| النـص :

الدكتور/ محمد بيومي ابراهيم/جامعة القاهرة.
تبدو رواية ثِغيب ،للروائي العراقي شوقي كريم حسن، عملاً يختبر حدود النوع الأدبي بقدر ما يختبر حدود التجربة العراقية . فالنص لا يدخل إلى العالم الروائي بوصفه امتداداً مطمئناً للتقاليد السردية المستقرة، إنما يقتحمها بوصفه مشروعاً للخلخلة والتشكيك وإعادة توزيع السلطات بين الأجناس الأدبية المختلفة. ومن ثم فإن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه لا يتعلق بما إذا كان النص رواية خالصة أو مسرحاً مقنّعاً أو هجينة أجناسية، بل يتصل بطبيعة هذا الإنفلات ذاته: هل نحن أمام عجز عن الإنضباط النوعي، أم أمام استراتيجية جمالية تقصد إلى جعل التشظي البنيوي مرآةً للتشظي التاريخي والوجودي الذي يحكم العالم الذي تمثله الرواية؟
إن البنية التي تتأسس عليها ثِغيب تنطوي على نزعة مضادة لفكرة النقاء الأجناسي. فالسرد لا يسعى إلى إخفاء مصادره أو إلى المحافظة على وهم الإستقلال الشكلي، لأنه يعلن منذ اللحظة الأولى عن ميل واضح إلى أستعارة أنظمة التعبير المجاورة. وتتجاور فيه آليات الرواية مع تقنيات المسرح، لا بوصفها زينة شكلية، بل باعتبارها أدوات لإنتاج وعي جديد بالحدث وباللغة وبالتمثيل . وهذا الأنفتاح على فضاءات أخرى جعل النص أقرب إلى مفهوم “النص العابر للأنواع” الذي تتراجع فيه الحدود التقليدية لمصلحة بنية هجينة، لا تعترف بالتصنيفات الصارمة بقدر ما تعترف بقدرتها على إستيعاب التوترات المتعارضة داخل نسيج واحد.ولا يبدو حضور المسرحيات الداخلية أو الأصوات الجماعية أو الآليات الكورالية مجرد استعارة عابرة، بل يمثل محاولة واعية لتقويض الإندماج العاطفي الكامل، وإبقاء المتلقي في منطقة المراقبة النقدية. فالنص لا يسمح بالأستسلام السهل إلى التعاطف، وإنما يضع المتلقي باستمرار أمام مسافة فاصلة بينه وبين الوقائع، بحيث يصبح التأمل في آليات السلطة والقمع والخداع جزءاً من التجربة الجمالية ذاتها. وهكذا تتحول البنية إلى أداة كشف، لا إلى وسيلة محاكاة فحسب.ومن هنا، فإن ما يبدو على السطح تمزقاً في الهوية السردية، يمكن النظر إليه بوصفه انعكاساً لواقع تاريخي فقد هو الآخر وحدته وتماسكه. فالعراق الذي تنتجه الرواية ليس مكاناً مستقراً، بل فضاءً تتداخل فيه الأزمنة، وتتراكب فيه صور الموت والحرب والجوع والخوف. وبذلك تصبح الهجنة الأجناسية معادلاً موضوعياً للهجنة الوجودية التي يعيشها الإنسان العراقي في ظل الأنظمة الشمولية وآلات الحرب المتواصلة.وتكتسب الرواية بعداً أكثر تعقيداً من خلال لعبتها الميتاسردية التي لا تكتفي بسرد الحكاية، بل تجعل من فعل الكتابة موضوعاً للسرد. فالعالم الروائي لا يقدم نفسه باعتباره حقيقة نهائية، بل باعتباره بناءً قابلاً للمراجعة والشك والتشكيك. ولهذا فإن الحدود الفاصلة بين المؤلف والراوي والشخصية لا تعود ثابتة، بل تدخل في علاقات مراوغة تجعل الذات الكاتبة جزءاً من اللعبة التخيلية، لا مرجعاً متعالياً عليها ،ولا ينبغي النظر إلى هذا التداخل بوصفه سقوطاً في النرجسية الفنية بقدر ما يمكن قراءته باعتباره إعلاناً عن أزمة الهوية نفسها. فالمؤلف هنا لا يثبت حضوره لكي يؤكد سلطته، بل ليكشف هشاشتها. إنه يدخل النص لا بوصفه إلهاً خالقاً، وإنما باعتباره كائناً آخر معرضاً للانكسار والالتباس والتشظي، الأمر الذي يحول الكتابة إلى مساءلة دائمة لمفهوم المؤلف ولحدود الحقيقة السردية.وفي المستوى الدلالي، تنفتح الرواية على أفق رمزي كثيف، حيث تتحول الفجيعة العراقية إلى مجاز شامل. فالجوع لا يظهر بوصفه واقعة اقتصادية فحسب، بل بوصفه شكلاً من أشكال الإذلال الوجودي، والحرب لا تبدو مجرد حدث تاريخي، بل نظاماً دائماً لإنتاج الخراب. ومن ثم فإن الشخصيات لا تتحرك داخل وقائع فردية محدودة، وإنما داخل مصير جماعي تذوب فيه الحدود بين الذاتي والتاريخي.وتتجلى خصوصية النص في قدرته على تحويل السخرية إلى أداة مقاومة. فبدلاً من الخطاب التراجيدي الخالص، يلجأ إلى الكوميديا السوداء بوصفها شكلاً من أشكال فضح السلطة وتعريتها. وهنا تصبح الضحكة نفسها شكلاً من أشكال الاحتجاج، ويغدو التهكم وسيلة لتقويض الخطابات الرسمية التي بنت شرعيتها على تقديس الموت وتحويل الإنسان إلى وقود دائم للحروب.وتستمد الرواية جانباً من قوتها من اشتغالها على الذاكرة بوصفها ساحة صراع. فالسلطات الشمولية لا تكتفي بالسيطرة على الحاضر، وإنما تسعى إلى إعادة كتابة الماضي نفسه، بحيث يتحول التاريخ إلى مادة قابلة للمحو والاستبدال. ولهذا تبدو النصوص والوثائق والسجلات داخل الرواية عناصر مشبوهة، لا يمكن الوثوق بها بصورة مطلقة، لأن الحقيقة نفسها تصبح ضحية للتزوير المنهجي.وفي هذا السياق، يكتسب الموت دلالة مزدوجة؛ فهو ليس نهاية بيولوجية، بل بداية لسلسلة جديدة من المحاكمات والبعوث والتكرارات. إن الميت لا يغادر المسرح، وإنما يظل حاضراً بوصفه شاهداً وضحية في آن واحد. ومن هنا تنبع المفارقة الكبرى التي تجعل الحياة والموت يتبادلان المواقع، بحيث يصبح البقاء نفسه نوعاً من العقوبة المستمرة.
إن شوقي كريم حسن لا يكتب من موقع المؤرخ البارد، ولا من برج التنظير المعزول، بل من تخوم الجرح العراقي نفسه، حيث تتجاور السخرية مع المراثي، ويتعانق العبث مع الحنين، ويغدو الأدب محاولةً أخيرة لإنقاذ ما تبقى من الإنسان.ولعل ما يلفت في تجربته ليس سعيه إلى استرضاء الذائقة أو الارتهان إلى القوالب الجاهزة، بل انحيازه الدائم إلى المغامرة الفنية، وإلى الإنصات لأصوات المنسيين والمقهورين والمطحونين تحت عجلات التاريخ. ومن هنا، فإن قراءة ثِغيب ليست قراءة لنص منفرد فحسب، بل هي اقتراب من عالم روائي يتشكل ببطء وصبر وألم، عالم يواصل شوقي كريم حسن تشييده بحساسية عاشق لوطنه، ومؤمن بأن الكلمات، مهما بدت واهنة أمام الخراب، قادرة على أن تحفظ ذاكرة الذين لم يجدوا من يروي حكاياتهم.هكذا يطل شوقي كريم حسن، لا بوصفه صانع حكايات وحسب، بل بوصفه ابناً وفياً لذاكرة العراق، يحمل في لغته شيئاً من أنينه، وفي سخريته شيئاً من مرارته، وفي محبته للإنسان شيئاً من الأمل الذي يرفض أن ينطفئ. وربما لهذا السبب، تبقى نصوصه أقرب إلى رسائل حب مؤلمة موجهة إلى وطن أنهكته الحروب، وإلى بشرٍ لم يتوقفوا، رغم كل ما فقدوه، عن الحلم بحياة أكثر رحمةً واتساعاً.
|