السبت 2026/6/27 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 33.57 مئويـة
نيوز بار
قراءة قصيدة (يا حسين) للشاعر منذر عبد الحر وِفْقَ نظرية (التلقي)
قراءة قصيدة (يا حسين) للشاعر منذر عبد الحر وِفْقَ نظرية (التلقي)
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

ناصر أبو عون

أولا – نصّ قصيدة (يا حسين)

 [نزلَ السيفُ فوقَ هامِ الزمان- فاستفاقَ الرفيفُ في الأكفان/ ومضيئاً رأسُ الحسينِ توارى- فغدا الموتُ غايةَ الإنسان/ كبرَ البوحُ هذهِ كربلاءٌ- أيّ قولٍ تجودُ فيه المعاني/ منذُ كنّا على الهمومِ نياماً- كانَ للطفِّ بيننا علمان/ علمُ الظلمِ إذْ يصيرُ جبالاً- راسخاتٍ في جبينِ الزمان/ ورؤى الضيمِ إذْ تبدّى رماحاً- أبلغ الدرسِ من شذا القرآن/ وجرى الدمعُ أنهراً خالداتٍ- كلَّ عامٍ تفيضُ بالأحزان/ يا شهيدَ الحقِّ جئنا جموعاً- نلثمُ الجرحَ مطلقينَ الأماني/ يا بكاءَ السماءِ إذ  تتلظّى- يا عيونَ اليقينِ والبرهان/ بايعوك أرسلوا جحافلَ قولٍ- فتوجّهتَ مؤمناً بالبيان/ فُجِعَ الدّهرُ حينَ صارتْ هواءً- كلّ عهدٍ كما انقضى العهدان/ وتوارى النهارُ خلفَ تلالٍ- من ذرا الخوفِ في سرى البهتان/ يا ابن بنتِ الرسولِ، يا ابن عليٍّ- يا نميراً  يضوعُ بالريحان/ بين ناسٍ همْ أشرفُ الخلقِ طرّاً- صعدوا أنجماً في ربوعِ الجنان/ يا رؤى الطفِّ يا أسىً من جراحٍ- يا حروفاً تضجُّ بالغليان/ كلُّ شيءٍ معَ الخشوعِ تبدّى- وبكى الكونُ محنةَ العطشان/ وفراتٌ قد ظلَّ دهراً حزيناً- فعليه تقطِّعتْ كفّان/ إذْ أتاه العبّاسُ يجلبُ ماءً- لمْ يذقْهُ وغامتِ العينان/ يا كريماً بصورةٍ من ضياءٍ: - وردَ الموتُ من دمِ العطشان/ أيُّ جودٍ بمثلِ جودِكَ يبدو- يا أبيّاً وفارسَ الفرسان/ قلتَ للموتِ أن يجيءَ ذليلاً- ولحدّ  السيوفِ: هذا كياني/ فمشى للطعانِ جمعُ بدورٍ- من ضياءِ النبيِّ فيها معاني/ تتعبُ الروحُ عند ذكرِ السبايا- أيُّها الدهرُ لا تُثِرْ أشجاني/ أقبلَ الحرُّ حائراً فتجلّى- قلبُهُ عامراً من الإيمان/ إذْ رأى في  الحسينِ صدقَ يقينٍ- فتبدّتْ بقلبِهِ نعمتان/ فسعى الحرّ للشهادةِ حرّاً- لخّصَ العمرَ كلَّهُ في ثوان/ ومضى المؤمنون نحو مماتٍ- في حياةٍ تضجُّ بالألوان ِيا عليّاً يا أكبراً يا أميراً- يا شبيهَ النبيِّ في كلُّ شان/ يا ابن أهل الكِساءِ يا خيرَ نورٍ- قد أضأت الهدى بكلّ مكان/ قتلوكم يا ضوء عينِ سماءٍ- قد بكتْكمَ بكاؤها نهران/ زينب الطهر ويحَ نفسي عليها- أطلقتْ ما يجيش كالبركان/ قتلوا أهلها النجومُ تداعتْ- وغدا الكونُ أحمرَ اللونِ قان/ صرخَ الحقُّ كلُّهُ: يا إلهي- أطفأَ النورَ تابعُ الشيطان/ حملوا الرأسَ كي يسيرَ عماهُمْ- في ظلامٍ يحفُّ بالعميان / إذْ رأتْهُ رقيَّةٌ  فتبدّى- صوتُهُ وهو ميّتٌ بالحنان/ رسمتْ من جنى الشهادةِ غصناً- من ضياء ٍ يُضافُ للأغصان/ يا نداءَ الحسينِ في كلِّ عصرٍ- يا دليلاً لمسلك الحيران/ هذه الأرضُ كلُّها كربلاءٌ- وجهادُ الدماءِ في الميدان/ ظهرَ اليومَ ألفُ شمرٍ جديدٍ- ورضيعٍ يموتُ إثرَ طعان/ كلّ يومٍ أحزاننا في صعودٍ- لبكاء وسعينا بتفان/ نذكرُ الطفَّ موقفاً وانتماءً- وبياناً لعصرنا السكران/ بالطواغيتِ والأسى واليتامى- وشيوع الخرابِ والأوثان/ قدْ أتيناك يا حسينُ جموعاً- أمّةَ الحقِّ فوقَ رأس سنان].

 

منذ سنة 61 هجرية ومازال دم الحسين يشخب، وينثر عبيره المضمّخ بالحزن في الآفاق، ومازالت الأقلام تضع أسنّتها المذخّرة بالحداد في تربته الطهور؛ لتكتب للأجيال المتعاقبة فصلا جديدًا من حكاية لا تموت، وإن احتضر رُواتها الأقدمون على مقام الوجع، ومازال دخانها يَصَّاعد ليزكم أنوف الباطل، ويُثَوِّرُ آلام المضطهدين صيحاتٍ للحرية المخنوقة في حناجر تصدح بأغاني العدل والمساواة، وتعقد العزم في كل عاشوراء بالسير على منهاج آل البيت قابضة على جمرة الولاء، وتجديد العهد ألا تحيد عن طريق الحسين مهما فرشوه بالإغراءات.

 وانطلاقًا من تطبيقات نظرية (التلقّي) على قصيدة (ياحسين) سنحاول عبر الاندماج في عملية قراءة تفاعلية وتشاركية مع الشاعر منذر عبد الحر عبر سلسلة من عمليات الاستجابة، وإعادة بناء الدلالة، والطواف في مدارات الفضاء الثقافي للقصيدة، والدخول محرابها الدينيّ متطهرين من دنس النّفاق النقديّ، ومُتدثرين بِبُرْدة الحقيقة التاريخية التي وصمت جبين الشرق بالخزي والعار.

(1) ثنائية القاريء والقصيدة:

يقول الشاعر منذر عبدالحر:" هذه الأرضُ كلُّها كربلاءٌ- وجهادُ الدماءِ في الميدانِ"، ومن هذه الإطلالة سندخل إلى بهو القصيدة، ونحن نستدعي من صناديق الذاكرة (كربلاء) بخَيلها ورَجِلها، وصوت النِّصال وهي تتكسّر على النِّصال، ونستمع لأصداء الحِراب الصاهلة نحو الصدور العارية، ولكن علينا السير خلف الشاعر، ولا ننسى هذه الواقعة، بل نتجاوز أحداثها التاريخية وصولًا إلى رزنامة من الأبعاد الإنسانية والرمزية، لنخرج من بركة الدماء التي مازالت تغوص أقدامنا في أوحالها - بوصفها مكانا تاريخيًا - إلى حلقة جديدة من الصراع العالمي الحتميّ بين الخير والشر. ولأننا تردّينا بأردية قُراء القرن الحادي والعشرين؛ سنصبح طرفًا في صناعة الحدث، وطرفًا فاعلًا في الخطاب الشعريّ، ولن نكتفي باجترار الذكرى، ولا بالجلوس متفرجين أمام بانوراما واقعيّة تنقلنا إلى أرض المعركة تحت نسمات أجهزة التكييف المركزيّ؛ ونستجيب لنداءات منذر عبدالحر المتكررة: "يا حسين/ يا شهيد الحق/ يا ابن بنت الرسول).

(2) التأثير والتواصل: 

"وجرى الدمع أنهرًا خالداتٍ- كلَّ عامٍ تفيض بالأحزان"، من هذه الجملة الشعرية سنكتشف (الوظيفة التأثيريّة) لقصيدة الشاعر منذر عبدالحر؛ فهو لا يتعمّد استثارة حالة من التعاطف، ولا يؤجج شعورًا متدفقًا بالحزن يستهدف من خلاله الوجدان الجمعيّ للمتلقين فقط، بل إنّ منذر يؤسس سعى إلى تأسيس صورة شعرية مؤثرة كعلامة تِجاريّة تبقى ثابتة في الأذهان لا تُنسى، وتُشبِهُ في وظيفتها خنجرًا ينحت الدمع أخاديد وأنهارًا على الخدود، وينقش مجارٍ عميقة تتدفق بالحزن لن تمحوها الأيام، والمثير للدهشة أنّ تلك الحالة الوجدانية التي نعيشها مع هذه الصورة الشعرية تترسّخ وتنمو في منحنى تصاعديّ مشحونة بمفردات لا تَمَلّ تكرِّر نفسَها لفظًا ومعنى في متن القصيدة، نذكر منها: (الجرح، الد، العطش، السبايا، الشهادة). أما (الوظيفة التواصليّة)، وهي بدورها تصهر القاريء في الطقس الشعري للقصيدة وهي متحققة من خلال اللغة الخطابية والندائية؛ كما في قول الشاعر: "قد أتيناك يا حسين جموعًا"، والتي حوّلت القاريء من حالة التلقي السردي البارد إلى حالة المشارك الوجداني المتفاعل باشتباك وإيجابية.

(3) بين الفني والجمالي:

إننا نعتقد جازمين أنّ الشاعر الحقيقي هو القادر على أن يضع القاريء بين قطبين كلاهما موجب؛ فأمّا القطب الأول، فهو [(الفني)= القصيدة كما كتبها الشاعر] كما في قول منذر عبدالحر:"نزل السيف فوق هام الزمان"؛ فالسيف لم يهبط على الإنسان بل هبط على الزمن نفسه. وقد تجلّى القطب الفني واضحًا ومؤثرًا في قصيدة (يا حسين) على أربعة ديناميات نشِطة وفاعلة داخل القصيدة؛ وهي: (1- الصور البلاغية - وإن كانت تقليدية فهي متجددة-، 2- التكرار الإنشاديّ، 3- الإيقاع الخليليّ المنتظم، 4- البناء العموديّ). وأمَّا القطب الثاني، فهو [(الجماليّ)= ينبع من تفاعل القاريء مع رموزه وإشاراته) إيمانًا من الشاعر بأنّ القيمة الجمالية لا تنبع من  القصيدة وحدها؛ بل يتم إنتاجها في وعي المتلقي، الذي لا يفهم الصورة بمعناها الحرفي من قول الشاعر"نزل السيف فوق هام الزمان"؛ فاستنتج أن استشهاد الحسين أحدث زلزالًا تاريخيًّا وأخلاقيًّا سيمتد أثره عبر العصور إلى أن تقوم الساعة.

(4) التحقق والتأويل:

يعتقد أنصار (نظرية التلقي) أنّ معنى القصيدة يتحقق خطوة خطوة، وتدرجيا تظهر ملامحه أثناء اندماج المتلقي في فعل القراءة الإيجابية. وتطبيقا على قصيدة (ياحسين) للشاعر منذر عبدالحر سنجدها في بداية القراءة مجرد رثاء ديني تقليديّ في قوله: "يا شهيد الحق جئنا جموعًا"، ومع الانجرار وراء وعي القراءة ستتسع الدلالة، كما في قول الشاعر "ظهر اليوم ألف شمر جديد، وهنا تتحوّل (كربلاء) من واقعة تاريخية إلى رمز متجدد، وصولا إلى أقصى مديات التأويل حيث ينتقل القاريء من درجة التأويل التاريخي الدنيا إلى قمة التأويل الحضاريّ الإنسانيّ، كما في قول الشاعر "هذه الأرض كلها كربلاء".  وهنا يغدو الحدث نموذجًا إنسانيًّا عامًا يتكرر في كل زمان ومكان.

(5) القاريء الافتراضي المثالي:

يتقدّم الشاعر منذر عبدالحر بهذه القصيدة إلى قاريء له مواصفات خاصة، لا يكتفي بالارتواء من معين العواطف الجياشة المتفجّرة بين أبياتها الهادرة الرنانة، بل كان الشاعر وهو حين يكتب يتخيل قارئًا مثاليًّا وواعيًا، ويمتلك مصادر معرفة متعددة المشارب، ويدرك شبكة الإحالات التاريخية والعقائدية والثقافية التي قام عليها معمار القصيدة، ويفترض وجود قاريء يتلقى القصيدة وهو متسلح بمعرفة تاريخية يدرك من خلالها دلالات شخصيات تتعلّق بالواقعة مثل:(الطف، العباس، الحُرّ، زينب، رقيّة)، وقاريء يرتكز على عقيدة دينية صحيحة وراسخة؛ ليفهم رمزية الشهادة، ومضمون الإشارات المتضمنة في جمل ندائية مثل (يا ابن بنت الرسول)، وقاريء مثقف وعضويّ قادر على استيعاب بوعي مجرد عملية انتقال الشخصيات من أبعادها التاريخية إلى أبعادها الرمزية دون مبالغة. 

(6) كسر أفق التوقعات المُسبقة:

إنّ كل قاريء منا يدخل إلى أي قصيدة ولديه مجموعة من التوقّعات المُسبقة والراسخة في ذاكرته الثقافية، حتى إذا جاء إلى عنوان قصيدة منذر عبدالحر "يا حسين"، حتمًا سيتوقّع قصيدة رثائية أو مدحيّة ذات طابع ديني بامتياز، ولا ننفي أنَّ هذا التوقّع قد تحقق جزئيًّا معنا، لكننا فوجئنا بتجاوز الشاعر لهذا التوقّع؛ وذلك حين ربط بين الماضي والحاضر في قوله:"ظهر اليوم ألف شمر جديد"؛ فنقل الحدث من زمنه التاريخيّ إلى واقعنا المعاصر. وهنا تحديدًا وقد حدث تعديل في أفق التوقّع الذي لازَمَنَا؛ حيث لم تبق شخصية الحسين تاريخية في ذاكرتنا فحسب، بل تحوّلت في الواقع المعاش إلى رمز للمقاومة، وأيقونة للحق والحقيقة في كل عصر.

(7) تعبئة الفراغات والبحث عن النص الغائب

مع معاودة القراءة للقصيدة أكثر من مرة ثَبُتَ لنا بالبرهان اليقينيّ أنّ الشاعر منذر عبد الحر قد ترك (أ) مساحات شاسعة من البياض على سطح الورقة بين الصور والمجازات الشعرية، يمكن للقاريء الواعي اكتشافها، بل اكتشفنا أنّ هناك مجموعة كبيرة من الفراغات ذات الدلالات، التي يستطيع القاريء تعبئتها من خلال تجربته الوجدانية وخلفيته المعرفية ورؤاه الثقافية؛ ففي قول الشاعر:"هذه الأرض كلها كربلاء" لا يشرح، ولا يوضِّح، ولا يفسّر للقاريء: كيف تحوّلت الكرة الأرضية بكاملها إلى (كربلاء)، بل ترك منذر للقاريء الحصيف حريّة إسقاط التجربة الحسينية على الواقع الذي يعيشه. وعندما نقرأ قول منذر:"ظهر اليوم ألف شمر جديد" فهو هنا لا يُسميهم، ولا يُحدد ملامح شخصياتهم، بل ترك للقاريء إعمال فكره في الربط بين هذه الصورة الشعرية وكل مظاهر الطغيان والاستبداد البادية في المجتمعات المعاصرة. (ب) النص الغائب: مع كل قراءة فاحصة وواعية لقصيدة (ياحسين) يمكن للقاريء - صاحب الثقافة الأصيلة والمتجذِّرة، والتي راكمها في ذاكرته طوال سنوات عمره- اكتشاف العديد من النصوص المتوارية خلف كلماتها. إذ تقوم هذه النصوص الغائبة بمضاعفة ثراء الدلالة، مثل: (الخطابات الثوريّة المقاومة في الثقافة العربية)، و(رثائيات الحسين التراثية والحديثة) "عبدالرحمن الشرقاوي أنموذجا"، و(المرويات الدينية)، و(الروايات الكربلائية).

(8) النص المفتوح:

من الإجحاف أن يبقى موضوع قصيدة (يا حسين) منغلقا على موضوع واحد متمثّلٍ في (رثاء الحسين)؛ لذا تاتي (نظرية التلقي) لتؤكد على أهمية أن تبقى القصيدة مفتوحة على مصاريعها لِتَلقِّي قراءات متعددة الرؤى، وقراءات متباينة تاريخيا، وقراءات تتفاوت باختلاف المصادر المعرفية، والتجارب الوجدانية والخلفيات الثقافية؛ فمثلا يمكن فهم (واقعة كربلاء) بوصفها (رمزًا للصراع بين الخير والشر)، أو (حالة من الصراع الإنساني) تتكرر في كل زمان وفي كل مكان أو الحرب على غزة والعراق وسوريا وفي السودان.. إلخ. وكذلك يمكن قراءة شخصية الحسين بوصفها أيقونة ثوريّة ضد الاستبداد، أو نموذجًا أخلاقيًّا أو رمزًا دينيًّا.

(9) المسافة الجمالية:

المقصود بـ(المسافة الجمالية) الفارق بين ما يتوقعه القاريء وما تفاجئه به القصيدة. فقاريء هذه القصيدة سيتوقّع من الوهلة الأولى أنّ الشاعر منذر عبد الحرسيستعيد أحداث (الطف) بحذافيرها، لكنه يتفاجأ بقول الشاعر: "هذه الأرض كلها كربلاء"و"ظهر اليوم ألف شمر جديد" فيصطدم بمسافة جمالية تحوّلت من خلالها الشخصيات التاريخية إلى نماذج رمزية حيّة، وهذا التحوّل وَسَّعَ أفق التلقّي، ومنح القصدة قيمة جمالية تجاوزت زمن كتابتها، وتجلّت المسافة الجمالية في انتقال الواقعة من بعدها التاريخي إلى بعدها الرمزي، وتجاوزت حدود الرثاء التقليدي إلى رؤية إنسانية معاصرة.

وفي الأخير يمكننا القول: إنّ قصيدة (يا حسين) نجحت في بناء علاقة تفاعلية عميقة بين القصيدة والقاريء؛ إذ ارتكزت القصيدة في مضامينها الفكريّة على تراكم ثقافي وتاريخي مشترك، لكنها لم تكتفِ بإعادة إنتاج هذا التراكم في صور كربونية مماثلة، بل حرضّت القاريء على إعادة تأويله في ضوء الحياة اليومية والواقع المعاش، فضلًا عن اكتشافنا كيف سعى منذر عبدالحر حثيثًا إلى تحقيق أعلى درجات الشعرية في قصيدته على الرغم من كلاسيكية معمارها الفني وبداوتها، بالاشتغال على عِدّة محاور؛ بَدْءًا من قدرته على توسيع وكسر أفق التوقّعات المُسبقة، وصولًا إلى فتح أبواب التأويل على مصاريعها، وانتهاءً باستدعاء النصوص الغائبة، وتحويل واقعة كربلاء من حدث تاريخي محدود إلى رمز إنساني متجدّد للحق والشهادة ومقاومة الظلم.

المشـاهدات 27   تاريخ الإضافـة 26/06/2026   رقم المحتوى 71688
أضف تقييـم