| النـص :
لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع أن يستيقظ العراقيون على مشهد اعتقال شخصيات من أصحاب النفوذ متهمة بقضايا فساد فما اعتبره كثيرون لسنوات مجرد حلم بعيد المنال أو شعاراً يتردد مع كل حكومة تحول فجأة إلى إجراءات ميدانية كسرت واحدة من أكثر القناعات رسوخاً في الشارع العراقي وهي أن الكبار لا تطالهم يد القانون.ولم تكن المفاجأة في تنفيذ الاعتقالات بحد ذاتها بل في حجمها أيضاً إذ لم تقتصر الحملة على اسم أو اثنين بل امتدت لتشمل أكثر من 47 متهماً بقضايا فساد بينهم 12 نائباً على الأقل بعد أن وقعت قرارات رفع الحصانة عنهم خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى لتنفذ بعدها القوات الأمنية عمليات الاعتقال داخل المنطقة الخضراء وهي أرقام لم يألفها العراقيون منذ عام 2003 وتعكس حجم التحرك الذي انتظره الشارع طويلاً.وأمام هذا المشهد وجدت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي نفسها أمام لحظة فارقة فبعد أن تبنت ملف مكافحة الفساد بوصفه أحد أهم أولوياتها وبدعم من قادة الإطار التنسيقي وفر الغطاء السياسي لتحريك هذا الملف لم يعد المطلوب إطلاق الشعارات بل مواصلة السير في الطريق ذاته حتى النهاية لأن الحكومة اليوم لا تواجه متهمين بالفساد فحسب بل تواجه منظومة تراكمت على مدى أكثر من عقدين وترسخت داخل مفاصل الدولة حتى أصبحت في نظر كثيرين عصية على المساءلة.ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث الآن هو التراجع أو التباطؤ أو الخضوع لأي ضغوط سياسية لأن أي توقف في هذه اللحظة لن يفسره العراقيون على أنه إجراء قانوني بل سيعد انتصاراً جديداً لمنظومة الفساد ورسالة بأن النفوذ ما زال أقوى من الدولة في حين أن الاستمرار هو وحده الكفيل بإثبات أن ما يجري ليس حملة مؤقتة بل بداية لنهج جديد يعيد الاعتبار لسيادة القانون.ومن هنا تمتلك الحكومة فرصة ربما لم تتح لحكومات سابقة ليس فقط لمحاسبة المتهمين بل لإعادة بناء الثقة التي تآكلت بين المواطن والدولة فالعراقي الذي يرى مسؤولين ونواباً يخضعون للقضاء سيشعر بأن العدالة لا تفرق بين صاحب منصب ومواطن عادي وأن الدولة بدأت تستعيد هيبتها من البوابة الصحيحة وهي بوابة القانون.وهذا بدوره سيولد دافعاً شعبياً كبيراً لدعم الحكومة إذا واصلت هذا المسار بلا استثناءات ولا مساومات فالشعوب تقف مع الحكومات التي تواجه الفساد بصدق لأن المواطن يدرك أن كل دينار يستعاد من الفاسدين يعني خدمة أفضل ومدرسة أفضل ومستشفى أفضل ومستقبلاً أكثر استقراراً ولذلك فإن معركة مكافحة الفساد ليست معركة الحكومة وحدها بل معركة مجتمع بأكمله.غير أن نجاح هذه الحملة لن يقاس بحجم الاعتقالات وحدها بل بما ستكشفه الأيام المقبلة من قدرة مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية والرقابية على إدارة واحدة من أعقد معاركها من دون تراجع أو انتقائية فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد تنفيذ أوامر القبض من خلال استكمال التحقيقات حتى نهايتها وكشف جميع المتورطين واستعادة الأموال العامة وإطلاع الرأي العام على نتائج واضحة وشفافة.وفي الوقت نفسه يترقب الشارع العراقي أكثر من أي وقت مضى إعلان نتائج التحقيقات أولاً بأول لأن الشفافية لم تعد مطلباً إعلامياً فحسب بل أصبحت جزءاً أساسياً من معركة استعادة الثقة بالدولة فكل معلومة تعلن للرأي العام وكل ملف يحسم بالقانون يقرب الدولة خطوة من مواطنيها ويمنح هذه الحملة زخماً شعبياً يجعلها أقوى من أي ضغوط قد تحاول إيقافها فإذا استمرت الحكومة على هذا النهج فإنها لن تكسب معركة مكافحة الفساد فقط بل ستكسب ثقة العراقيين وهي الثروة السياسية الأكبر التي يمكن لأي حكومة أن تحققها.
|