الأحد 2026/6/28 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 40.12 مئويـة
نيوز بار
"هذا القرنفل ليس لي" للشاعرة بشرى البستاني: حين تتحول القصيدة إلى وطن بديل
"هذا القرنفل ليس لي" للشاعرة بشرى البستاني: حين تتحول القصيدة إلى وطن بديل
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

مروان ياسين الدليمي

 

بشرى البستاني شاعرة تمتلك تجربة طويلة ومتماسكة، في الكتابة، بل هي خريطة روحية لوعي شعري ظل ينمو، ويبحث عن لغة تستطيع أن تنقذ المعنى من الخراب. وفي هذه المجموعة التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية عام 2025 ابتداء من العنوان تضعنا  أمام مفارقة شعرية كثيفة؛ فالقرنفل، بما يحمله من دلالات الجمال والعطر والبراءة، يصبح موضوع نفي: "هذا القرنفل ليس لي". وكأن الذات الشاعرة تعلن منذ البداية أن ما كان ينبغي أن يكون ملكاً لها قد صار بعيداً عنها، أو أن الجمال نفسه أصبح منفياً في عالم تتكاثر فيه الحروب والمنافي والانكسارات. الشعر هنا لا يصف العالم، بل يعيد تشكيله، والقصائد تلتقط جوهره الخفي، ذلك الجوهر الذي لا يظهر إلا حين يتحول الألم إلى صورة، والحنين إلى إيقاع، والخسارة إلى استعارة.

الوطن بوصفه كائناً حياً

من أكثر السمات حضوراً في هذه المجموعة أن الوطن لا يظهر فيها باعتباره مكاناً جغرافياً، بل كائناً حياً يمتلك قلباً وذاكرة وجراحاً.

في قصيدة «بغداد... غزة» تقول:

"كانت الأرض أمي

وكان النخيل أبي

الرافدان نشيدٌ يقاوم

باسم العراق."

في هذه الأسطر لا نكون أمام خطاب وطني مباشر، بل أمام إعادة تكوين رمزي لعلاقة الإنسان بالأرض. فالوطن هنا ليس حدوداً سياسية، وإنما أصل وجودي؛ أم وأب ونشيد في آن واحد. وتبلغ هذه الرؤية ذروتها في قصيدة "بغداد"، حيث تتحول المدينة إلى شخصية شعرية كاملة:

"وبغداد شامة كل العصور

على كتفيها رياش الحضارات."

إن الشاعرة لا تكتفي بوصف بغداد، بل تمنحها بعداً أسطورياً يجعلها تتجاوز زمنها التاريخي لتصبح رمزاً للحضارة نفسها. ولهذا فإن الجرح الواقع على بغداد ليس جرح مدينة بعينها، بل جرح الذاكرة الإنسانية. ومن اللافت أن بغداد وغزة تتجاوران في أكثر من موضع داخل المجموعة، وكأنهما صورتان لجرح واحد. فالمدينة العراقية والمدينة الفلسطينية تتحولان إلى علامتين على المصير العربي المشترك، دون أن تقع الشاعرة في فخ الشعارات أو الخطابة.

الشعرية القائمة على الرمز والانزياح

لا تُبنى قصائد بشرى البستاني على الحكاية أو السرد، بل على شبكة من الرموز المتحركة التي تتوالد باستمرار. الرمان، والسمك الأخضر، والنخل، والتفاح، والريحان، والناي، والبحر، والغزلان؛ كلها عناصر تتكرر في نصوص المجموعة حتى تبدو وكأنها معجم شعري خاص بالشاعرة. في قصيدة "ريح شمالية" تقول:

"من يُدخل الكون البهي بزهرة الرمان

من يحميه من هذا الدمار"

الرمان هنا ليس ثمرة، بل طاقة للحياة في مواجهة الخراب. ولذلك لا يمكن قراءة الرمز منفصلاً عن السياق العام للمجموعة، حيث يتحول النبات دائماً إلى علامة على الخصب والمقاومة. وفي "مائدة الخمر تدور" نقرأ:

" مات السمك الأخضر مقتولاً في ثقب الإبرة."

إنها صورة سريالية للوهلة الأولى، لكنها تحمل توتراً رمزياً عالياً. فالسمك الأخضر، الذي يتكرر كثيراً في شعر البستاني، يبدو كأنه رمز للحلم أو البراءة أو الحياة المهددة دائماً بالاغتيال. وهكذا تتأسس شعرية النص على الانزياح المستمر؛ فالأشياء لا تظهر بوظائفها المعتادة، بل تتحول إلى علامات مفتوحة على تأويلات متعددة.

التصوف بوصفه لغة للبحث لا للانسحاب

من يقرأ هذه المجموعة يلاحظ حضوراً واضحاً للمعجم الصوفي، لكن هذا الحضور لا يأتي من باب الزهد أو الانفصال عن الواقع، بل من باب البحث عن معنى أعمق للوجود.

في "مقامات المحنة" تقول:

"أبحث عنك في شعاب الليل والنهار"

وتقول أيضاً:

"يا حاجب الأسرار أدرك محنتي"

هنا يتداخل الحبيب مع المطلق، ويتحول البحث عن الآخر إلى رحلة وجودية تتجاوز حدود العاطفة الشخصية.

وفي قصيدة "الصومعة" نقرأ:

"فاجمع بي الضدين

ووحّد الاثنين"

وهي عبارة تختصر جوهر التجربة الصوفية التي تسعى إلى تجاوز الثنائيات: الحضور والغياب، الجسد والروح، الأرض والسماء. لكن ما يميز هذا التصوف أنه لا يغادر الواقع. فالشاعرة لا تنشد الخلاص الفردي، بل تبحث عن خلاص جماعي. ولهذا يبقى الوطن حاضراً حتى في أكثر النصوص تجريداً.

الأنثى بوصفها قوة خلق

في كثير من النصوص تبدو المرأة عند بشرى البستاني مركزاً للكون لا هامشاً فيه. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في "مخاطبات حواء"، حيث تعيد الشاعرة كتابة العلاقة بين الرجل والمرأة خارج الأنماط التقليدية.

نقرأ مثلاً:

"يا امرأة تشتعل في حضن الكون"

ونقرأ:

"أفيضي عليّ من نورك

كي أبصر في صميم العتمة البراهين"

فالمرأة هنا ليست موضوعاً للحب، بل مصدر معرفة وإشراق وكشف. إن حضور الأنثى في هذه النصوص لا يقوم على الاحتجاج أو المواجهة المباشرة، بل على إعادة تعريف موقعها في الوجود. فهي طاقة خلاقة، ومرجعية جمالية، ومركز للمعنى. ولهذا تبدو قصائد المجموعة بعيدة عن أي خطاب نسوي شعاري، وقريبة من رؤية إنسانية تجعل المرأة شريكاً في إنتاج العالم.

الموسيقى الداخلية وإيقاع الروح

تمتلك بشرى البستاني حساً موسيقياً واضحاً يجعل الإيقاع جزءاً من بنية المعنى. في قصيدة "موسيقى" تقول:

"فجأةً يسقط الثلج في الصالة المقفلة

فجأة تتداعى الغيوم"

تكرار كلمة "فجأة" لا يؤدي وظيفة إيقاعية فحسب، بل يجسد حالة التحول التي تعيشها الذات.

وفي مواضع كثيرة تعتمد الشاعرة على التكرار الإنشادي:

"خذيني

خذيني"

أو:

"أصعد

أصعد"

وهو تكرار يمنح النص طاقة صوتية تشبه التراتيل. كما أن الموسيقى لا تنبع من الوزن وحده، بل من العلاقات الصوتية بين الكلمات، ومن توزيع الجمل، ومن حركة الصور داخل النص. ولهذا يمكن القول إن قصائد المجموعة تُقرأ بالأذن بقدر ما تُقرأ بالعين.

جدلية الحب والحرب

من السمات البارزة في هذه المجموعة أن الحب لا يظهر منفصلاً عن الحرب، بل يتجاور معها باستمرار. في "مائدة الحرب تدور" تحضر الصواريخ والخراب والدمار، لكن وسط هذا المشهد المظلم تظل القصيدة تبحث عن نافذة للحياة:

"أشق عصا الموت

وأفتح نافذة للغزلان"

إن الغزال هنا ليس مجرد صورة جمالية، بل فعل مقاومة. وفي المقابل فإن الحب نفسه لا يأتي بوصفه حالة رومانسية خالصة، بل كقوة تواجه الخراب. تقول الشاعرة:

"هل قلت أحبك

كي ينهض نخل الأرض

ويشتعل الكون"

فالحب هنا فعل بعث وإحياء، لا مجرد علاقة بين شخصين.

الصورة الشعرية وكثافة المخيلة

تمتلك بشرى البستاني قدرة لافتة على بناء صور شعرية مركبة تجمع بين الحسّي والمجرد. من أجمل أمثلة ذلك قولها:

"البجع الأزرق خلف السور مأسور

والناي مكسور"

فالصورة لا تصف مشهداً خارجياً فقط، بل تنقل حالة داخلية من الأسر والانكسار. وفي موضع آخر تقول:

"الغصن مجروح

جف الندى

وانسلت الروح"

إن الانتقال من الغصن إلى الندى إلى الروح يحدث في لحظات قليلة، لكنه يفتح فضاءً دلالياً واسعاً يجعل الطبيعة مرآة للذات. وهذه القدرة على تحويل الأشياء الصغيرة إلى إشارات كونية هي إحدى أهم خصائص التجربة الشعرية في هذه المجموعة.

بين الوضوح والغموض الخلاق

قد تبدو بعض نصوص المجموعة عصية على القراءة الأولى بسبب كثافة الرمز وتشابك الصور، لكن هذا الغموض ليس غموضاً ناتجاً عن التعقيد المجاني. إنه غموض نابع من تعدد الطبقات الدلالية. فالقصيدة عند بشرى البستاني لا تقدم معنى واحداً جاهزاً، بل تتيح للقارئ أن يشارك في إنتاج المعنى. ولهذا فإن العودة إلى النص مرة ثانية وثالثة تكشف مستويات جديدة من القراءة، وتمنح القصائد قدرة نادرة على التجدد.

القرنفل الذي صار مرآة للعصر

تقدم بشرى البستاني في هذه التجربة واحدة من التجارب الشعرية العربية التي تجمع بين الهم الوطني والبعد الإنساني، وبين الحس الصوفي والرؤية الحداثية، وبين الموسيقى الداخلية وكثافة الصورة. البستاني شاعرة تكتب من داخل الجرح لا من خارجه، وتحوّل الخسارة إلى جمال، والخراب إلى أغنية، والمنفى إلى أفق للتأمل. ولعل أهم ما يميز هذه المجموعة أنها لا تكتفي برثاء العالم، بل تحاول إنقاذه بالشعر. ولهذا يظل القرنفل، رغم كل ما يحيط به من نفي وحرمان، رمزاً للأمل الكامن في أعماق النصوص.

إن القارئ يخرج من هذه المجموعة وهو يشعر أن الشعر ما زال قادراً على أن يكون بيتاً للروح، وأن اللغة، حين تقع بين يدي شاعرة بحجم بشرى البستاني، تستطيع أن تحول الألم إلى نور، والغياب إلى حضور، والقرنفل المنفي إلى علامة باقية في الذاكرة.

المشـاهدات 139   تاريخ الإضافـة 28/06/2026   رقم المحتوى 71721
أضف تقييـم