السبت 2026/7/11 توقيـت بغداد
+9647731124141    info@addustor.com
سماء صافية
بغداد 37.63 مئويـة
نيوز بار
فلاح الشابندر بين مهيمنات النصّ ومفاتيح شفراته تحت سجادة الرمز
فلاح الشابندر بين مهيمنات النصّ ومفاتيح شفراته تحت سجادة الرمز
فنارات
أضيف بواسـطة addustor
الكاتب
النـص :

د. سعد ياسين يوسف

 

    مرت قبل أيام الذكرى السنوية الأولى لرحيل الشاعر العراقي فلاح الشابندر، في 30 آيار 2025 هذا الشاعر الذي عاش بصمت ورحل بصمت تاركاً إرثا شعريا يستحق القراءة والتأمل.

ورغم أنه كان زاهدا وبعيداً عن المهرجانات والدعوات الفارهة للشعراء إلا أنه كان يشعر بنشوة ٍغامرة كلما قرأ لي نصاً وأبدي له استحساني، قائلا: هذه الجلسة بألف مهرجان ٍ مما يعدون.  

  ولأنه كان يقول كلما ألتقيه، (سوف ننسى ما أن نموت) وددت عبر هذا الاستذكار أن أكسر دائرة النسيان التي أحاقت به، عسى أن يسعده ذلك. 

  عبر العصور التي مرت على البشرية نجد الإنسان مأخوذاً بالتعبير عن ذاته ككيان متحرك ومتغير وقد يكون شكل ذلك التعبير مما هو سائد فيمر دون أن يستوقف لحظة التأمل والسؤال ونادرا ما يخالف السائد والمألوف وهنا يستوقف كلّ علامات السؤال ، وهذا ما لمسناه خلال متابعتنا وقراءاتنا المتعددة لمنجز فلاح الشابندر في مجاميعه الشعرية الثلاث ( سطر الشارع ، وفحم وطباشير و في زنزانة السؤال ،وحائط أحدب) التي طرح من خلالها نصوصه التي نحت نحو الرمزية وجاءت أحيانا مغرقة فيها مما يدعونا بكلِّ تأكيد الى طرحٍ جديد لعمليّة القراءة ووظيفة القارئ في التعامل مع هذه النصوص.

    ولما كان الرمز من أعقد صور التخييل، إذ يتداخل فيه الثقافيّ بالنفسيّ والاجتماعي بالذاتيّ، فإن الكتابة في هذا المجال تعكس رؤية الشاعر وتجاربه التي تعمقها ثقافته وروافده الفكرية.

وإذا عدنا الى تقسيم (إيريك فروم) بحسب كتابه اللغة المنسيّة، الصادرعن المركز الثقافي العربيّ، الدار البيضاء، 1996، نجد انه قسّم الرموز الى الرمز « الاصطلاحيّ » والرمز «العرضيّ» والرمز «الجامع» غير أن ما يهمنا هنا في تجربة الكتابة الشعرية هو الرمز العرضي وهو الرمز المتعلق بتجربة الذات وهو غير قابل للفهم فَهماً مباشرا من قِبل الآخرين لأنّ الرمز العرضي وثيق الصلة بتجربة الانسان وارتباطه بحدث معيّن لكنه يخرج من دلالته الأولى ويتلبّس بدلالات جديدة يضفيها عليه ذلك الحدث، فيتمثله الشاعر برؤية جديدة عبر نصوصه التي تتطلب من المتلقي تفكيك شفرات النصّ للوصول الى المعنى قبل تشظيه.

إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةٍ لا تنتمي إلى السلاسةِ الشعرية ِ الظاهرة وانما الى تمثل المعنى الكامنِ فيها منطلقاً في كل كتاباتهِ من ثيماتٍ أساسية ٍ مهيمنة تترددُ أصداؤها في جنبات ِ النصوص التي يقدمُها للقارئ، والقارئ النخبوي بشكلٍ خاص … مدركا أن َّ هذا الغموض ليس لعباً باللغة والكلمات.

إنَّ مفاتيحَ شفراتِ نصوص ِفلاح شحيحةٌ ظاهريا ويكادُ يخفيها تحتَ طرف سجادةِ رموزه أحيانا أو بينَ شُجيراتِ المعنى..

ولعلَّ من أهمِ مهيمناتِ فلاح الشابندر في نصوصه هي:

1- مهيمنة الاحساس بالغربة:

نكادُ نجد أنَّ هاجس الغربة وحيرة الانسان في هذا الكون من جراء ِما يلاقيه من انسحاقٍ قسريٍ ومكابداتٍ واحساس بالنفي بسبب فناءِ لحظاتِ الصفاءِ بعد أن استلبَتْنا مخاوفُ عديدة أفقدتنا براءةَ الحياة والاحساسَ بجمالياتِها… في أغلبِ نصوصِ الشابندر وبشكلٍ ملفت ٍلا نستطيع أنْ نتجاوزَهُ أو المرور على النص دونَ أنْ يُمسكَ بنا دالا ًعلى جُزء ٍ من فكرة ِذلكَ النص.

2 – مهيمنة الحرب

هذه المهيمنةُ عند فلاح الشابندر تتجسدُ بالحربِ الداخليةِ التي يعانيها مع ذاته الشفافة التي ترفضُ كلَّ ما يقتلُ زهورَ الجمالِ ويشوهُ وجهَ الحياة..

ولذا فإنَّ هذا الصراع ينعكسُ على الصراعِ الحاصلِ بتعالقِ المفرداتِ التي يستخدمُها في قصائده ِ.. ظاهرياً قد لا نجد علاقة بين المفردةِ التي يرصفُها لنا فلاح الشابندر على سطرِ القصيدة ِ مع المفردة المجاورة.. ولكن لو تعمقنا أكثر بمدلولاتِ كل منهما لاهتدينا إلى حجمِ الجنونِ وفداحةِ الألم ِالذي يريدُ أن يأخذَنا اليه فلاح بتجاوراتِ جمله الشعرية ومفرداته هذه وهو يطلقها أسئلة تبحث عن إجابات.

3– مهيمنة الأنا …

حينما يشرع فلاح الشابندر في عملية الكتابة فأنه يسعى جاهدا في محاولة الإجابة عن كينونته كإنسان وهذا ما أراد أنْ يصرخ به في أغلب قصائده التي ضمها ديوانه الأول فحم وطباشير باحثا عن معناه..

هذا السؤال الأزلي الذي أرق الفلاسفة والكتاب والفنانين كما أرهق من قبلهم كلكامش..

ولكن فلاح بعد أن تتشظي القصيدة لديه وهو يبحث عن سره يلوذ بمهيمنة اخرى من المهيمنات التي يتميز بها الا وهي:

4- مهيمنة المرأة

المرأة عند فلاح الشابندر بوصفها الحديقة والملاذ والمكمل له في رحلة البحث عن معناه هي أنكيدو التي يستعين بها في الإجابة على سؤال معناه قد تتمرد عليه أحيانا وقد يتمرد جزعا منها لكنها تبقى رفيقة رحلة البحث التي انطلق بها منذ أنْ أمسك القلم ليكتب أول كلمة في سطر الشعر.

5– مهيمنة الانتظار

انتظار لما هو آتٍ على حد سواء فناءً كان أم منقذا هو يريد عبر مخاضاته الشعرية أنْ يصلَ إلى رصيفٍ يرسو عليه وشجرةٍ يستظلُّ بظلّها ونهايةٍ تُسكت ذلك الصراخ الذي يترددُ صداهُ وهو ينتظرُ خلاصه في ظلِ اشتباكِ الرؤى وتعددِ المسالك للوصولِ إلى اللاشيء.. الى متاهاتٍ تعقدُ المشهدَ اليومي لحياتِنا..

6– مهيمنة القلق

ففلاح الشابندر قلق دائم قلق في مواجهة الشيء ونقيضه، قلق في مواجهة المرأة بوصفها النّدّ، قلق في مواجهة الواقع، قلق في مواجهة الأسئلة الكبرى للحياة.. وهذا القلق الأزلي هو ما يصنع القصيدة ومن ثم الشاعر لذا فانه يكتب أحيانا هروبا من هذا القلق الذي يفترسه افتراسا.. لذلك فلا غرابة أن ْنجدَ كلماتِ الشابندر تحملُ هذه السمة من التفكك وعدم التجاور الظاهري وابتعاد الدال عن المدلول..

فالشاعر الذي يرفض نقيض (الطباشير)، وهو الشر، الظلام، الخيانة، الموت، الأمر بالسوء، السواد، ما يلبث أنْ يعلن أنَّ طباشيره (نوره) سر من ذاك الفحم مؤاخيا بين أضداده بشكل مقصود لأنه يدرك أنَّ الانسان يحمل في ثناياه هذين المتضادين وما الصراع الذي يعتمل النفس البشرية إلا نتاج لهذا التصادم بين الفحم والطباشير.

أما فيما يخص لغة القصيدة عند فلاح نجد أنَّ لغة الكتابة لديه لغة عكرة لا تستميل القارئ برومانسية عذبة بل تطرق باب التفكير لديه بعنف وتهزه للوصول به الى ماهية الفكرة أو الاقتراب قليلا من شواطئ ادراكها أو حتى تكوين فكرة مجاوره للفكرة التي سعى إليها أو لم يسع الشاعر الشابندر إلى رسمها بقصدية الكتابة..

وهو في رسم وتكوين صوره الشعرية يسعى إلى اعادة الحياة لمهملات الأشياء وهوامشها ليمنحها رؤية فلسفية عبر صياغتها وتأطيرها بأطر فكرية جديدة نابضة، أحيانا يغيب عن ذروة الوعي أثناء كتابة القصيدة فتكتب القصيدة نفسها بعيدا عن سلطة وعيه وهو بذلك مجتهد في منح اللا معنى معنى جديدا.

المشـاهدات 31   تاريخ الإضافـة 11/07/2026   رقم المحتوى 72110
أضف تقييـم