الفخ الكبير
![]() |
| الفخ الكبير |
|
كتاب الدستور |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب رياض الفرطوسي |
| النـص : خلف واجهات الدوائر والمؤسسات التي تبدو منظمّة ووقورة، تدور رحى حرب صامتة وقذرة؛ إذ يتحول السلوك الوظيفي اليومي في مجتمعاتنا المأزومة إلى مسرح مشوه للاستعراض والتظاهر والنفاق. ليست الهيمنة في جوهرها سوى هذا النزوع المرضي لدى الفرد لممارسة دور الرقيب والجلاد على رفيقه. ففي أروقة المكاتب، يذوب الضمير المهني ليحل محله منطق الوشاية المزمنة كأداة للصعود أو لتصفية الحسابات الشخصية. إنها ثقافة "البصاصين" القديمة وقد ارتدت بدلات حديثة، حيث يجلس الموظف وراء شاشته لا ليرفع حيفاً عن مراجع، بل ليتحين الفرصة لغرس خنجر الوشاية في ظهر زميله، مستخدماً قاموساً مبتذلاً لا يختلف في جوهره عن قواميس الشجارات العابرة في المرائب الشعبية. هذا الاستعراض الأجوف والنفاق المؤسساتي لخصه أحد كبار كتاب أوروبا الشرقية حين تأمل بلاده بعد الانهيار الكبير؛ فرأى أن المجتمع لم يربح سوى استبدال البلادة الأيديولوجية القديمة بانتهازية تجارية شرهة، وصار محدثو النعمة والنصابون هم قادة المشهد وجلاديه الجدد.
نحن نعيش انفصاماً قاتلاً يُبدع فيه البعض على الورق كفراشات تحلق في فضاء الفضيلة والوعي، بينما يختبئ في لاوعيهم مخزون مرعب من القسوة وضغائن العصور المظلمة، لا يلبث أن ينفجر ما إن ينام الضمير. نحن تلك التناقضات الماشية على قدمين؛ الضمائر المعطلة التي أصابها الموت لعدم الاستعمال، والوجوه السادرة في غيبوبة جماعية لا تستفيق إلا في مواكب الوجع الكبرى واللطميات الجماعية. نحن حالة من الانتحار المؤجل تفتقر لأبسط قيم التضامن الإنساني، حتى وإن جمعتنا لحظة حصار أو مداهمة للقطيع. نحن الأرق المقيم، والخيول التي تركتها الحروب العبثية على التخوم لتنسى في حكايات منسية، مثل أوز مهاجر طرده الجفاف من أهواره، ليجد نفسه معلقاً على مصاطب محطات المنافي تحت المطر، يراقب حافلات مسروقة وأوطاناً تتبدد كالأسمال المهملة في طرق بلا نهايات.
إن هذا التيه التاريخي هو السطر الأخير لقرون من العذاب والوقوف تحت السياط المرفوعة عبر الزمن، حتى أدمنا الهلاك وصار جزءاً من هويتنا. نحن الشخوص المأزومة التي شرّحها علماء الاجتماع في دراساتهم عن الشخصية الفصامية، نحن الثوار في القصائد، وخدام الأجهزة الأمنية في الكواليس، نغني في طريقنا للمشانق ونرشد الغزاة في آن واحد. إنها اللعنة التاريخية القديمة التي جُبِل عليها أهل الشقاق منذ عهود الولاة الأقدمين؛ سارقون إذا جنّ الليل، ومتباكون في الصباح على الأسوار، يتركون طهر بيوتهم لينغمسوا في وحل الرذيلة على شطآن الأنهار.
وأمام زعماء هذا الخراب وأبنائهم وأحفادهم واصهارهم ، نتكشف كظواهر جاهزة دوماً للتصفيق والرقص الفوري على كل الأنغام الطائفية والقومية والسياسية والعشائرية . نحن حقول الجفاف والكلاب التي تعوي على قمر بعيد، بينما الأشجار والأوطان والثروات والسيادة تطير في مهب ريح الفساد. من جيل الصرائف والفقر المدقع والأموال المنهوبة، نعلن اليوم التنازل عن كل شيء؛ ليس كرماً منا بل هو العجز المقيت الذي كبل الأيدي. لكنه عجز لن يدوم، فلن نمحى كغبار في الريح، ولسنا ضباباً يتبدد، بل إن هذا الرماد يخفي جمرة الوعي القادم؛ حيث ستتحول مقابر حيتان الكتل وصناع الخراب يوماً إلى منادب ومباول للتاريخ، ولن تذهب سُدى عذابات صغارنا الصابرين في أتون معامل الطابوق، ولا أرواح الأطفال المنسيين وهم يبيعون الماء عند الإشارات الضوئية تحت سوط هذا الصيف القائظ، بل ستصنع غداً يرتدي فيه سماسرة الأوطان عارهم، بعد أن حوّلوا البلاد إلى مسرح للسطحية والتفاهة، وميدان لـ 'الهوبزة' والاستعراض الفارغ، وجعلوا من جلودنا أحذية لزعماء الصفقات.
|
| المشـاهدات 54 تاريخ الإضافـة 25/06/2026 رقم المحتوى 71657 |
أخبار مشـابهة![]() |
لندن تحتضن جوائز الاغا خان للموسيقى من الشرق الكبير
|
![]() |
يحيى الفخراني يستعد لتقديم مسرحية الملك لير في المسرح القومي بالقاهرة |
![]() |
د علاء عبدالهادي المفكر الكبير
وابداعات وطن |
![]() |
الكسو تمنح الفنان المصري الكبير يحيى الفخراني لقب شخصية العام الثقافية
|
![]() |
السوداني يعزي برحيل الأديب والروائي الكبير
اتحاد الأدباء ينعي رحيل الروائي أحمد خلف |
توقيـت بغداد









