الأحد 2026/6/28 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 39.12 مئويـة
نيوز بار
الحسين..سؤال الحرية الذي لم يغادر التاريخ
الحسين..سؤال الحرية الذي لم يغادر التاريخ
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب عبدالله خالد الفلاحي
النـص :

 

 

 

ليست الشخصيات العظيمة هي تلك التي تعيش في زمنها فحسب، بل تلك التي تتجاوز حدود عصرها لتصبح جزءاً من الوعي الإنساني المتجدد. ومن بين هذه الشخصيات يقف الإمام الحسين (عليه السلام) بوصفه ظاهرةً أخلاقية وفلسفية فريدة، لم تستطع القرون أن تحصرها في إطار تاريخي أو مذهبي ضيق، لأن رسالته انطلقت من جوهر الإنسان نفسه؛ من ذلك التوق الأزلي إلى الحرية والعدالة والكرامة.لم تكن كربلاء مجرد مواجهة بين طرفين متنازعين على السلطة، كما قد تبدو في القراءة السطحية للتاريخ، بل كانت مواجهة بين رؤيتين للوجود: رؤية تجعل القوة معياراً للحقيقة، وأخرى تجعل الحقيقة معياراً للقوة. وفي ذلك المشهد الفاصل، لم يكن الحسين يبحث عن انتصار عسكري يدون في سجلات الملوك، وإنما كان يسعى إلى إنقاذ المعنى الإنساني من السقوط في مستنقع الخضوع والتبرير.ثمة لحظات في التاريخ يصبح فيها الصمت شكلاً من أشكال المشاركة في الظلم، ويغدو الوقوف مع الحق مسؤولية أخلاقية لا خياراً شخصياً. وفي مثل هذه اللحظات تتجلى عظمة الإنسان في قدرته على دفع أثمان قناعاته. لقد أدرك الحسين أن الحياة ليست قيمةً مطلقة بحد ذاتها، وإنما تستمد قيمتها من المبادئ التي تُعاش من أجلها. لذلك لم يكن الموت في سبيل الكرامة خسارةً في منطقه، كما لم يكن البقاء تحت سلطان الذل حياةً تستحق أن تُطلب.ومن هنا جاءت فرادة الحسين؛ فقد أعاد تعريف مفهومي النصر والهزيمة. فالمنتصر في المقاييس المادية هو من يملك السلاح والسلطة والقدرة على إخضاع الآخرين، أما في المقاييس الأخلاقية فإن المنتصر الحقيقي هو من يظل وفياً للحقيقة حين يصبح ثمنها حياته كلها. ولهذا بدا الحسين، في ظاهره، مغلوباً أمام قوة الدولة، لكنه في جوهر الحدث كان المنتصر الأكبر؛ لأن خصومه انتصروا على الجسد وعجزوا عن الانتصار على الفكرة، بينما استطاع هو أن يحوّل لحظة استشهاده إلى ولادةٍ جديدة لمعنى الحرية.إن عبارة "هيهات منا الذلة" ليست مجرد شعار ثوري أو كلمة حماسية ولدت في لحظة مواجهة، بل هي إعلان فلسفي عن طبيعة الإنسان الحر. فالذلة ليست حالة سياسية فحسب، وإنما هي انكسار داخلي يفقد الإنسان معه احترامه لذاته، ولذلك كان رفضها دفاعاً عن جوهر الكرامة الإنسانية قبل أن يكون موقفاً سياسياً أو اجتماعياً.وفي كربلاء ظهرت مفارقة إنسانية عميقة؛ إذ بدت السلاسل على أعناق الأسرى، بينما كانت أرواحهم تحلق في فضاء الحرية، وبدا الطغاة أحراراً في حركتهم، لكنهم أسرى شهواتهم ومخاوفهم ونزعتهم إلى الهيمنة. وهكذا كشفت الواقعة أن الحرية ليست غياب القيود المادية، بل حضور الإرادة الأخلاقية القادرة على رفض الباطل مهما كانت كلفته.ولعل سر خلود الحسين يكمن في أنه لم يترك للإنسانية حادثةً تاريخية فحسب، بل ترك لها سؤالاً مفتوحاً يتجدد مع كل عصر: ماذا يفعل الإنسان حين يتعارض الحق مع المصلحة؟ وحين يصبح الصمت أكثر أماناً من الكلام؟ وحين يكون الثمن باهظاً إلى حد التضحية بكل شيء؟ إن قيمة الحسين تكمن في الإجابة التي قدمها بفعله قبل قوله؛ فقد أثبت أن الإنسان يستطيع أن يخسر كل شيء ويبقى منتصراً، إذا احتفظ بوفائه للمبدأ.ولهذا لم يبقَ الحسين شخصية تخص أتباعه وحدهم، بل أصبح رمزاً عالمياً لكل من يرى في الحرية قيمة، وفي العدالة رسالة، وفي الكرامة جوهر الوجود الإنساني. فالأجساد تذوب في تراب الزمن، والدول تتعاقب ثم تمضي، أما المبادئ التي تُروى بالتضحية الصادقة فإنها تكتسب حياةً تتجاوز حدود التاريخ.وهكذا بقي الحسين ضميراً يقظاً في وجدان الإنسانية، وبوصلةً أخلاقية تهدي الأحرار كلما اختلطت الطرق، وتذكرهم بأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بما يملك من قوة، بل بما يملك من حق، ولا بما يربحه من مكاسب، بل بما يحافظ عليه من مبادئ. ومن هنا كان الحسين أكثر من شهيدٍ في واقعة؛ كان انتصاراً خالداً للمعنى على المادة، وللضمير على السيف، وللإنسان على كل أشكال الطغيان.

المشـاهدات 65   تاريخ الإضافـة 28/06/2026   رقم المحتوى 71701
أضف تقييـم