الأحد 2026/7/5 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 43.48 مئويـة
نيوز بار
النحّاس بملابسه البيضاء الأنيقة
النحّاس بملابسه البيضاء الأنيقة
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

 

ناصر أبو عون

أولا- النص:

[(1) ربما أحتاجُ/ أن أمنحَهُ قليلًا من الرَّاحةِ/ مَثلًا / أخرجُه من صدري/ أُعلِّقُه كلوحةٍ تعجبُنِي على الحائطِ/ أو خوفًا من فَضْحي - كعادتِهِ -/ أضمُّهُ لألبومِ صوري القديمةِ/ وبقسوةٍ تليقُ بشاعرٍ/ على منضدةٍ رُخاميةٍ أمامِي/ أضعُه/ أضغطُ عليهِ/ كفرعون ماهرٍ/ أمارسُ/ معجزةَ التحنيطِ / يصبحُ/ أنيسًا / لجسدٍ مجنونٍ في قبرٍ ما/ قلبي الذي/ عاشَ حياتَه فقط/ لعصياني]

ثانيًا في الجزيرة الشقراء

في البدء كان نهر الشعر يسجد على عتبة بيت الشيخ موسى النحّاس خمس مرات في اليوم والليلة، فتتوضأ القصائد في نور كفيّه من درن المباشرة والغموض، وتُسبِّح الصور الشعرية بحمد ربها بين أصابعه؛ فلمّا استأذن بالرحيل قَسَمَ رغيف الشعر ما بين أخوتك، ورحل خفيفًا بلا توريّة مخادعة، أو كناية مخاتلة.. كم هي شاقة رحلتنا يا إبراهيم؛ رغم ما بيننا من حكايات مازالت تتوكأ على منسأة الشعر، وقصائد تسّاقط تتورّد صورُها من ضربات جُنحِ فينيق قرّر أن يهجر أسطورته، ويدخل الجحيم طواعيةً؛ ليصير رمادًا فيستريح من وجع القصائد، ويستقيل من وظيفته التي اعتاش عليها كتبة عصر التفاهة حينًا من الدهر، ويترك الشعراء يجترّون قصائدهم تحت أسنان التأويل، ويمضغون كذبة جديدة.

صديقي إبراهيم النحاس: رغم ما بيننا من وطنٍ يوزّع عنوةً رغيف الانتماء على اليتامى في قِسمة ضيزى ما بين نفيٍّ إجباريّ لي، وإبقاء اضطراريّ لك؛ سأعيد قراءة فنجان قصيدتك من جديد، ولكن ليس من منصّة تتحلّق حولها شلّة تتقاتل على بقعة ضوء لا تُسمن من شعر، ولا تغني من نقد.

في النص أعلاه تبقى الصورة الشعرية عروة وثقى تضفّر الجزء في الكل، وتفتح أفاق التأويل على مصاريعها؛ قلبك فيها يا إبراهيم بؤرة صراع مركزية، غير أنني لن أستطيع العثور على المعنى مُعلَّبا وسابق التجهيز إلا إذا التقى كلانا (أنا والنصّ) في منطقة وسطى لنشتبك، ونختلف، ونتفق حتى نتعاون في إنتاج معنى جديد مع كل قراءة جديدة.

لكنني استطعت على حين غفلة من النقد الدخول إلى متن هذا النص الإشكاليّ لأكتشفك من جديد يا صديقي، وما تتمتع به من  مهارة في تطويع الرمز وفتح نوافذ تطل منها الاستعارات، وحيث تغازل الرموزُ اللغةَ من شرفاتها العالية. فلمّا أمعنتُ فكري في كلمات:(التحنيط، واللوحة، والجسد المتعفن، والغبار والنار والضحكات)، اكتشفتُ يا نحّاس كيف وظّفتها لتتجاوز المعنى المباشر، وتفتح مغاليق النصّ على مصاريعها أمام رياح التأويل.

حتى إذا عُدتُ إلى مطلع النص في قولك:(ربما أحتاجُ أن أمنحَهُ قليلًا من الرَّاحةِ) بدى لي الفعل المضارع (أمنحه) بسيطا بساطتك يا إبراهيم؛ لكن هويّة الضمير(ــه) بقيت معلّقة؛ فصرتُ أركض وراءه في كل المقاطع؛ لأكتشف أنّ المقصود به (القلب)؛ فلمّا قفلتُ راجعًا إلى بداية النصّ وجدت كلمة (الراحة) فاغرة فاها، وأسرّت لي بمعاناة النحاس في سبيل التخلص من عبء هذا القلب مركز الصراع وغُدّة التمرد والألم التي تطاردك. وتلك الحركة الدؤوب ما بين بداية النص ونهايته تسمّى بـ (دائرة الفهم)؛ لذا حاولتَ يا صديقي عبر شبكة من الاستعارات الحيّة مراوغةَ هذا الألم فنَقَّلْتَ قلبك بين فضاءات عِدّة: فيأخذته من فضاء الحياة إلى فضاء الذاكرة، ثم أسريتَ به إلى فضاء الموت الرمزيّ، وظللتَ تدور في تلك المتاهة التي لا تنتهي فتحوّل قلبك النابض/مصدر الألم إلى لوحة فنيّة معلقة على جدار، ثم صار صورة قديمة، ثم أحلته إلى جثمان تضعه على منضدة التحنيط الرخامية.

وعندما بلغ النص ذروته في الخاتم:؛ قلتَ: (قلبي الذي عاشَ حياتَه فقط لعصياني) لأكتشف لاحقًا أن الصراع الحقيقي لم يكن بينك وبين قلبك يا إبراهيم، بل بين ذاتك الشاعرة وإرادتها ومن ثم، فإنَّ المعنى النهائي لا يتمثَّل في التخلص من قلبِكَ، بل في الكشف عن استحالة الانفصال عنه؛ لأن محاولة تحنيطه لا تلغي حضوره، وإنما تمنحه حياةً أخرى داخل الذاكرة.

ومن وجهة نظر بنيوية سأعرض بوجهي عن حياة النحّاس الشخصية، والطقس الاجتماعي الذي نبتت فيه بذرة النص وأنظر إليه بوصفه بنيةٌ مغلقة، حيث لا يمكن استمداد معناه إلا من سبر العلاقات الداخلية بين عناصره، وتفكيك شبكة العلاقات اللغوية والدلالية والتي تتعربش على خيوطها مفرداته وصوره.

إذن البِنية المركزية للنصّ ترتكز على الصراع بين الذات الشاعرة وقلبها، وتتوزّع القصيدة على مرحلتين متقابلتين:(مرحلة الإخراج والعزل) ، و(مرحلة التحنيط والتثبيت، ) ومن ثم فإن حركة النصّ سارت من الحياة إلى الجمود، وانتظمت في ثلاثة حقول دلالية، تعمل معًا في شبكة من العلاقات المتقابلة، وهي: حقل الجسد: ويؤسس الفضاء المادي الذي تتحرك فيه الأحداث/ حقل الفن والذاكرة: ينتقل القلب فيه من كونه عضوًا حيًا إلى أثر فنيّ أو ذكرى محفوظة/ حقل الموت: الذي يهيمن على نهاية النصّ ويمنحها وحدتها الدلالية.

وفي الأخير أقول لكم: إنّ نصّ إبراهيم النحاس قائم على بنية مغلقة تتعاون فيها الحقول الدلالية، ووتتقابل على صفحتها الثنائيات الضديّة، وتترابط فيها الأفعال، مع العلاقات الرمزية لتشكِّل معنى واحد هو محاولة الذات إحكام السيطرة على القلب المتمرّد عبر تحويله من كائن حي إلى أثرٍ جامد.

المشـاهدات 35   تاريخ الإضافـة 05/07/2026   رقم المحتوى 71940
أضف تقييـم