انسياب القُبلة في قصيدة راوية الشّاعر
![]() |
| انسياب القُبلة في قصيدة راوية الشّاعر |
|
فنارات |
أضيف بواسـطة addustor |
الكاتب |
| النـص :
د. اياد عبد الودود عثمان تمثّلُ القصيدةُ التي تكتبُها راوية الشّاعر نمطًا أدائيًّا خاصًّا، ولاسيّما عندما تقتَرنُ بطريقتِها المتميِّزة في الإلقاء، وكثيرًا ما أحرصُ على سماعِ قصائدِها في المَهرجاناتِ والمَحافِلِ الأدبيّة، فقد اجتذبَتْني أساليبُ المُراوغة، وطرائقُ توظيفِ المجاز، والتّعامل مع معطياتِ الغموض، و ولَّدَت في داخلي حافِزًا للقراءةِ النّقديّة، وكنتُ قد تفحَّصتُ ديوانَها الأخير الصّادر عن منشورات اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق بطبعتِهِ الأولى 2026، الموسوم بـ ( أفيض عن حاجةِ النّهر )، وقد قرأتُهُ جيّدًا للبحثِ في إحدى اللقيات الجاذبة لأدرسَها وأكشِفُ عن عوالمِ الشّعريّة فيها، فكانت قصيدةُ: (كي تنساب روح الأمكنة) هي المَلاذ بموضوعِها، وأسلوبِها، وهي قصيدةُ نثرٍ من طرازٍ فريد، يستحضرُ عنوانُها قيمَ الفَضيلة، وتمثّلُ ملاذًا للعودةِ إلى الفطرَة الإنسانيّة، وهي تُحاكي ـ بلغةِ الغَياب ـ قول السّياب: كانَ للأرضِ قلبٌ أُحِسُّ بهِ في الدّروب وقد أُعلِنَ عن ذلك التّعالق بشكلٍ أوضحَ في قول الشّاعرة: أريدُ الصّعودَ عاليًا.. كلّما قطَفَني السّؤال أمسكُ شعاعًا وأمرّرُ آخَرَ للعاطلينَ عن الحُلُم أتناوَلُ من السّماءِ إزميلًا وأحفُرُ الغَيمَ العالقَ في فِكري كي يَخرُجَ ذلكَ الحَديثُ كي تَنسابَ روحُ الأمكِنة ويغدو قلبُ الأرضِ مُرتبكًا أمّا الغموض فقد جاءَ مُنسَجِمًا مع موضوعِ القصيدةِ الذي يرتَكِزُ على (القُبلة) الممنوعة، والتّوجّهات النّسويّة التحرّريّة. ابتدأت القصيدةُ بتعظيمِ (القُبلة) بوصفها المُهيمنة التي تدورُ عندَها مولِّداتُ الشّعريّة في القصيدة، تقولُ الشاعرة: أريدُ أن أكتُبَ عنِ القُبلة ذلكَ الالتصاقُ الكونيّ بينَ مجرَّتَينِ من لحمٍ ودَم وهذا التّعظيم للقُبلة يُحاكي أساليبَ المُبالَغةِ البديعيّةِ الأصيلَةِ الذي أظهرَتهُ صورةُ تناولِ الإزميل، وحفرِ الغَيمِ العالقِ في الفكر، وقد تحدّثتُ عنهُ في أوّل المقال، ويمكنُ رصد أنواعٍ فاعلة من المبالغة في مواضع أخَر، من ذلك: العالَمُ المَسكونُ بالتّجريد الهتافُ الذي يُقلِقُ مَسارَ الأيّام أمّا التّعبير بلفظ (أريد) الوارد في قولِها: أريدُ أن أكتُبَ عن القُبلة ففيه استفزاز للقارئ وتحدٍّ للصّور النّمطيّة التي اعتادَ عليها، وبذلك نجدُهُ يَبحثُ في مآلات القصيد التي تُحيلُ على الحركةِ النّسويّةِ بوضوحٍ تناغمًا مع توجّهاتِ ما بعدَ الحَداثة، وقد بدا ذلك بوضوحٍ في تكرار لفظة (أريد) في أربعة مواضع، وهي فعلٌ مضارعٌ بمعنى الرّغبة، ومصدرُهُ (الإرادة) بمواجهةِ الكبتِ والتّكبيل. زيادة على ذلك جاء التّصريح بلفظ (الكتابة)، ليشيرَ بوضوحٍ إلى تلك الرّغبةِ المرتبطةِ بالتّغيير الاجتماعي، تقول الشّاعرة راوية: الكتابةُ لا تُحبُّ النّجاة فالحديثُ عن القُبلِ مكائِدٌ وفِخاخ والحَرفُ صيّادٌ نَهِم إنَّ الكتابةَ ـ هنا ـ تمرّدٌ على الواقع، والحديثُ عن القُبل بوصفه بؤرة دالّة يحيلُ على المكائد والفِخاخ المرتَبطَين في معانيهما بالصّيد، فقول الشاعرة: ((الحَرفُ صيّادٌ نهِم)) متعلِّقٌ أصلا بالكتابة؛ إذ إنّ تشبيه الحرف بالصيّاد النّهم ينقلُنا إلى تشبيهٍ موازٍ له، هو : ((الحديثُ عن القُبل)) الذي يُشبِهُ المكائدَ والفِخاخ، وهي ذات عناصر مرتبطة بالصّيد كما أسلفت، وذكر الحَرف ـ هنا ـ دعّمَ التشبيهَ الأوَّل ورشَّحَهُ. وفي تحدٍّ آخر للقيم المُزَيَّفة تظهر لفظة (أريد) في مقامٍ آخر لتحمِلَ معها إيحاءً آيروسيًّا، اقترنَ بالتّدوين، وتكشفَ عن نسقٍ مُضمَرٍ يطلبُ القُبلة: أريدُ أن أُمسِكَ بكلِّ ذرّاتِ المفاجأة وأنا أمرِّرُ للكونِ رائحَةَ العُري ونكهةَ التّدوين ثمّ تقول: مسكينةٌ قوانينُنا التي تُسَنُّ بلا قُبلة موقوتة وفي ذلك تضمينٌ لغويٌّ للقُبلة على سبيل الاتّساعِ الذي نقلنا إلى (القُنـبُلة)، وجاء التعبير ـ هنا ـ في سياق السّخرية من القوانين التي تواجهُ الفطرةَ الإنسانيّةَ والحضورَ الوجوديّ، وهذا يتناغمُ مع حال الشّرقِ المُتخلّفِ الذي أظهرَ نصفَ الكأسِ المُدوّر مغمورًا بالشّك، تقول الشّاعرة: أجل القُبلةُ ارتباك المحنةُ التي تَلِدُنا أنقياء نصفُ الكأسِ المُدوَّر .. المغمور بالشّك لقد تحوّلت القُبلة من قيمتها المعنويّة والحسيّة إلى قيمة مَرَضيّة، تبعَتْها صورةٌ تطهيريّةٌ أرسطيّة حينَ قالت: ((المحنةُ تَلِدُنا أنقياء))، وفضلًا عن هذه الإحالة الأرسطيّة يَظهرُ انتقادٌ لـمَن لا يرى الكأسَ بصورتِهِ الكاملَةِ على سبيل الاستعارة التمثيليّة، التي استعانَتْ بنصفِِ الكأس مُدوَّرًا إمعانًا في الكشفِ عن التّزييف؛ فنصفُ الكأسِ المُدوّر يَصعبُ مَعرفةَ حدودِهِ، وما يمكنُ أن يكونَ عليهِ الواقع. ثمّ تُهيّئ القصيدة ذهن المتلقّي لاستقبال خاتمةٍ اعتمَدت الصّورَ الذهنيّة المبتَكرَة، التي توالت: (نصف الكأس المغمور بالشّك، والعالم المسكون بالتّجريد، والهتافُ الذي يُقلق مسارَ الأيّام، والكتاب الذي يُقرأُ على الأرصفة وتحتَ الشّجر، والثمرة الكادحة التي لا عيدَ لها)، كلّ هذه الصّور تعلن عن اغترابٍ شديدٍ يُكثِّفُ محنةَ المجتمعِ المرتبِك الذي لخّصتْهُ خاتمَةُ القصيدة، بعد ترك فضاءٍ كتابيٍّ أعطاها خصوصيّةً أوضحَ إيغالًا في التّخييل والاغتراب، في لحظةٍ فلسفيّةٍ هائلةٍ ترتبطُ بالاستهلال: القُبلةُ كونٌ منسَلٌّ من ذاكرةِ ربّ وحيد وقد كثّفتْ هذه الخاتمة القُبلة بكسرها للصّورة النمطيّة بتشبيهها بالكون الذي يحيل على الموجودات جميعًا في الزّمان اللامطلق، والمكان المفتوح، وجعلت هذا الكون منسلًّا يخرجُ برفقٍ وخفيَةٍ من ذاكرةِ الربّ التي افترضتْهُ تلك الخاتمة ـ الربّ الذي ظهر وحيدًا لا واحدًا إيغالا في التّخييل وإمعانًا في إظهارِ الاغتراب. |
| المشـاهدات 37 تاريخ الإضافـة 05/07/2026 رقم المحتوى 71941 |
أخبار مشـابهة![]() |
نظام بولونيا في الجامعات العراقية : تحديات التطبيق واشكاليات المواءمة مع البيئة الاكاديمية
|
![]() |
الضغوط النفسية بين الدراسة والعمل وكيفية الموازنة بينهما
|
![]() |
حفلات غنائية في اميركا للفنان ماجد المهندس الشهر المقبل
|
![]() |
السوربون واللوفر تستضيفان مدير عام دائرة المتاحف العامة لعرض تجربة العراق المتحفية |
![]() |
تدريسي في كلية الفنون الجميلة يجتاز البرنامج التدريبي لوزارة التعليم العالي ويؤكد أهمية تطوير التعليم والبحث العلمي وفق المعايير العالمية |
توقيـت بغداد









