعية وزيادة البصمة الكربونية للعراق بشكل غير مباشر. خلاصة القول ان تتوجهوا نحو استهلاك واعٍ: ان المجتمع الاستهلاكي في بلد كالعراق ليس اختياراً حراً بقدر ما هو نتيجة لسياسات اقتصادية واجتماعية وإعلامية معقدة ومتعددة المصادر فمنها المحلي ومنها الدولي، والنتائج الحالية على الاقتصاد (هما استنزاف وتبعية)، وعلى المجتمع (تفاوت طبقي وتفكك أسري)، وعلى البيئة (تلوث)، اما على القيم فهي تذهب بها بعيدا نحو المادية والاغتراب عما اصبح يسمى ب(جيل الطيبين) في اشارة واضحة الى اختلاف جذري في الاخلاق والقيم، كل هذ ينذر بمستقبل مادي الملامح ، وللخروج من هذا الفخ يتطلب منا - نشر الوعي المجتمعي بخطورة هذا النمط الاستهلاكي الحالي.- سياسات حكومية حازمة تدعم الإنتاج المحلي وتنظم الاستيراد وتشجع على الادخار والاستثمار، وتعزز قيم الاكتفاء الذاتي والاستدامة. إن مستقبل العراق يعتمد على قدرته على التحول من مجرد سوق استهلاكي ضخم إلى مجتمع منتج، مبدع، ومدرك لضرورة التوازن بين تلبية الحاجات الاساسية الحقيقية والحفاظ على موارده وقيمه.
|