الثلاثاء 2026/6/30 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 40.78 مئويـة
نيوز بار
الدولة... وصناعة الإنسان الحلقة الثالثة: مخاض الحرب والهدنة.. هل يفرز دولة أم شراذم؟
الدولة... وصناعة الإنسان الحلقة الثالثة: مخاض الحرب والهدنة.. هل يفرز دولة أم شراذم؟
كتاب الدستور
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب رياض الفرطوسي
النـص :

 

 

إن الحرب الأخيرة، التي امتدت بلهيبها من طوفان الأقصى وصولاً إلى فصول الصراع الإيراني الإسرائيلي المباشر، لم تكن مجرد حلقة عابرة في سلسلة النزاعات الإقليمية التقليدية؛ بل كانت لحظة تاريخية فارقة أعادت صياغة مفاهيم الدولة والسيادة في المنطقة. واليوم، ونحن نعيش بوضوح معطيات انتهاء هذه الحرب، ودخول المنطقة في مناخ الهدنة الراهنة، وجلوس القوى الكبرى على طاولة المفاوضات الإيرانية الأمريكية، نجد أنفسنا أمام قراءة متجددة لمخاض تفكك النماذج السلطوية القائمة، وظهور ملامح نظام إقليمي يبحث عن مخارج جديدة. والسؤال المصيري الذي يتبلور في ظل هذه الهدنة والمفاوضات الحالية هو: هل سيفرز هذا المخاض في النهاية دولاً وطنية قوية قادرة على فرض سيادتها، أم سيعمق الانقسامات السابقة ويقود المنطقة إلى مزيد من التشرذم والبلقنة على أسس طائفية وقومية؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب منا تفكيك بنية القوة؛ فالهدنة والمفاوضات الحالية تكشف أن الدول التي تمتلك نواة صلبة هي الوحيدة القادرة على صياغة النهايات، بينما تدفع الكيانات الهشة والساحات الرخوة أثمان الحروب والتسويات معاً.

 

وتشير القراءات السياسية للتجارب المعاصرة في المنطقة إلى أن التحولات الهيكلية الكبرى لا ترتبط فقط بالديناميكيات الشعبية أو الضغوط الاقتصادية، بل تعتمد بالدرجة الأولى على مدى تماسك النواة المؤسساتية للدولة وقدرتها على إدارة الأزمات المركبة. فالنموذج العراقي في تسعينيات القرن الماضي، على سبيل المثال، أظهر أن مؤسسات الدولة ظلت متمسكة بزمام المبادرة داخلياً، ولم يتغير المشهد إلا عبر تدخل عسكري خارجي مباشر فرضته معادلات دولية مغايرة. وفي السياق السوري، شكل الاستقرار المؤسساتي والأمني العامل الحاسم في الحفاظ على الهيكل العام للدولة وتثبيت حضورها أمام أعنف موجات الضغط الداخلي والإقليمي.

 

وتبرز الحالة الإيرانية اليوم، في كواليس المسارات التفاوضية الجارية، كأحد أكثر النماذج إثارة للاهتمام من زاوية "مرونة الدولة" (State Resilience). فبينما يرى البعض في الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المستمرة منذ سنوات تحدياً داخلياً، أثبتت الصياغة المؤسساتية والأيديولوجية لطهران قدرة عالية على التكيف والاحتواء. وقد جاءت التطورات الإقليمية الأخيرة والتسويات الدبلوماسية المرتبطة بها، لتؤكد مجدداً كفاءة هذا البناء العسكري والأمني الموازي في تحويل الضغوط الخارجية إلى هوامش مناورة سياسية، مما يمنح الدولة قدرة واضحة على الصمود وصياغة معادلات الردع من موقع قوة فاعلة في الإقليم.

 

إن الخلاصة التاريخية التي نلمسها في أجواء الهدنة الحالية تؤكد أن المخاض الذي عاشته المنطقة سيحدد مصيرها السياسي لعقود طويلة قادمة. فإذا لم تستوعب النخب الحاكمة دروس هذه الحرب ونهاياتها، واستمرت في إدارة أزماتها الوجودية عبر أدوات القمع واستراتيجيات الزبائنية والمحاصصة، فإن هذه الهدنة لن تكون سوى التقاط أنفاس لتكريس نظام إقليمي بائس من "الدول الهشة" أو "الدول البوليسية"، حيث تُمارس السلطة من دون أي مشروعية أخلاقية، ويُترك المواطن وحيداً بلا حماية أو مواطنة حقيقية. أما إذا انتهى هذا المخاض بولادة إرادة سياسية جريئة تتبنى الإصلاح الجذري وتجرؤ على إعادة تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فقد تكون هذه التحولات هي اللحظة النادرة التي يولد من رحمها خيال وطني جديد؛ غير أن القدرة على الصمود في وجه عواصف هذا المخاض، وتحويل المفاوضات إلى أداة لحفظ كيان الدولة، لا ترتبطان فقط بنوايا النخب، بل بعامل بنيوي أعمق يتعلق بالتاريخ والعمق المؤسساتي للدولة، وهو ما يفسر لماذا نجحت بعض دول الجوار في الحفاظ على تماسكها بينما تهاوت دول أخرى.

 

يتبع في الحلقة الرابعة: "إيران وتركيا... دروس في عراقة الدولة".

المشـاهدات 60   تاريخ الإضافـة 30/06/2026   رقم المحتوى 71787
أضف تقييـم